المقامرة المصرية!

**القاهرة تعتمد على مليارات الخليج لإنقاذ اقتصادها المتهاوي **الحكومة المصرية تتجاهل وصفة البنك الدولي

المقامرة المصرية!

قال رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، شريف سامي، واصفاً الوضع الاقتصادي المتهاوي إن مصر تعيش حالياً “على جهاز التنفس الصناعي”، لكنه اعتبر ذلك أمراً مبرراً وسط ضعف قطاع السياحة وعزوف الأجانب عن الاستثمار المباشر، مشيراً إلى أنه لا يمكن الاعتماد على المساعدات الخليجية في المدى الطويل لأنها غير قابلة للاستمرار.

ورغم الوضع المالي غير المستقر والعجز الضخم في الميزانية لأكبر بلد عربي من حيث عدد السكان إلا أن الحكومة ترفض الأخذ بوصفة إجراءات التقشف التي ينصح بها صندوق النقد الدولي، وتسلك طريقاً مختلفاً عن كثير من الدول الأوروبية مثل اليونان التي اضطرت حكوماتها في ظل نقص السيولة إلى تطبيق برامج متتالية من إجراءات التقشف أثرت سلباً على ميزانيات المستهلكين في محاولة لخفض عجز الميزانية الضخم.

وطالب سامي الحكومة المصرية بأن لا تسرف في برامج الرعاية الاجتماعية وزيادة الأجور ومعاشات التقاعد التي تدغدغ مشاعر المواطنين في الأمد القصير، لكنها تحدث تأثيراً سلبياً حاداً على الميزانية الحكومية والعجز.

ورفعت الحكومة المؤقتة الحد الأدنى للأجور ومعاشات التقاعد للعاملين في الجهاز الحكومي وخفض البنك المركزي سعر الفائدة الأساسي نقطة مئوية كاملة منذ أغسطس آب لتنشيط النمو.

إضافة إلى ذلك تقول الحكومة إنها ستركز على مشروعات البنية التحتية كثيفة العمالة والمشروعات العامة قيد التنفيذ بهدف إحداث تحسن سريع في مستويات المعيشة للسكان البالغ عددهم 85 مليون نسمة.

وبدعم من تعهدات المساعدة الخليجية أعلنت الحكومة عن حزمة تحفيز اقتصادي حجمها 22.3 مليار جنيه مصري (3.2 مليار دولار) في أغسطس/ آب. ثم أعلنت في وقت لاحق عن زيادة تلك الحزمة بمقدار الثلث إلى 29.6 مليار جنيه إضافة إلى خطط لإنفاق 24 مليار جنيه أخرى أوائل العام القادم، لكنها لم تكشف عن تفاصيل أية خطط أخرى لتعزيز الاقتصاد في المدى الطويل.

وإذا فشلت مقامرة الدعم الخليجي ستجد الحكومة الجديدة المتوقع انتخابها في أوائل العام القادم نفسها غارقة في الديون مع عملة مقدرة بأكثر من قيمتها الحقيقية واقتصاد في أزمة.

وتعهدت السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة بتقديم مساعدات لمصر بما يزيد على 12 مليار دولار بعد أن أطاح الجيش بالرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في الثالث من يوليو/ تموز إثر احتجاجات ضخمة على حكمه.

ومنذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بحسني مبارك تقلصت الاحتياطيات الأجنبية لمصر بمقدار 20 مليار دولار واقترضت القاهرة المليارات من حلفائها وتراكمت عليها ديون بالمليارات لشركات النفط الأجنبية وكل ذلك في محاولة لدعم العملة المحلية.

وكانت حكومة مرسي توصلت إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي يتضمن إجراءات تقشف وزيادة الضرائب وخفض الدعم الذي يلتهم ربع الميزانية. لكن الاتفاق لم ينفذ قط.

وتعي الحكومة المصرية المدعومة من الجيش أن شروط صندوق النقد الدولي قد توقد شرارة رد فعل سلبي جارف قبل الانتخابات، ولذا تتفادى إجراءات التقشف.

وبعد الإطاحة برئيسين خلال ثلاث سنوات وسط مظاهرات دفعت الاقتصاد إلى الانحدار يستبطن قادة الحكومة المؤقتة الذين تولوا زمام الأمور بعد عزل مرسي تلك المخاطر.

وتقول الحكومة المصرية إنها تمضي قدماً في وضع دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في أوائل 2014 في إطار خارطة طريق سياسية أعلنها الجيش بعد أن عزل مرسي.

ويقول بعض رجال الأعمال إن هناك مؤشرات على عودة السياح والمستثمرين، الذين كانوا يوماً المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، فور انحسار الاضطرابات السياسية، غير أن هناك مستثمرين كثيرين لا تقتصر مخاوفهم على الجانب الأمني لكنهم يحجمون أيضا بسبب الطريقة التي تتعامل بها مصر مع رجال الأعمال منذ الانتفاضة.

وأعيد تأميم شركات حكومية اشتراها مستثمرون خليجيون أثناء حكم مبارك وأعيد التفاوض على مبيعات أراض وعقارات بعدما رفع محامون مستقلون دعاوى أمام المحاكم ببطلانها، لكن الحكومة المؤقتة تتخذ خطوات جدية لطمأنة المستثمرين.

وقال وزير الاستثمار أسامة صالح إن الحكومة تقوم بمراجعة جميع التشريعات الاقتصادية وإنها أدخلت تعديلات على قواعد العطاءات والمناقصات التي تسببت في دعاوى كثيرة بحق المستثمرين بما يحمي من يوقع عقودا مع الحكومة.

وكان وزير السياحة قال الشهر الماضي إن الحكومة تخطط لإطلاق حملة ترويجية أملاً في جذب 13.5 مليون سائح العام القادم. وزار البلاد 9.8 مليون سائح فقط في 2011 انخفاضا من 14.7 مليون في العام السابق.

وإذا لم تنجح تلك الإجراءات فقد تجد مصر نفسها في وضع مالي أسوأ عما قبل عزل مرسي وهو ما سيدفعها إلى طلب مزيد من المساعدات من حلفائها الخليجيين، بعد أن تفاقم عجز الميزانية في العام الذي أمضاه مرسي في الحكم إلى نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وتأمل الحكومة بدعم من المساعدات الخليجية في خفضه إلى حوالي عشرة بالمائة هذا العام.

وتطمح أيضاً إلى جني العملة الصعبة من السياح والمستثمرين لتخفيف الضغوط على الجنيه الذي فقد نحو 16 بالمئة من قيمته منذ الانتفاضة وأكثر من ذلك في السوق السوداء.

ولن تستطيع مصر الاعتماد على حلفائها الخليجيين إلى الأبد حسبما قال نهيان نائب رئيس الوزراء الإماراتي، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لدى لقائه الشهر الماضي وفدا مصريا زائرا لمنطقة الخليج،مضيفاً أن مصر لا تستطيع إصلاح اقتصادها بالاعتماد فقط على المساعدات الخليجية، منبهاً إلى أن “مصر تحتاج للتفكير في حلول مبتكرة وغير تقليدية” لحل مشاكل الاقتصاد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث