تصنيف لبنان الائتماني ينخفض من درجة “المستقرة” إلى “السلبية”

تصنيف لبنان الائتماني ينخفض من درجة “المستقرة” إلى “السلبية”

بيروت ـ على الرغم من قصر عمر الحكومة الجديدة في لبنان برئاسة تمام سلام والمحدد بنحو ثلاثة اشهر، على أن تستقيل بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية في موعد اقصاه 25 مايو/ ايار 2014، وفقا لما نص عليه الدستور اللبناني، فهي تواجه أزمات متراكمة تتعلق بقضايا اقتصادية ومالية واجتماعية ملحة، فضلاً عن التوترات الامنية نتيجة سلسلة تفجيرات، وصفت بأنها أهم عامل من العوامل الطاردة للاستثمار، خصوصا وأن لبنان أصبح مستهدفا أمنيا، متأثرا بتداعيات الحرب السورية المستمرة وانعكاسها على مختلف المناطق.

وامتداداً لمرحلة تردي الاقتصاد القائمة في لبنان منذ بداية الاضطرابات الاقليمية، تواصل التباطؤ الاقتصادي السائد في سياق تداعيات الازمة السورية على الاستثمار والسياحة والتجارة الخارجية بشكل عام، وسجل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي نسبة منخفضة في العام 2013، تراوحت بين 1.5 في المئة و2.5 في المئة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان، وهو منخفض جداً، مقارنة مع معدلات النمو العادية التي سبق ان سجلها الاقتصاد اللبناني، وكانت لا تقل عن 7 في المئة خلال السنوات 2005-2010، ولكنها انحدرت بشكل كبير مع بدء احداث سوريا، وبلغ معدل النمو في العام 2011 نحو واحد في المئة، ثم تحسن قليلاً في العام 2012 الى 1.5 في المئة.

وتعتبر وكالة “فيتش” الدولية التي خفضت تصنيف لبنان الائتماني من درجة “المستقرة” إلى “سلبية”، أن فقدان الثقة الناجم عن الازمة السورية حمل الاقتصاد اللبناني اعباء كبيرة، وتوقعت ان يكون الناتج المحلي الاجمالي قد حقق نمواً بنسبة 1.5 في المئة فقط في العام 2013، وهي في الوقت نفسه لا ترجح ان يحصل اي تحسن كبير الى ان يتم حل النزاع السوري.

وتعكس النظرة السلبية لتصنيف “فيتش” مخاطر قد تؤدي، بشكل فردي او جماعي، الى خفض تصنيف البلاد، وهي: زعزعة الاستقرار اللبناني بشكل كبير، نتيجة التوترات الطائفية او توسع افاق الصراع السوري، وانخفاض حاد في قاعدة الودائع الاجمالية، واستمرارية تدهور اداء الدين العام.

وتبني “فيتش” توقعاتها على افتراضات عدة، أهمها أن الامن في لبنان سيشهد مزيداً من التدهور في الاشهر المقبلة، ولكن مظاهر العنف لن تتحول الى حرب اهلية واسعة النطاق.

وتبرز في هذا المجال أزمة ملف اللاجئين السوريين، وهي مأساة انسانية تحمل تبعات كبيرة وخطيرة، أمنيا واقتصاديا وإجتماعيا وماليا على لبنان، وذلك نتيجة ضعف امكانات الخزينة العامة، وارتفاع عدد النازحين، الذي يتوقع ان يتجاوز المليونين، و 80 في المئة منهم لديهم اوضاع اجتماعية صعبة، ونحو 40 في المئة منهم تقل اعمارهم عن 11 عاماً، ويحتاج هؤلاء الى الاغاثة والمأوى والطبابة والتعليم والعمل، بينما تقتصر موازنة وزارة الصحة العامة على 600 مليار ليرة، ولا تستطيع وزارة التربية استيعابهم (نحو 280 الف طالب) وتصل نسبة البطالة الى اكثر من 17 في المئة، فيما تظهر البنية التحتية ضعيفة، أما المساعدات الخارجية، فهي تأتي إلى لبنان بالقطارة.

تدفق تحويلات العاملين بالخارج

لعل الناحية الايجابية البارزة في لبنان، لا تزال تكمن في استمرار تدفق التحويلات من اللبنانيين العاملين في الخارج، الامر الذي انعكس زيادة في الرساميل الوافدة بنسبة 5.8 في المئة لتتخطى 16 مليار دولار على الرغم من التراجع الذي سجلته موجودات مصرف لبنان المركزي التي وصلت الى 35.3 مليار دولار بنهاية العام 2013.

وقد استفاد القطاع المصرفي من هذه الرساميل، مسجلاً نمواً متميزاً، عزز من قدرته على ان يكون القاطرة الاساسية لمسيرة الاقتصاد اللبناني.

وتشير الارقام الرسمية الى نمو الودائع المصرفية بقيمة 11.2 مليار دولار، متجاوزة الـ 140 مليار دولار، مقابل 9.3 مليارات في العام 2012، ولوحظ ان العملات الاجنبية كانت المحرك الرئيسي لنمو النشاط المصرفي بحيث نمت هذه الودائع بقيمة 9.1 مليار دولار مقابل فقط 2.1 مليار دولار للودائع بالليرة، الامر الذي رفع نسبة الدولرة بمقدار 1.3 في المئة الى 66.1 في المئة بنهاية العام 2013. وقد سجلت المصارف هذا النشاط المميز في ظل الظروف الصعبة القائمة، ورغم ذلك بلغت ارباحها ما مجموعه 1375 مليون دولار بزيادة 5.7 في المئة عن ارباح العام 2012.

تراجع الاستثمار

ولكن في المقابل، وعلى الرغم من الحوافز الى وفرها مصرف لبنان لتشجيع المستثمرين على تنفيذ المشاريع في القطاع الخاص والبالغة 2200 مليار ليرة (1.46 مليار دولار)، فان حركة الاستثمار تراجعت في العام 2013، حتى انها شهدت ركوداً في بعض القطاعات، ولوحظ في هذا المجال نراجع نمو القروض الممنوحة للقطاعات الاقتصادية الى 3.04 مليارات دولار خلال العشرة اشهر الاولى من العام 2013، مقارنة بـ 3.4 مليارات خلال الفترة ذاتها من العام 2012، اي بنقص نحو 360 مليون دولار، وبنسبة 10 في المئة، وذلك بسبب عدم قدرة القطاعات على الاقبال على الاقتراض بفعل الوضعين الامني والسياسي الداخلي من جهة، والتطورات الامنية الاقليمية من جهة اخرى، وتراجع النشاط التجاري والاقتصادي اساسا.

ومع استمرار هذه الاسباب خلال العام 2014، وحرصاً من مصرف لبنان على تعزيز الحوافز وتشجيع المستثمرين على الاقتراض، فقد قرر زيادة قيمة الحوافز للعام الحالي بنحو 1200 مليار ليرة(800 مليون دولار) لتمويل القروض الصغيرة والمتوسطة بفوائد شبه معدومة لمساعدة المؤسسات الناشئة على تولي خلق فرص عمل جديدة، باعتبار ان كل التحذيرات من السلطات النقدية والمالية تنصب على التنبه لمخاطر تقلص فرص العمل والآثار الاجتماعية المترتبة عليها في ظل تراجع الاستثمارات وانعدام قيام المشاريع، وتراجع النشاطات الاقتصادية والانتاجية وحتى ايرادات الدولة.

ودخول مصرف لبنان مشاركاً المصارف في تمويل المؤسسات وتشجيع المستثمرين ليس هدفه تأمين السيولة فقط، وهي مؤمنة لدى المصارف التي تعاني من استمرار فائض سيولة لديها بما لا يقل عن 20 مليار دولار، وتفتش عن مجالات لتوظيفها، بل الهدف الاساسي هو مشاركة البنك المركزي القطاع المصرفي بتحمل مخاطر القروض ونتائج توظيفاتها في حال حصلت تطورات امنية او اضطرابات سياسية.

أزمة مالية الدولة

ولعل أهم أزمة سيواجهها لبنان في العام 2014، هو تفاقم ازمة الدين العام والذي تجاوزت قيمته 64 مليار دولار، وينتظر ان يصل الى 75 مليار دولار في نهاية العام الحالي، وهو تطور خطير جداً بحيث ترتفع نسبته الى اكثر من 180 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، مقارنة مع نحو 126 في المئة في العام 2010، أي قبل احداث الازمة السورية.

وتشير معلومات وزارة المالية إلى أن إجمالي المستحقات بسندات الليرة اللبنانية للعام 2014 تقدر بنحو 10455 مليار ليرة (7 مليارات دولار)، بعدما تخطى وزير المال السابق محمد الصفدي بالتعاون مع مصرف لبنان معضلة تمويل احتياجات العام 2013 بإصدار سندات واستبدال شهادات إيداع لعشر سنوات و12 سنة بفوائد تصل إلى 8.74 في المئة.

وهذه الاستحقاقات بالليرة قد لا تشكل مشكلة كون المصارف تجدد اكتتاباتها. لكن المشكلة بديون العملات الاجنبية والمستحقات في غياب الموازنات التي تتيح الاستدانة للدولة لاستبدال الديون والمستحقات، وهو أمر تنصّ عليه الموازنات غير الموجودة أصلاً منذ سنوات (2006 حتى 2014). بمعنى آخر، انه إذا أضيفت المستحقات بالليرة إلى الاستحقاقات بالعملات، فإن إجمالي متوجبات الدولة ستفوق 14.5 مليار دولار مع احتساب عجز موازنة العام 2014 البالغة حوالي 5600 مليار ليرة، وهو استحقاق كبير في سنة الاستحقاق الرئاسي، وفي غياب التوافق على شكل ومضمون التوجهات المالية والاقتصادية .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث