ماذا يريد الشباب السعودي؟

ماذا يريد الشباب السعودي؟

الرياض – نشر ناشط سعودي على موقع “يوتيوب” مقطع فيديو يوجه من خلاله رسالة سياسية محذراً فيها الأسرة الحاكمة في المملكة من مغبة سياستهم متهماً إياهم بـ “بيع وشراء المواطنين” وكأنهم “أثاث”.

وتناول الطبيب عبد الرحمن علي أحمد الغريدي العسيري – وهو من “تهامة عسير” وهي منطقة نائية غرب المملكة – في مقطع الفيديو، الذي حظي بنسبة مشاهدات مرتفعة، قضية ثلاثة ناشطين اعتقلتهم السلطات السعودية، مؤخراً، بسبب نشرهم أفلاماً على الإنترنت يشكون فيها بشأن مستوى المعيشة وينتقدون الأسرة المالكة في المملكة في تحدٍ مباشر للسلطات السعودية.

وقال “العسيري” إنّ النشطاء الثلاث “الدوسري والغامدي والحربي (الذين تم اعتقالهم) “يطالبون بحقوقهم أبسط حقوقهم وسجنوهم في اليوم الثاني”. وأضاف أنّ “المشكلة فيكم أنتم يا آل سعود تتعمدون تذلون الشعب وتكفرون الشعب. الدوسري المسكين يقول راتبي هو 1900 ريال ألي ما تكفي عشا لواحد من أولادكم. في اليوم الثاني شفنا واحد من أولادكم أولاد الأمراء اشترى سيارة مرصعة بالذهب”.

وقال أيضاً: “أنتم يا آل سعود سرقتم كل شيء.. سرقتم باسمنا وبلدنا وأضفتونا لكم بأي حق. سرقتم الإسلام صار الإسلام سعودي تبع (الشيخ صالح بن فوزان) الفوزان و(مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز) آل الشيخ وتبعكم حتى شوهتوه.. سرقتم الرسول صار الإسلام سعودي”.

وأضاف “البترول بدل ما توزعوه علينا وتعطون للشعب. لا.. تفكرونهم وتذلونهم.. وإذا توزعونه.. توزعونه على أعداء الأمة. المشكلة فيكم سرقتم كل حاجة حرام كذا هذا مو عدل”.

وتابع “أنا أسجل المقطع هذا وأنتم قاعدين تبايعوا (ولي ولي العهد الأمير) مقرن بيعة شرية.. الشعب قطعة أثاث.. بيعة شرية تعال بايع. لا يا أخي ما يصلح .. إذا حرام وإذا تكلمنا تسجنوننا.. تسجنون أو تقولون إذا ما عجبك اطلع برا البلد.. هذي مو بلدكم أنتم بس. لا يا أخي الشعب يطالب بحقوقه…. وأنا أحذركم نبغى الشيء الصح لبلدنا”.

ويختصر تسجيل فيديو “الغريدي” أبرز المشكلات الاقتصادية الاجتماعية في المملكة التي تعد أغنى دولة عربية في حين يعاني مواطنوها من عدة مشكلات كبيرة على رأسها البطالة المتفاقمة، وأزمة إسكان حادة، ونسبة فقر مرتفعة في ظل إنفاق حكومي كبير إلا أنه لا يجد الطريق إلى مستحقيه ودون وجود جهاز محاسبة أو إحصائيات دورية لتظهر مدى سوء توزيع الثروة في أغنى دولة نفطية في العالم.

البطالة وأسبابها

لا تنشر الرياض بيانات منتظمة بشأن البطالة التي تعد قضية حساسة في السعودية؛ حيث أثارت نسبها العالية بعض الاحتجاجات النادرة في السعودية التي تحظر الاحتجاجات نهائياً.

وتبلغ نسبة البطالة رسمياً نحو 12 بالمئة، فيما لو تم الاعتماد على بيانات وزارتي الخدمة المدنية والعمل، وبناءً عليه القيام بنسبة عدد العاطلين (1.22 مليون عاطل) إلى إجمالي قوة العمل السعودية البالغة أعلى من 3.8 مليون عامل وعاطل، سينتج لدينا معدّل بطالة يبلغ 32.1 بالمئة وهو ما يؤكده بعض المراقبون حيث يقولون إن نسبة الـ 12 بالمئة لا تأخذ في الحسبان من هم في سن العمل الذين لا يشغلون وظائف أو من لا يسعون بجد للحصول على عمل ونسبتهم من 60 إلى 70 بالمئة.

ويؤكد المراقبون أنّ من أسباب البطالة أيضاً هو اعتماد السعودية على ملايين المغتربين. وفي ظل نظام تعليم حكومي قديم يركز على الدين أكثر من إعداد الطلاب لسوق العمل والمهارات التقنية فإن كثيراً من السعوديين يجدون صعوبة في العثور على وظائف في القطاع الخاص الذي يستحوذ عليه نحو 6 ملايين وافد أجنبي يتقاضون رواتب ضئيلة.

كما تمثل عدم رغبة الشركات المحلية في الاستثمار في تدريب السعوديين سبباً آخر، إذ أن بوسع هذه الشركات الحصول بسهولة على تأشيرات عمل للأجانب الذين يطلبون أجوراً أقل من المواطنين مقابل عدد ساعات عمل أطول.

ويشكل عزوف كثير من السعوديين عن الأعمال اليدوية -مثل عمال المصانع- سبباً آخر، مما يجعل المملكة معتمدة على ملايين الآسيويين الذين يشغلون وظائف مثل عمال النظافة والسائقين.

وكان الكثير من السعوديين يجدون وظائفاً في الوزارات أو الهيئات المحلية الحكومية بسهولة، ولكن مع تعداد سكاني تجاوز 19 مليون سعودي لم يعد يحصل كل مواطن تلقائياً على وظيفة حكومية كما هو الحال في باقي دول الخليج العربية.

أزمة الإسكان وأسبابه

تعاني السعودية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 30 مليوناً، من أزمة إسكان متفاقمة وبحسب أفضل التقديرات (الخاصة)، فإن نحو 60 بالمئة من المواطنين –وعددهم نحو 20 مليون؛ 70 بالمئة منهم دون الـ 30 عاماً- لا يملكون منازل خاصة بهم ويعيشون في شقق مستأجرة. في حين تشير تقارير أخرى إلى أن نسبة السعوديين الذين لا يملكون منازل خاصة بهم تبلغ 78 بالمئة.

وتسعى الرياض منذ سنوات للتغلب على مشكلة نقص المعروض السكني لاسيما لذوي الدخل المنخفض في السعودية، وهم أغلب سكانها، لكن ظلت وتيرة تنفيذ برنامج الإسكان الطموح بطيئة الخطى رغم الثروة النفطية للبلاد في ظل صعوبة حصول الوزارة على الأراضي اللازمة لتنفيذ مشروعاتها.

وتعد قضية الأراضي البيضاء (غير المستغلة أو غير المطورة) في المملكة أحد أسباب أزمة الإسكان أيضاً، ويقول مراقبون إنّ حل هذه المشكلة سيحل جزءاً كبيراً من أزمة الإسكان. كما تعد حجوزات شركة “أرامكو” للأراضي في المنطقة الشرقية (الخبر، الدمام، الظهران)، وهي أحد أهم الأسواق السكنية في المملكة أحد تلك الأسباب. بالإضافة إلى نمو سريع لسكان السعودية حيث بلغ نحو 30 مليوناً منهم نحو 20 مليون مواطن، لتكون السعودية بذلك ثاني دولة في العالم من حيث التناسل وهي أكبر دولة عربية لديها زيادة في عدد السكان.

كما يعد التدفق المتزايد للعمال الأجانب أحد أسباب أزمة الإسكان السعودية، حيث تستقدم الرياض قرابة مليون عامل وافد سنوياً، وكل ذلك يشكل أيضاً طلباً إضافياً على سوق الإسكان. وأخيراً، يعد قانون الرهن العقاري، الذي تم إقراره مؤخراً، أحد أسباب أزمة الإسكان، إذ بقي قيد البحث لسنوات، وتعثر أكثر من مرة، بسبب اعتبارات تتعلق بتقديم تمويل عقاري بشكل يتفق مع الشريعة الإسلامية وكيفية التعامل مع قضايا حساسة مثل السماح للبنوك بمصادرة منزل المقترض في حالة تعثره في السداد.

كل تلك الأسباب، بالإضافة إلى نسب مرتفعة في تعثر مشاريع الحكومة وما يشوبها من فساد، تشكل معاً “أزمة الإسكان” كبرى الأزمات الاقتصادية – الاجتماعية في المملكة التي لم تنجح لحد الآن في السيطرة عليها.

الحياة السياسية

لا يوجد برلمان منتخب في السعودية. كما يستحوذ أفراد كبار في العائلة الحاكمة على المناصب الكبيرة وبعضهم له مصالح تجارية واسعة النطاق. وتفرض رقابة على الإعلام في المملكة كما يصبح الصحفيون الذين يتجاوزون الخطوط الحمراء غير المفروضة رسمياً عرضة للإقالة أو دفع غرامات كبيرة أو حتى الزج بهم في السجن.

ويتمتع رجال الدين في السعودية باستقلال ونفوذ كبيرين إلا أنهم يصطدمون أحياناً مع توجهات العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود وإصلاحاته البطيئة التي أطلقها منذ توليه العرش في العام 2005، وظهر ذلك الصدام آخر مرة بشكل علني عندما شارك عشرات من رجال الدين في احتجاج نادر، العام الماضي، أمام القصر الملكي ضد قرار الملك عبد الله الذي عين نساءً، لأول مرة في تاريخ المملكة، في مجلس الشورى وهو هيئة تقدم المشورة للحكومة بشأن القوانين الجديدة.

وبالعودة إلى مقطع فيديو “الغريدي”، الذي يقول فيه “أحنا نبغى حرية”، يتذكر المتابعون قصة “خالد الجهني” وهو المواطن السعودي الوحيد الذي لبى دعوة للاحتجاج في الرياض، في العام 2011، على غرار الدعوات التي كان يتم إطلاقها في دول مر عليها “الربيع العربي”، حيث صرخ “الجهني”، حينها، في وجه كاميرات الصحافة الأجنبية التي غطت الحادثة قائلاً “أحنا نبغى حرية” ولكنها جملة دفع ثمنها السجن لأكثر من سنة لتتحقق جملته الأخرى “نحنا نبغى دخول السجون”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث