رجل الشرق الأوسط المريض

رجل الشرق الأوسط المريض

تاج الدين عبد الحق

تحفظ الإدارة الأمريكية خط الرجعة، عندما تقول إن الحرب على داعش قد تستغرق سنوات. وهذا الإعلان برغم الالتزام الظاهر فيه، إعلان غير مطمئن، خاصة لأولئك الذين يعيش الخطر بين ظهرانيهم، أو يدق أبوابهم. أو حتى لأولئك الذين يدفعون فاتورة هذه الحرب، أو يتحملون جزءاً من كلفتها المادية أو البشرية.

أمريكا التي تحركت تحت تأثير المشاهد الصادمة، لذبح بعض مواطنيها، على يد أعضاء التنظيم، تدرك أن المعركة الجوية مهما طالت لن تحسم حربا، على مجموعات تعيش خارج التاريخ، والجغرافيا، وترتبط حياتها- كما هو حال تنظيم القاعدة من قبل – باستمرار هذه الحرب، بل وتوسيع نطاقها إن أمكن.
واشنطن بالكيفية التي تحركت بها لمواجهة داعش في العراق وسوريا، تكرر نفس الخطأ الذي ارتكبته في أفغانستان، عندما دخلت حرباً مكلفة ماديا وبشريا من أجل اجتثاث تنظيم القاعدة، لتجد نفسها في ورطة تتحين الفرص للخروج منها، تاركة حلفاءها الأفغان أمام مصير مجهول، قد يعيدهم إلى المربع الأول، وإلى أحضان حركة طالبان، هذا إن لم يتسع الخطر هناك، ليطال باكستان التي أضحت خط دفاع ثانٍ للحركة، ومصدر إمداد مادي وبشري لها.

واشنطن لم تتعلم من أخطائها في العراق، عندما انحازت قصدا، أو جهلا، لمن أراد تفصيل العراق على مقاس طائفي، لينتهي به المطاف وقد أصبح لقمة سائغة في يد طهران، تتصرف فيها تصرف السيد، الذي تأتمر القوى السياسية بأمره، ولا تتحرك إلا بإذنه.

الإدارة الأمريكية التي تعترف على لسان أوباما بأن استخباراتها أخطأت في تقييم خطر داعش في سوريا والعراق، تستعد لإرتكاب نفس الخطأ، فهي تفتح جرحا جديدا، قبل أن تعالج الجراح القديمة أو المتجددة. وقبل أن تحدد آليات العلاج ونوعيته وحدوده. علاج مفتوح على كل الاحتمالات، طارحا العديد من التساؤلات.

أبرز هذه التساؤلات: هل يمكن للتحالف الحالي الذي يتولى ضرب داعش من الجو الصمود لثلاث سنوات؟ وهل يصح أن تربط دول المنطقة نفسها، بهذا الجدول الزمني، الذي لا يتفق مع مصالحها، ويستنزف طاقاتها، و مواردها؟

التجارب الماضية أظهرت أن التضامن بين الحلفاء كان يهتز عند أول عاصفة، وأن الكثير من الدول التي تحمست للقتال إلى جانب الإدارة الأمريكية في أفغانستان والعراق سرعان ما تراجعت، وانسحبت، تحت وقع الحقائق، أو فداحة الخسائر.

اهتزاز الحلف ضد داعش له كلفة مختلفة عن التحالفات التي أقامتها واشنطن في المرات السابقة. فحلفاء الإدارة الأمريكية مختلفون هذه المرة. وهم من نسيج المنطقة، ويقدمون العون، ويشاركون في الضربات الجوية، لا من باب الصداقة، أو تبادل المصالح، بل من باب تلمس الخطر، واقترابه منهم.

والخطر الذي تستشعره دول المنطقة ليس الخطر القادم من الخارج، بل الخطر الكامن في الداخل، وهم عندما يواجهون داعش في دول الجوار إنما يحاولون فك ارتباط التنظيم الخارجي، بالخلايا النائمة، والجماعات المناصرة في الداخل، والتي تشكل سرا، أوعلنا، طابورا خامسا في الدول العربية القريبة من مسرح العمليات أو المجاورة له.

وفك الارتباط هذا، هو نصف المعادلة، ونصف النصر. ذلك أن ضرب قواعد المتطرفين في العراق وسوريا، لا يعني بالضرورة، نصرا ناجزا عليهم، أو تصفية كاملة لوجودهم، بل إن ذلك قد يعني انتقال مسرح العمليات إلى مناطق مجاورة وبتكتيكات وأساليب مختلفة. والقرار الأممي بمحاصرة أو قطع الإمداد البشري والمادي عن التنظيمات المتطرفة في العراق وسوريا، لا يؤمن اجتثاث الفكر الذي أنتج تلك التنظيمات، فهو ما يزال حاضراً في الكثير من الممارسات، وما يزال فاعلا وقادرا، على إنتاج أجيال جديدة من المتطرفين والمتشددين.

نصف النصر لا يخدم مصالح الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، بل إن ذلك قد يقوي من عزيمة المتطرفين ويخلق لديهم شعورا بالقوة يغريهم بمعاودة الكرة من جديد. هذا ما رأيناه بعد أفغانستان حين عادت المجموعات العربية من هناك، وهي تحمل إلى جانب مشاعر الانتقام والثأر، قدرات وإمكانيات أكبر من تلك التي كانت تحملها قبل أن تحارب في جبال “تورا بورا” الأفغانية.

ودول المنطقة التي لم تجد صعوبة كبيرة في تأليب الرأي العام المحلي على داعش ومثيلاتها من التنظيمات المتطرفة، قد تجد صعوبة في الاحتفاظ بهذا التأييد إذا طالت الحرب، أو إذا تبين أنها تخطيء الهدف، أو توقع خسائر أكثر مما ينبغي في صفوف المدنيين وتتسبب في مزيد من الألم والمعاناة لهم.

الإعلان عن أن الحرب قد تطول، يقتضي البحث عن إستراتيجية مختلفة، تضمن أن إطالة أمد الحرب على داعش ومن لف لفها، ليس مقصودا، أو أنه ليس وليد مصالح أطراف تحاول اقتسام الشرق الأوسط المريض، وتفكيكه وإعادة رسم خرائطه بما يتفق ومصالح قوى إقليمية ودولية لا يكون العرب شركاء فيها، وإنما أدوات لتنفيذها أو حراستها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث