مخاوف تستنفر سياسة مسقط الخارجية

مخاوف تستنفر سياسة مسقط الخارجية

مسقط- تخلت سلطنة عمان عن تحفظها المعهود وأبدت معارضة قاطعة لخطة سعودية تهدف لتوحيد الصف العربي ضد إيران وذلك خشية أن تؤثر أي مواجهة أوسع نطاقاً على استقرارها.

ويعكس هذا الموقف – مع ما ينطوي عليه من احتمال إثارة استياء السعودية- مدى قرب إيران من ناحية وحساسية تركيبة السلطنة السياسية والاقتصادية والدينية من ناحية أخرى.

فسلطنة عمان تطل على مضيق هرمز.. ذلك الممر المائي الضيق بين إيران وشبه الجزيرة العربية الذي يمر عبره 40 % من نفط العالم الذي يتم نقله عبر البحار. وسجل مسقط حافل بالعلاقات البناءة مع طهران ووافقت مؤخراً على شراء غاز إيراني لمدة 25 عاماً.

وقال أنور الرواس المحاضر بجامعة السلطان قابوس في مسقط “الجغرافيا تقتضي تعامل عُمان مع إيران. فهي جارة مسلمة على الجانب الآخر من الخليج لذا كان لزاما علينا أن نسعى للاستقرار في هذه المنطقة.”

وتتابع عمان بقلق امتداد الخصومة بين السعودية وإيران إلى أجزاء مختلفة من المنطقة. وتعتقد الرياض وبعض الأعضاء الآخرين في مجلس التعاون الخليجي الذي تنتمي له عُمان أن طهران تستغل الانتماءات الطائفية للتدخل في شؤون الدول العربية وإقامة دائرة نفوذ في الشرق الأوسط.

وساندت الرياض جماعات تتصدى لأطراف مدعومة من إيران في الاضطرابات أو في الحروب في سوريا ولبنان والعراق والبحرين واليمن وحاولت إدخال مجلس التعاون الخليجي في ما وصفه دبلوماسي عُماني سابق بأنه “مشروع طائفي لمواجهة إيران”.

ولم تكتف السلطنة برفض الفكرة السعودية الشهر الماضي وحسب وإنما سهلت أيضاً محادثات سرية بين واشنطن وطهران قادت إلى إبرام اتفاق بشأن برنامج إيران النووي الذي تراه الرياض خطيراً.

وقال مارك فاليري خبير الشؤون العمانية في جامعة اكسيتر البريطانية “السياسة الخارجية العمانية تخدم بالأساس الاستقرار السياسي العماني. والاستقرار السياسي العماني يحتاج استقراراً إقليمياً.”

وساهمت في الاتجاه الدبلوماسي الجديد للحكومة التي تتسم بالتحفظ حتى بمعايير منطقة تميل إلى التكتم عدة عوامل منها تركيبتها الطائفية التي تختلف كثيراً عن حلفائها العرب ومنها شعور بين كثير من العمانيين بالقلق من نفوذ السعودية. وقال دبلوماسي غربي في مسقط “ربما كانوا قلقين بعض الشيء من أن تسحقهم السعودية بثقل وزنها.”

وتنبع المخاوف العمانية كذلك من الغموض المحيط بالخلافة في الأسرة الحاكمة ومن تساؤلات حول مدة بقاء نموذج اقتصادي يعتمد على إنتاج النفط الآخذ في التضاؤل.

وأظهرت احتجاجات في عدة مدن عمانية خلال الربيع العربي عام 2011 أن صبر الجماهير تجاه حكومة السلطان قابوس له حدود. ويعزا للسلطان قابوس الفضل في تحديث المملكة بعد أن أطاح بأبيه عام 1970.

دولة منفردة

يفوق عدد سكان السعودية وحجم اقتصادها العدد والحجم في بقية دول مجلس التعاون الخليجي الخمس مجتمعة. وترى عمان محاولات الرياض تكوين موقف خليجي موحد على أنه موقف متعال يتعارض مع مصالحها الاقتصادية والسياسية.

ونادراً ما ظهرت خلافات على الملأ لكن عمان كثيراً ما كانت تتخذ موقفا منفرداً بين حلفائها الخليجيين.

ففي حين دعمت دول مجلس التعاون الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بالمال والتأييد السياسي في حربه مع إيران من عام 1980 إلى عام 1988 أقامت سلطنة عمان علاقات مع طهران وتوسطت في وقف لإطلاق النار أنهى القتال.

ورتبت عمان أيضاً تبادلاً للسجناء بين طهران والغرب وساعدت في تنظيم سداد دفعات مالية لإيران مقابل شراء نفطها بعد فرض عقوبات دولية على برنامجها النووي.

وترجع هذه المواقف في جانب منها إلى الدعم الذي قدمته إيران في إخماد انتفاضة على السلطان قابوس في السبعينات على الرغم من أن الشاه هو الذي أرسل قوات إلى عمان وليس قادة ثورة 1979 التي أطاحت به.

وقال عبد الخالق عبد الله المحلل السياسي في الإمارات “قابوس ممتن دائماً لإيران لهذا.”

ولايزال مسؤولو مسقط حريصين على المصالحة. وقال فاليري “يعتبرون أن أي دور يمكنهم لعبه في تهدئة الوضع في المنطقة وبناء جسر بين الدول يصب في مصلحة عمان.”

والتركيبة المذهبية في عمان تكمن أيضاً وراء عدم ارتياحها للطبيعة الطائفية على الساحة السياسة في الخليج. فمعظم العمانيين بمن فيهم السلطان قابوس ينتمون للمذهب الإباضي الذي يقتصر وجوده على السلطنة ويتشابه كثيراً مع المذهب السني.

ولا يوجد خلاف بين الأقلية السنية الكبيرة والطائفة الشيعية الأصغر حجماً وبين الأغلبية الإباضية. وتحرص مسقط على استمرار هذا الوضع. ويقول بعض العمانيين والدبلوماسيين الأجانب إن تأثير المذهب الوهابي الذي تتبعه السعودية يسبب أحيانا بعض الخلافات.

وقال سيف المسكري وهو دبلوماسي عماني سابق شغل منصباً كبيراً في مجلس التعاون الخليجي بين عامي 1987 و1993 “نرى من حين لآخر شيوخاً وهابيين على القنوات التلفزيونية السعودية يصفون الاباضيين بأنهم مهرطقون وهذا لا يترك انطباعاً جيداً.” وأضاف أن التلميحات الطائفية من الشيعة الإيرانيين تمثل مشكلة أيضاً.

مخاوف داخلية

كل هذا يجيء في وقت تواجه فيه عمان تراجعاً في عائدات النفط على المدى الطويل وغضباً شعبياً بسبب البطالة والفساد ومخاوف بشأن المستقبل السياسي.

فالسلطان قابوس ليس له أبناء ولم يحدد خليفة له. ولا يثق العمانيون بعد في المؤسسات الحكومية مثل البرلمان المنتخب الذي لا يتمتع بصلاحيات فعلية كثيرة والذي أنشأه السلطان ببطء.

ومنذ احتجاجات عام 2011 سرع السلطان قابوس من وتيرة المساعي الرامية لتقوية المؤسسات السياسية ويقود حملة لمكافحة الفساد حوكم فيها شخصيات كبيرة ومسؤولون سابقون بتهمة الرشوة.

واتخذت الحكومة أيضاً خطوات لتعزيز توظيف المواطنين وأمرت بزيادة رواتب العمانيين وأعلنت قيوداً جديدة على تعيين العمالة الوافدة.

وتدرك السلطنة أن عليها تنويع مصادر دخلها على المدى الطويل بحيث لا يعتمد على النفط وأن توسع نطاق تجارتها إلى خارج دول مجلس التعاون ليمتد إلى دول منها إيران. وبعد الربيع العربي تعهد مجلس التعاون بتقديم مساعدات قيمتها عشرة مليارات دولار لعمان. لكن معظم هذا المبلغ سيستخدم في مشاريع مشتركة مثل خط للسكك الحديدية يمتد من عمان إلى الإمارات والسعودية والكويت.

ويقدر حجم التجارة مع إيران حاليا بنحو 250 مليون دولار في العام وهو مبلغ متواضع ولكن في آب / أغسطس وقعت مسقط اتفاقاً مدته 25 عاماً مع طهران لاستيراد الغاز في صفقة قيمتها 60 مليار دولار تقريباً.

ومن شأن هذا إلى جانب مشروع بكلفة 16 مليار دولار لتطوير مكامن الغاز العمانية، تم توقيعه مع شركة بي.بي هذا الشهر المساعدة في تخفيف نقاط الاختناق في البنية التحتية والمشاريع الصناعية.

ويظهر هذا أيضاً لعمان فوائد انتهاج سياسة تصالحية وأنها ربما تكون على حق في تخوفها من ألا تكون الاعتبارات السياسية الخاصة بالسعودية في مصلحة السلطنة على المدى الطويل.

وقال المسكري “انضمت عمان إلى مجلس التعاون الخليجي بسبب قلقها بشأن الاستقرار الإقليمي.” وأضاف “لا الشعب العماني ولا قيادته سيوافق على الذوبان في كيان أكبر.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث