مصر تكسب رهان إفريقيا

مصر تكسب رهان إفريقيا
المصدر: القاهرة- من محمود غريب

حصدت مصر خلال الأشهر القليلة الماضية نتائج إيجابية للغاية، جراء تنفيذ خطة خارجية تجاه إفريقيا، ذات بعد اقتصادي وسياسي، وسط إشادة إقليمية بدور القاهرة الفاعل في قضايا القارة السمراء.

وتتمثل هذه النتائج أولا في عودة مصر إلى عضوية الاتحاد الإفريقي، والتوصل إلى اتفاق مع إثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة، إضافة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول “الكوميسا”، فضلا عن محادثات شاركت بها القاهرة بشأن مواجهة بعض الحركات المسلحة في إفريقيا، مثل جماعة “بوكو حرام” النيجيرية.

وواصل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، السياسة الخارجية لبلاده، التي رسمها منذ ثورة 30 يونيو، والتي تضع القارة السمراء على رأس أولوياتها، بحسب تصريحات متواترة لدبلوماسيين مصريين.

وقامت تلك السياسة على محورين، الأول راعى التواجد المصري في قلب الصراعات المستمرة في إفريقيا، للتوسط أحيانا وطرح مبادرات في أحيان أخرى، في خطوة أعادت القاهرة إلى دورها الريادي الذي اكتسبته طوال أعوام مضت.

وركز المحور الثاني على كسب حقوق مصرية تاهت وسط غياب القاهرة عن التواجد الفعال في القارة السمراء، ما خلَّف أزمة صدعت رأس السلطات المصرية، والمتمثلة في “سد النهضة”.

وكانت بداية تطلعات مصر تجاه إفريقيا، في اليوم التالي لتشكيل حكومة ائتلافية خلفا لحكومة هشام قنديل عام 2013، كأحد استحقاقات خارطة الطريق التي أقرتها القوى السياسية في 30 تموز/ يونيو من العام نفسه.

وعقد وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، خمس جولات إفريقية، إلى جانب ثلاث جولات قام بها نائبه لشؤون القارة الإفريقية، السفير حمدي سند لوزا، طاف خلالها دول القارة بصفة عامة، ودول حوض النيل بصفة خاصة.

وجنت تلك الزيارات مكاسب سياسية واقتصادية ودبلوماسية، فمن الناحية السياسية ساهمت تلك الجولات في عودة مصر إلى ممارسة مهامها في القارة السمراء، عقب مشاركة السيسي في القمة الإفريقية الـ23 في مالابو في غينيا الاستوائية.

وشاركت القاهرة في محادثات مشتركة مع دول إفريقية بشأن قضايا ذات اهتمام مشترك، شملت أزمة جنوب السودان، وأزمة سد النهضة، ومواجهة بعض الحركات المسلحة في إفريقيا، مثل جماعة “بوكو حرام”، وغيرها من القضايا التي جعلت للقاهرة تواجدا ملحوظًا على طاولة النقاشات الإفريقية، ما مهد لعودة أنشطتها في القارة.

وبحثت تلك الجولات تعاونا استثماريا على كافة المجالات، خاصة عندما شاركت القاهرة في قمة الكوميسا برؤية استراتيجية تستهدف دعم وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دول الكوميسا، وهو ما فتح مجالاً كبيرا لهذه الدول للاستفادة من الخبرة المصرية.

وطرح الوفد المصري المشارك في هذه القمة عدة مبادرات تسهم في تفعيل نشاط التجمع وتعزيز دوره في ربط المصالح الاقتصادية والتجارية للدول الأعضاء، مثل مبادرة مشروع الخط الملاحي الذي يربط بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط، ومبادرة تفعيل دور الوكالة الإقليمية للكوميسا ومقرها القاهرة، إضافة إلى تجديد الدعوة لاستضافة مصر قمة التكتلات الإفريقية الاقتصادية (الكوميسا وتجمع شرق إفريقيا وتجمع الجنوب الإفريقي)، التي تضم في عضويتها 26 دولة إفريقية.

وكانت أول زيارة لرئيس وزراء مصر، المهندس إبراهيم محلب، عقب توليه المسؤولية، إلى تشاد، بحث خلالها سبل دعم علاقات التعاون بين البلدين في مجالي الزراعة والاستثمار، ثم توجه إلى تنزانيا وبتكليف من الرئيس عدلي منصور وقتها، تركزت الجولة في مجملها على مناقشة أزمة “سد النهضة”.

وعجلت الجولات السابقة بزيارة وفد إفريقي إلى القاهرة ضم مسؤولين من عدة دول برئاسة رئيس مالي الأسبق، ألفا عمر كوناري، كخطوة لإنهاء أزمة القاهرة ‏مع الاتحاد الإفريقي. ولم يغادر الوفد مطار القاهرة قبل أن يطلق تصريحات إيجابية بشأن الأزمة حين قال إن “ما حدث في 30 يونيو ثورة شعبية وليست انقلابا ‏عسكريا”.

أضف إلى ما سبق، التطور الإيجابي لملف سد النهضة، عبر تصريحات الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) بشأن قرب التوصل إلى حلول وسط، تعتمد على تنفيذ توصيات اللجنة الدولية بشأن السد، وهو تطور حاولت مصر الوصول إليه عبر مشاورات عدة خاضها وزير الري، حسام المغازي، في دول حوض النيل.

وفضلا عن مكاسب اقتصادية جنتها القاهرة نتيجة اهتمامها بالقارة الإفريقية ضمن ملفها الخارجي، ومكاسب سياسية بعودتها لعضوية الاتحاد في حزيران/ يونيو 2014، قبل مرور عام على إقرار خارطة الطريق.. ثمة مكاسب أخرى غير ظاهرة حققتها القاهرة من خلال مشاركتها في نقاشات حول أزمات القارة، تمثلت في اعتلاء مصر منبر القيادة- وإن كان نسبيا- في إفريقيا.

وتواترت تلك المشاركات بين مناقشة في إفريقيا وأخرى في القاهرة، طرحت مصر خلالها عدة مبادرات، وشاركت في مساعدات إنسانية للمنكوبين في الدول الإفريقية وضحايا التنظيمات المسلحة، ثم جاءت آخر مشاركة عندما توجه وفد من الخارجية المصرية الأربعاء 27 آب/ أغسطس الجاري إلى إثيوبيا لمتابعة المفاوضات الخاصة بأزمة جنوب السودان تحت رعاية تجمع “الإيجاد”.

وجسدت تصريحات المسؤولين المصريين مكانة إفريقيا لدى القاهرة، وطموحات الإدارة الجديدة تجاه القارة، حيث قال الناطق باسم الخارجية، السفير بدر عبد العاطي، إن “بلاده تتابع عن قرب تطورات الأزمة السياسية والإنسانية في جنوب السودان منذ اندلاعها منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2013، والتي نشبت على إثرها مواجهات مسلحة عنيفة بين الحكومة السودانية وجبهة المعارضة المسلحة في الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة نائب رئيس جنوب السودان السابق رياك مشار، نجم عنها وقوع آلاف الضحايا من أبناء دولة جنوب السودان، ونزوح مئات الآلاف من المدنيين العزل، الأمر الذي أدى إلى نشوب أزمة إنسانية كبيرة”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث