حرب أكتوبر: كيف فضحت إسرائيل؟

حرب أكتوبر: كيف فضحت إسرائيل؟

القاهرة- تُعد فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات (1970-1981)، من أهم فترات التاريخ العسكري والسياسي في البلاد، لأنه استطاع اتخاذ قرار بشن حرب عسكرية جريئة ضد إسرائيل لتحرير الأراضي المحتلة من شبه جزيرة سيناء عام 1973، حيث تفاجأ العالم بعبور الجيش المصري إلى قناة السويس في ساعات قليلة، والاستيلاء على جميع النقاط الحصينة في خط بارليف المنيع، كما أنه فاجأ العالم كله باستعداده زيارة الكنيست الإسرائيلي عام 1977، والتي تلاها توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.

في 6 أكتوبر أو يوم الغفران.. بدأ بالتنسيق بين مصر وسوريا، وكانت البداية ظهراً يوم 6 أكتوبر 1973، واستمرت المعارك حتى 25 أكتوبر من نفس العام، وهو أيضاً اليوم الذي شهد وقف إطلاق النار بين الجانبين المصري والإسرائيلي، بعد تدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في المواجهة بصورة غير مباشرة للدفاع عن حلفائهما، ورغم أن السادات وافق فوراً على وقف إطلاق النار، لأنه كان يرى الحرب وسيلة عسكرية من أجل الدخول إلى الدبلوماسية، والتفاوض للحصول على الأرض المحتلة وإقناع إسرائيل بالتراجع بعد سحقها عسكرياً، ولذلك قرر السادات أن تكون الحرب محدودة وخاطفة وموجعة للإسرائيليين، لإجبارهم على الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول السادات في مذكراته: “كان الهدف هو عملية محدودة، وكانت الأرض وهزيمة جيش الدفاع الإسرائيلي ما يشغل ذهني..، أردت فقط أن أثبت للعالم أجمع أن نظرية الجيش الذي لا يقهر سوف ينهار فور تمكُّن الجنود المصريين من عبور قناة السويس والاستيلاء على خط بارليف”.

وكانت الحرب العربية الإسرائيلية السابقة أو حرب الأيام الستة (1967)، يراها المصريون بأنها أكثر من حرب غير عادلة للعرب وللمصريين على وجه الخصوص، كما تركت الهزيمة أو النكسة والانسحاب من سيناء بأنها انخفاض لرأس الأمة العربية، وكانت أهم النتائج الاستراتيجية لهذه الحرب، بغض النظر على استيلاء إسرائيل على الأراضي، انهيار مشروع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (القومية العربية)، وقتها كان يعتقد العرب تحت قيادة عبدالناصر أنه يمكن بسهولة تسوية الصراع مع إسرائيل عسكرياً، في حال الدخول في مواجهة عسكرية، لكن أثبتت حرب 67 أنهم كانوا على خطأ.

وكان الرئيس عبد الناصر ووفقاً لمفهومه الاشتراكي الصريح، الذي جعل من معارضته للإمبريالية الجديدة المتمثلة في الولايات المتحدة والاستعمار الجديد الذي تجسده إسرائيل، وراء إعلان عداوته للغرب بشكل علني، الأمر الذي أدى إلى تزايد شعبيته في العالم العربي، وبالتالي كانت واشنطن تفكر في كيفية كسوف مجده في الشرق الأوسط، حتى استطاعت تحقيق ذلك في عام 1967، ومنذ ذلك الحين عززت إسرائيل مكانتها باعتبارها حليفاً لا غنى عنه للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خاصةً بعد أن استطاعت خلال ستة أيام تدمير أكثر من 83 ٪ من القدرات العسكرية المصرية على كافة الأسلحة، وفقاً لمعظم الخبراء العسكريين فإنهم أكدوا وقتها أن مصر تحتاج ما لا يقل عن عشرة أعوام حتى تتمكّن من المشاركة في أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل.

وفي هذا الإطار، يقول اللواء حمدي بخيت الخبير العسكري: عندما تولى السادات السلطة بعد وفاة ناصر عام 1970، يمكن القول بأنه ورث عبئاً ثقيلاً، وكانت مصر أمة منكسرة شعبياً وعسكرياً وتعاني من انهيار الاقتصاد، لكنها ومع ذلك كانت تطمح لاستعادة كبريائها ومحاولة الانتقام العسكري من الجيش الإسرائيلي، وتابع: بغض النظر عن الوقت الذي استغرقه الاستعداد للمعركة أو مدى التضحيات المطلوبة، وعلى عكس ناصر فإن السادات كان يرفض الاشتراكية، وكان يريد تقليل نفوذ السوفييت في الشرق الأوسط، لكنه أراد أولاً محايلتهم حتى يحصل على السلاح المطلوب للدخول إلى المعركة، لاعتقاده أن الولايات المتحدة وفقاً لقواعد الحرب الباردة تريد أن تحل محل الروس في المنطقة، ولذلك أراد إنهاء الجمود العسكري مع إسرائيل قبل أن تتمكّن واشنطن من تقليل نفوذ الروس في المنطقة.

ويضيف: لم يأخذ السادات وقتاً طويلاً خلال بداية ولايته الرئاسية في تحديد الأولويات المطلوبة، حيث كانت المعركة واستعادة الأرض والكبرياء للعسكرية المصرية أهم أولويات المرحلة، ولشدة إيمانه بالتفاوضات حاول مراراً وتكراراً الاستجداء بالأمريكيين للموافقة على السير في التفاوضات بدلاً من المواجهات العسكرية، كما أنه كان يأمل أن يأخذ فرصته للوصول إلى تحالف جديد مع البيت الأبيض، وبعبارة أخرى كان التوفيق بين القاهرة وتل أبيب ليست فكرة “هنري كيسنجر” وزير الخارجية الأمريكي، الذي لم يتوقع أبداً مثل هذه الخطوة الدبلوماسية، لكن السادات ظل لمدة عامين يأمل في أن ينتبه البيت الأبيض إلى مبادرته الجديدة (التفاوض لاستعادة الأرض)، لكن الرئيس “نيكسون” لم يقدّم ما يكفي من الاهتمام وأيضاً “كيسنجر”، ولذلك قرر السادات شن هجوم مشترك مع السوريين على القوات الإسرائيلية التي تحتل سيناء ومرتفعات الجولان، بدافع انتقامي لإجبار أمريكا على الوصول إلى تسوية بين المصريين والإسرائيليين، ويؤكد أن السادات كان يعتقد أن عبور قناة السويس والاستيلاء على خط بارليف والساحل الشرقي بأكمله من سيناء، أمر كافٍ لبدء المناورة دبلوماسياً.

وعن الحرب وحدوث ثغرة الدفرسوار، يشير العميد صفوت الزيات الخبير العسكري، إلى أن الحرب بدأت بشكل مذهل خلال الأيام الثلاثة الأولى، وفقاً لخطة الفريق سعد الشاذلي رئيس أركان القوات المصرية وقتها وفق خطة عسكرية تُسمى (المآذن العالية)، وفور عبور قناة السويس تمركز الجيش على 12 كم في عمق شرق قناة السويس، بحماية ومظلة قوة الدفاع الجوي بصواريخ (SAM السوفياتي)، وتابع: من ناحية أخرى فإن السوريين بتنسيق هجومهم على مرتفعات الجولان ليتزامن مع الهجوم المصري، حصد الجيش السوري في البداية مكاسب هائلة ضد الإسرائيليين فاقت إلى حد كبير جميع التوقعات، ولكن في غضون أسبوع وبعد الجسر الجوي الأمريكي الهائل من التعزيزات العسكرية، وإعادة إمداد إسرائيل بما تحتاجه من الذخائر، تعافى الجيس الإسرائيلي مجدداً وأطلقت على مدى أربعة أيام هجوماً مضاداً مكثفاً ضد العمق المصري والسوري.

ويضيف: لتخفيف هذا الضغط حاولت القوات الهجومية المصرية بأوامر من السادات، التحرُّك خارج نطاق حماية صواريخ “SAM” الجوية، الأمر الذي أغضب الشاذلي وأعطى هذا التحرُّك فرصة ذهبية لفرقة مدرعة إسرائيلية بقيادة الجنزال “أرييل شارون” بعمل هجوم مضاد أدى إلى فجوة بين الجيشين الأول والثالث ويسميها البعض (الثغرة)، وتقدّمت جنوباً وغرباً في أكثر من أسبوع من القتال العنيف بين الجانبين، وفي 22 أكتوبر تم صدور قرار بوقف إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة، لكن الطرفان لم يلتزما بالقرار، وكان كل طرف يلقي باللوم على الآخر، إلا أنه تم فعلياً يوم 25 أكتوبر إنهاء الحرب، وكان الإسرائيليون بعد تحسين مواقفهم العسكرية إلى حد كبير وإكمال تطويقهم للجيش الثالث المصري وعدم موافقتها على الانسحاب، أدى هذا التطور إلى توترات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بعد تهديد الأخير بأنه سيتدخل للدفاع عن الجيس المصري المحاصر، وبالتالي رفع الجيش الأمريكي حالة التأهُّب إلى الدرجة القصوى الثالثة، وفي نهاية المطاف تم فرض وقف إطلاق النار الثاني وتم مراقبته عن كثب حتى لا يتم اختراقه من جديد.

وفقاً لمذكرات نشرت للفريق سعد الشاذلي جنباً إلى جنب مع المواد الأرشيفية للولايات المتحدة التي رفعت عنها السرية مؤخراً، فإنه تم الكشف عن عقد هنري كيسنجر عدة اجتماعات سرية بشأن قضايا الشرق الأوسط في نيويورك وفرنسا مع محمد حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي للسادات، وفي أحد الاجتماعات قال كيسنجر لإسماعيل: “لا نتوقع أن تفوز مصر على طاولة المفاوضات ما فقدته في ساحة المعركة”، وفي عبارة أخرى “واشنطن لا يمكنها أن تفعل الكثير لمساعدة مصر طالما ظلت هي القوة المهزومة”.

وعندما تم نقل هذه العبارات إلى السادات، كان يرى أنه لا بديل سوى شن حرب مفاجئة وسريعة مع عنصر الخداع والمفاجأة، وتأمين ما لا يقل عن المرحلة الأولى من عبور قناة السويس إلى سيناء، ولذلك فشلت دوائر الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية في توقع اقتراب الحرب في أوائل أكتوبر 1973، وقللت هذه الدوائر من احتمال نشوب نزاع حتى عام 1975، وعلاوة على ذلك كان القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون لا يثقون كثيراً في قدرات القتال والمقاتل العربي، لكن خلال الأسابيع التي سبقت الحرب السوفييت كانوا يعتقدون أن الوضع كان ينمو بشكل أكثر خطورة وأن الحرب قادمة، ولذلك تم إجلاء الأسر الروس بعد أن علمت موسكو بقرار الحرب وليس توقيتها بالضبط.

وكما يعلم الروس بأن الحرب باتت وشيكة، علم الإسرائيليون أيضاً بقرار الحرب، بعد أن تلقت هذه المعلومة من أشرف مروان (الذي ربما كان عميلاً مزدوجاً بين القاهرة وتل أبيب)، وعلاوة على ذلك في أواخر سبتمبر الملك حسين العاهل الأردني، حذر جولدا مائير رئيس الوزراء الإسرائيلي أن القوات السورية تتخذ موقف الهجوم، ورغم أن هذه التطورات أقلقت الإسرائيليين، لكن قادتها استبعدوا تماماً اندلاع حرب كبرى، وكانت الحكمة الغالبة وقتها في مؤسسة الاستخبارات الأمريكية أن مصر لن تبدأ الحرب مادام التوازن العسكري يصب في صالح إسرائيل.

الآن وقد ذهب ما يقرب من 41 عاماً منذ حرب أكتوبر، وخلالها حصل الجانب الإسرائيلي على الأمن والاعتراف المصري والسلام الذي يحتاجه، فإن الجانب المصري حصل على أرضه المحتلة، وقبل كل شيء استعادة الفخر بعد فقدانه في عام 1967، حيث انتهت حرب أكتوبر بطريقة سياسية أدت إلى معاهدة كامب ديفيد وإنهاء الصراع المصري الإسرائيلي، لكن ظل الصراع العربي الإسرائيلي قائماً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث