مصر.. الأحزاب المدنية حبر على ورق

مصر.. الأحزاب المدنية حبر على ورق
المصدر: القاهرة- من محمد نوار

هناك علامات محددة تميز الثورات السياسية عن نظيرتها الاجتماعية..، وكلا النوعين ينطوي على سلسلة من التغيرات والتحوّلات بمستويات مختلفة، وتؤدي الثورات الاجتماعية إلى إعادة توزيع الثروة والتمكين على أساس طبقي واضح وملموس.

لكن تظل الأحزاب المصرية غائبة عن مفهوم الثورة السياسية، فالأحزاب الليبرالية مثل الوفد فشلت في التطوّر والتكيُّف سريعاً مع مستجدات ومنصات الديمقراطية الاجتماعية، والأحزاب اليسارية والناصرية تخوض معركة البقاء على قيد الحياة السياسية، وهناك مشكلة أخرى تواجه السياسة الحزبية المصرية، وهي ضعف منظمات المجتمع المدني، والتي تكون دائماً مجزأة ومقسمة.

انعدام ثقة الشعب بالأحزاب

أصبحت الأحزاب السياسية في مصر غير قادرة على تطويع أداة التغيير لعدة عوامل، أبرزها أن جميع الأحزاب تواجه مشاكل مماثلة، وهي انعدام ثقة الشعب في الحزب ككيان وحقيقة، بالإضافة إلى أن الأحزاب السياسية لا تزال منفصلة إلى حد كبير عن الحياة اليومية للمواطنين العاديين، بجانب أن القدرات التنظيمية ضعيفة، وعدم وجود رسالة واضحة للحزب، ويعود هذا السبب إلى تحديات هيكلية تواجه الأحزاب السياسية المصرية.

د. حازم حسني أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة يتساءل، ماذا تحتاج الأحزاب السياسية لمواجهة التحديات المتزايدة؟، وما يمكن أن يفعله المواطنون للتأثير على السياسة العامة ويكون صوتهم مسموعاً عند الأحزاب؟ يجيب قائلاً: تحتاج الأحزاب السياسية في مصر إلى النظر بجدية في إعادة الائتلافات والتحالفات للانتخابات البرلمانية القادمة، ويرى أن عمليات الدمج وإعادة الائتلافات، يمكن أن تساعد على تعزيز الأحزاب السياسية وإنشاء قاعدة مؤسسية حزبية ومالية صلبة، واستطرد قائلاً: ربما تبحث الأحزاب السياسية عن إيجاد أدوات سياسية يمكن أن تساعد في تحقيق الديمقراطية، لكن على الرغم من أن الأحزاب السياسية كونها الوسيلة الوحيدة والإطار الشرعي والسياسي لتوجيه الدعم الجماهيري، لا تزال الحركات والتجمعات السياسية والشبابية مثل حركة 6 إبريل، هي الإطار المناسب أمام الشباب الثوري، ويوضح أن الأحزاب السياسية تحتاج إلى إعادة النظر في هيكلها التنظيمي أولاً، مع أهمية الاعتماد على النقابات والحركات الاجتماعية المختلفة، ويرى أن السياسة الحزبية هي في الواقع أداة رئيسية للتغيير الديمقراطي، ولكن الاعتماد على الأحزاب السياسية دون بدائل متكاملة، تقوض تأثير الأحزاب السياسية على الشارع والتغيير المطلوب.

تجريف حزبي

المعركة من أجل الديمقراطية تتطلب إعادة تنظيم الأحزاب السياسية، هكذا يرى د. وحيد عبدالمجيد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

وتابع: هناك تجريف حدث للأحزاب المدنية في مصر على دورها الحقيقي في تنمية المجتمع، فالخلاف والتلاسن بين الأحزاب وبعضها أصبح هو أسلوب التحاور بينهم، ومع ذلك ظهرت أحزاب بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير بدأت ترسم مستقبل مصر بنوع من التنافس فيما بينها، على رأسها المصريين الأحرار والدستور.

ويوضح أن معطيات التاريخ اختلفت، وبات المواطن يبحث عن الحداثة في الفكر والإبداع السياسي، ومحاولة محو الأمية السياسية التي يستغلها الأحزاب الدينية للترويج للحزب أو لمرشحه، كما كان يحدث في عهد الإخوان المسلمين.

ويؤكد أنه لا يوجد على الساحة المصرية الآن أحزاب قوية تدعم الشباب، وتبحث عن حقوق الأمة، أو تسعى لتطوير الوطن ومستقبل الديمقراطية، وانشغل قادة الأحزاب بكيفية توزيع كعكة البرلمان المقبل دون اعتبار لتغيرات الشارع، والتجربة أثبتت خلال السنوات الثلاث الماضية أن الأحزاب لم تستفد من قيام الثورة، لأن الشارع لم يقتنع بفكر وخطى الأحزاب المدنية التي تعتمد على الأسلوب النخبوي، وتجاهل حقوق المواطن البسيط.

الحل بالاندماج

‏ومن جانبه يطالب رفعت السعيد رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع اليساري، الأحزاب المدنية بأن تكون أكثر تعبيراً عن الشعب ومطالبه وحقوقه وقوت يومه، مما سيكون سبباً ووسيلة لالتفات الشعب حوله، مما يعطيه ثقلاً بين الأحزاب الأخرى، وسبباً رئيسياً في نجاحه في أي استحقاق انتخابي، ويرى أن جميع الأحزاب السياسية في مصر ضعيفة، ولا تمتلك برامج حقيقية أو كوادر بشرية قادرة على التواجد في الشارع، وتابع: ثورة يناير أفرزت أحزاباً أساءت للتجربة السياسية الوليدة في البلاد، حين سمح المجلس العسكري الحاكم وقتها بتكوين أحزاب بمرجعية دينية، أبرزها الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور السلفي الذراع السياسية للدعوة السلفية، والبناء والتنمية المنبثق عن الجماعة الإسلامية، وغيرها من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، والتي يعاني منها المصريون حالياً، وتواجه شبح الحل وفقاً للدستور الجديد، وبالتالي هذه الأحزاب لم تعزز التجربة السياسية، بل زادت من تخبط الشارع السياسي.

ويؤكد أن مصر بها أكثر من ثمانين حزباً، ورغم ذلك المواطن البسيط لا يعرف أياً من هذه الأحزاب، ومع ذلك لا يوجد حزب مدني يقوم بدور اجتماعي أو نشاط ثقافي، والجميع اعتمد فقط على النخبوية والظهور أمام الكاميرات، للحديث عن الديمقراطية وتداول السلطة واهتمام الحكومة بالفقراء، دون وجود برامج بديلة أو خطط مقترحة تقدّمها الأحزاب للحكومة، للمساهمة في تنمية الدولة.

في حين يقترح أحمد الفضالي رئيس تيار الاستقلال، الأحزاب المدنية الصغيرة التي تأسست بعد ثورة يناير وتعاني من مشاكل هيكلية وضعف مالي وشعبوي، بالاندماج تحت مظلة سياسية واحدة، لتكوين حزب ليبرالي قوي قادر على توعية المصريين بمشاكلهم، وطرح خطاب سياسي غير تقليدي، وبرنامج قوي قادر على التفاف المصريين حوله، بالإضافة إلى تشكيل قاعدة شعبية قوية للنزول إلى الجماهير للتوعية السياسية.

ضعف التمويل

ويرى السعيد كامل رئيس حزب الجبهة الديمقراطي، أن ضعف التمويل وانعدام ثقة الشعب في الأحزب المدنية، وعدم وجود رسالة واضحة لهذه الأحزاب، أسباب رئيسية في فشل تواجد الأحزاب الليبرالية في الشارع وبين الجماهير، ويصف الأحزاب المصرية قبل ثورة يناير بأنها كانت كرتونية ومجرد ديكور لنظام مبارك، في حين عززت التيارات الإسلامية تواجدها في الشارع بفضل تقربهم للشارع والعمل على خدمة الموطنين واستخدام الخطاب الديني في حياتهم اليومية ومع الناس، وعندما حانت لحظة العمل السياسي لم تجد عائقاً أمام حصد جميع مكاسب ثورة يناير، ويرى أن الأحزاب المدنية أصابها الشيخوخة السياسية، وأصبحت نقطة ضعف للأوضاع السياسية في البلاد، بسبب تخبطها الداخلي والانقسامات المستمرة والبحث عن مصلحة الحزب وعدم تبني موقف ثابت، وحتى بعد 30 يونيو لم تستطع الأحزاب الليبرالية لملمة أوراقها وتعديل سياستها الحزبية والتعلم من أخطاء الماضي، وحتى الآن تخشى من قوة الأحزاب الإسلامية في الشارع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث