الفيل الأزرق.. رؤية جديدة تعود للصفر

الفيل الأزرق.. رؤية جديدة تعود للصفر
المصدر: إرم – من سماح المغوش

نستطيع أن نشتم أخيرا قليلا من الهواء النظيف، فالفيلم العربي “الفيل الأزرق” يعتبر انعطافة هامة في تاريخ السينما العربية والمصرية، وقد أدرك طاقم عمل الفيلم ضرورة الخروج من مستنقع الأفلام الرديئة والتجارية التي غزت السينما طوال السنوات الماضية، ليأتي هذا الفيلم ويقول “كفى.. علينا أن ننهض من جديد”.

أثبت “الفيل الأزرق” زيف ادعاء صناع الأفلام الرديئة من أن هذا ما يريده الجمهور، فالفيلم استطاع أن يحقق أعلى الإيرادات طوال فترة عرضه التي انطلقت عيد الفطر الماضي، وتربع على عرش الإيرادات بقيمة وصلت إلى 30 مليون جنيه، ليثبت أن المشاهد العربي لا يزال يتمتع بذائقة رفيعة، ولم يكن بحاجة إلا لأفلام ذات قيمة.

أداء متكامل ومتميز

كان واضحا تماما رغبة أفراد طاقم العمل بالخروج بعمل استثنائي، لذا أبرز الفنانون المشاركون حرصهم على أداء تمثيلي عالي خال من الاستسهال والرغبة في البروز على حساب الآخر، وبالطبع فإن وجود فنان كخالد الصاوي جعل العمل أكثر استثنائية، فنجم كالصاوي لا يتمتع بمعايير تمثيلية عادية، بل نستطيع أن نقول إنه على مستوى هوليودي عالي في مقدرته التعاطي مع مختلف الشخصيات الصعبة والمعقدة، كما استطاع كريم عبد العزيز أن يثبت أنه صاحب موهبة فنية عالية وقادرة على التعامل مع الأدوار الصعبة، وليس جديدا على نيللي كريم قدرتها على تقديم الأدوار الجيدة.

وهنا أيضا أثبت المخرج مروان حامد رغبته بإخراج عمل يحمل بصمة متميزة، فجاء الإخراج متكاملا بحرفية عالية.

لقد استطاع طاقم العمل أن يثبت أن التعاون المتكامل والأداء البعيد عن الإسفاف والاستسهال قادر على أن يقدم فيلما من الطراز الرفيع، يستحق أن تقطع مسافة إلى السينما وتدفع ثمن مقعد كي تشاهده.

ماذا تضفي مثل هذه الأعمال؟

فيلم كـ”الفيل الأزرق” أضاف لونا مختلفا للسينما العربية، فالقصة بحد ذاتها جاءت مبتكرة، والإخراج بأسلوب جديد عربيا، فالفيلم من نوع الرعب والغموض والإثارة، وهذه هي المرة الأولى التي تنجح فيها السينما العربية بتقديم مثل هذا النوع من الأعمال، وتخلق روحا جديدة للمشاهد.

ويعتبر هذا العمل رسالة مهمة في سبيل العودة بالسينما إلى دورها الفاعل، ولتحرير الجيل الجديد من فضاء الانترنت الذي اختطفه وإعادته إلى مقاعد السينما التي ظلت شاغرة سنوات عديدة، بعد تردي مستوى العروض المحبطة التي لم تقدم سوى أفكار مكررة وتمثيل متهلهل في الغالب، باستنثاءات قليلة.

نستطيع أن نقول أن الأفلام المهمة تبرز طاقة الفنانين وطاقم العمل، ونقدر من خلالها أن نشاهد جوانب أخرى من الفنان لم يكن بقادر على أن يظهرها لولا وجود عمل حقيقي يجعله يتعامل مع كل طاقته الإبداعية لإبراز أصعب الجوانب وأدقها تفصيلا في الشخصية.

فخ الفكرة.. يعيدنا للصفر

الفيلم المقتبس من رواية الكاتب أحمد مراد، ليس فكرة جديدة تماما، إن قصدنا على المستوى العالمي طبعا، فالقصة التي تدور حول طبيب نفسي كان في عزلة ثم خرج منها ليواجه حالة نفسية غريبة ومعقدة، في مستشفى يعنى بالمرضى نفسيا الذين ارتكبوا جرائم خطيرة، (قصة روتها هوليود كثيرا).

فلا يزال لدينها استسهال بالكتابة، رغبة في أن نكتب فقط، أن ننشر رواية، أن ننجز عملا دون تفحص دقيق كثيرا، ونختار أسهل الطرق “الاقتباس من الآخرين”، لا نقدم جديدا لنا، لا نسعى أن نخلق من محيطنا العربي الغني أفكارا مبتكرة، أو جوانب أخرى لم يسلط الضوء عليها، نقع في هذا المطب مرارا وتكرارا.. ننسخ ما للآخرين ثم ننسبه لنا، لكن رؤية المخرج وقدرة الفنانين استطاعت أن تنجح في أن تبعد شبح رتابة الفكرة وأن تظهرها بمظهر جديد، وهو ما ساعد على بروزها.

ولكن لم تكن حقيقة هذه هي المشكلة في فكرة الكاتب ولا مكمن خطورتها.. بل في طريقة حلها.

نحن نقول للمشاهد في قصة الفيلم أننا أمام ما يسمى “علم النفس” أي أننا أمام علم صار أحد أهم العلوم وفروع الطب في العالم، نقول له إن هناك ما يتسبب بانحراف سلوكياتنا عن طبيعتها السليمة لنوازع نفسية تسببتها لنا ظروف معينة لذا ينبغي أن نعالج مكمن الخلل في نفوسنا لنعود إلى سويتنا، نقول له إنّ هناك ما يسمى أطباء يدرسون في الجامعات ليعالجوا هذه المشاكل.

ولكن هل قال الفيلم ذلك أيضا؟ هل أراد الفيلم أن يقول لنا إنه في حال شعرنا باضطرابات ما في سلوكنا فإننا نستطيع بكل شجاعة أن نتوجه للطبيب النفسي لعلاجها؟ ونستطيع أخيرا أن نقر أننا في القرن الثاني والعشرين وأن علينا أن نخرج من آثام جهلنا لنور العلم قليلا؟

الفيلم لم يقدم مجرد طبيب نفسي، بل قدم رجلا يبحث عن حقيقة النفس البشرية وكان يعمل على رسالة دكتوراه، أي أننا كنا ننتظر طوال الفيلم الطريقة العلمية التي سيعالج بها الطبيب مريضه ليقنعنا بكل بساطه أننا قادرون أيضا أن نعالج أمراضنا النفسية مثله.

الطبيب في النهاية، لكل من شاهد ولم يشاهد الفيلم، يعالج مريضه بالطريقة التي لا زلنا نعالج بها جميع مشاكلنا.. دعونا نقولها بصراحة “السحر”.

حين لا نستطيع أن نحل مشكلة ننسبها للشياطين والجان ثم نقدم لها الحلول السحرية. والخطورة فيما قدمه الفيلم للمشاهد أنه قدم رجل علم يعمل على دكتوراه ليضرب بكل هذا بعرض الحائط ويحل مشكلة مريضه بقليل من الأرقام التي تطرد عنه الجن المتلبس به.

المسألة ليست إنكارا لوجود الجن والشياطين فالعالم أجمع على مختلف أعراقه ودياناته يقر بوجودهم، ولكن حين ينتج أفلاما تتحدث عنهم يكون مسارها دائما صحيحا ولا تهوي بالعلوم التي تقدمت بها البشرية إلى درك السحر والشعوذة.

المشاهد العربي الذي أردنا أن نخرجه من البيئة الأمية والشعبية والتي تنسب أي مرض يصيبها أو مشكلة تحل بها إلى مس شيطاني، قلنا له بكل بساطة في هذا الفيلم أنه حتى الرجل الذي يعمل على دكتوراه في علوم النفس البشرية يعود.. إلى نقطة الصفر.

هل هذا ما كنا بحاجة إليه حقا؟

ليس هذا انتقاصا من الفيلم، فلربما طبيعة الفكرة التي فرضت أصلا الخرافة من بدايتها فرضت حلا خرافيا أيضا، وليس هذا احتجاجا على نوعية مثل هذه الأفلام، فهذه الأفلام هي التي نحن بحاجة إليها لنعيد للسينما دورها الحقيقي والفاعل، ولكن.. دعونا لا نقدم فقط رؤية إخراجية جديدة وأداء فنيا عاليا.. امنحونا فرصة أيضا لنثبت للعالم أننا قادرون أيضا على محاربة الجهل بالعلم، وأننا نستحق أيضا أن يرانا العالم بصورة أفضل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث