العامل الإسرائيلي يؤهل حكومة النسور للحاق بحكومة الكباريتي

العامل الإسرائيلي يؤهل حكومة النسور للحاق بحكومة الكباريتي
المصدر: عمّان – (خاص) من شاكر الجوهري

كما أدى حادث إطلاق النار على الفتيات الإسرائيليات عام 1996 إلى إسقاط حكومة عبد الكريم الكباريتي, يبدو أن تفاعلات حادث إطلاق النار على القاضي رائد علاء الدين زعيتر سيؤدي إلى إسقاط حكومة عبد الله النسور، وإن كان من الصعبالجزم بذلك, إلا أن تفاعلات الحدث بدأت تتابع.

منذ اللحظات الأولى التي أعقبت إعلان مقتل القاضي زعيتر برصاص جندي إسرائيلي في جسر الملك حسين, تكهربت الأجواء في الأردن على مختلف الصعد، فمن مسيرات ليلية تحتشد أمام مبنى السفارة الإسرائيلية تطالب بطرد السفير الإسرائيلي، إلى نواب يطالبون بطرد السفير وإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، إلى جمهور شرفة مجلس النواب الذي حاول حرق العلم الإسرائيلي.

مقتل القاضي جاء ليعزز أسباب تجدد حيوية الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح والتغيير، إلى جانب خطة كيري، وأخطارها المحدقة بالأردن على أكثر من صعيد.

اتجاه الأنظار الناقمة صوب حكومة النسور, في معرض التعبير عن السخط على الجريمة الإسرائيلية الجديدة سببه أن هذه الحكومة سعت منذ بداية الحدث إلى التنصل من مسؤولياتها في التعامل مع إسرائيل بما يحافظ على السيادة والكرامة الأردنيتين.

بلغ الأمر بهذه الحكومة حد الإعلان أن موقفها من الحدث سيترتب على نتائج التحقيقات الإسرائيلية في الحادث، بل إن وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة الدكتور محمد المومني، تبنى الرواية الإسرائيلية للحادث، بزعم حدوث شجار بين القاضي الأردني وجنود إسرائيليين أدى إلى إطلاق النار عليه.

موقف الحكومة الغريب هذا، منح صدقية مسبقة للتحقيقات الإسرائيلية, وألزم الدولة الأردنية بالبناء على مخرجاتها، وجعل الأردنيين, ونوابهم, يستشيطون غضبا على غضب، خصوصا وأن النواب أخفقوا خلال الأسابيع الماضية في إلزام الحكومة بتوصياتهم بطرد السفير الإسرائيلي، فضلا عن أن رئيس مجلس النواب, وضع في درج سحيق طلبا نيابيا سابقا ببحث سحب الثقة من حكومة النسور.

الأربعاء حمل في ضوء كل ما سبق مفاجأة غير مسبوقة في الحياة البرلمانية الأردنية, التي شهدت منذ قيام الدولة (الإمارة) الأردنية سنة 1921، حالة حجب واحدة للثقة عن حكومة, كانت برئاسة سمير الرفاعي الجد سنة 1964, وإن أطيح بحكومتي زيد الرفاعي الأب, ثم سمير الرفاعي الحفيد، جراء احتجاجات شعبية في عامي 1989 و 2010.

مفاجأة النواب كانت متعددة الرؤوس, إذ طالبوا مجددا بإطلاق سراح الجندي الأردني أحمد الدقامسة, الذي قتلت رصاصاته عام 1997 سبع فتيات إسرائيليات، إثر سخريتهن من صلاته، حيث أمضى في السجن -حتى الآن- 17 عاما, ويتبقى من حكمه ثلاثة أعوام, لكن الحكومات الأردنية ظلت تصر على التفريط بالفرص التي تتيح إطلاق سراحه.

وطالب النواب أيضا بطرد السفير الإسرائيلي، مع ملاحظة أن طرد السفير لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية, ولا إلغاء معاهدة وادي عربة، غير أن الحكومات ظلت ترفض طويلا الاستجابة لهكذا مطلب.

كما طالبوا بإحالة قتلة القاضي زعيتر إلى محكمة الجنايات الدولية, لتشكيكهم حتى بنتائج تحقيقات أردنية إسرائيلية مشتركة، كان النسور أعلن عنها في اجتماع مجلس النواب الثلاثاء 11 آذار/ مارس.

أهم ما تضمنته المذكرة البرلمانية الأربعاء، هو إمهال حكومة النسور أسبوعا كاملا لتنفيذ مطالب النواب, وبعكسه, فإنهم سيطلبون عقد جلسة عاجلة لمجلسهم للتصويت على حجب الثقة عن الحكومة.

خلال الأشهر الماضية عمل عدد من النواب على توظيف الخلاف بين رئيس الوزراء ومدير المخابرات العامة من أجل إسقاط الحكومة, غير أن تدخلات القصر حالت دون ذلك أكثر من مرة.

غير أن تعاظم الغضبة الشعبية, من شأنه أن يلجم الضغوطات التي هدفت إلى إطالة عمر حكومة النسور ولو إلى الربيع المقبل, الذي يبدأ رسميا في 21 آذار/ مارس الجاري.

بطبيعة الحال، يدرك النواب الذين صاغوا البيان البرلماني, الذي وقعت عليه غالبية برلمانية، أن النسور لا يستطيع أن يقرر إطلاق سراح الدقامسة, ولا طرد السفير الإسرائيلي, دون موافقة وتوقيع الملك.

على الأقل, الدستور يحدد صلاحيات إصدار العفو العام أو الخاص بشخص الملك, بعد أن تنسب بذلك الحكومة.

وحين يكون الهدف هو رأس الحكومة, يتوقع أن تمارس على النواب ضغوطات متقابلة, وإن بشكل غير مباشر, من قبل كل من دائرة المخابرات العامة والقصر، يصعب تصور مآلات تفاعلاتها على المشهد السياسي الأردني.

هنالك أمران واضحان يلوحان الآن في الأفق، يتمثل الأول باستقالة حكومة عبد الله النسور في حال إخفاقها في إقناع الملك بمطالب النواب, وتمسك النواب بهذه المطالب، حيث تلزم المادة 54/2 من الدستور الأردني، الحكومة بتقديم استقالتها في حال حجب ثقة النواب عنها بالأغلبية النسبية، في حين يتمثل الأمر الثاني بأن تكون حكومة النسور ثاني حكومة تضطر لتقديم استقالتها جراء سحب الثقة البرلمانية في تاريخ الدولة الأردنية، وهي أيضا ستكون ثاني حكومة تضطر إلى ذلك جراء عامل اسرائيلي بعد حكومة عبد الكريم الكباريتي عام 1997.

بقي أن نقول أنه شتان بين استقالة عبد الله النسور من منصب وزير الخارجية في حكومة طاهر المصري عام 1991 تخففا من المشاركة في مؤتمر مدريد للحل السياسي، باعتباره كان معارضا للحلول السياسية مع إسرائيل، وبين اضطراره للاستقالة عام 2014 من رئاسة الوزراء لعدم قدرته أو رغبته في طرد السفير الإسرائيلي, وإطلاق سراح الجندي الأردني الذي يمجده كل الأردنيين باعتباره قتل فتيات إسرائيليات ثأرا لدينه وعقيدته.

هل يعيد الملك تكليف النسور بتشكيل الحكومة في حال تقديمه لاستقالة من الحكومة الحالية؟

باختصار شديد، الظروف الراهنة غير مواتية لممارسة مثل هذا الترف. إلى ذلك، يتوجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أولا أن مجلس السياسات برئاسة الملك سبق له أن قرر بقاء حكومة النسور حتى آذار/مارس الجاري، وثانيا أن صندوق النقد الدولي أقر بإيجابية الإنجازات الإصلاحية على الصعيد الاقتصادي لحكومة النسور، وعلى ذلك أعيد فتح باب الحصول على مزيد من القروض، وثالثا أن الملك بات يستشعر ضرورة تنفيس الاحتقانات الشعبية التي أسفرت عنها سياسات رفع الأسعار التي انتهجتها حكومة النسور.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث