الأردن: لا آلية عمل لترجمة قرار طرد سفير إسرائيل

الأردن: لا آلية عمل لترجمة قرار طرد سفير إسرائيل
المصدر: عمان- (خاص) من شاكر الجوهري

هل تستجيب الحكومة الأردنية لقرار مجلس النواب، الذي طالبها بطرد السفير الإسرائيلي من عمان، وسحب السفير الأردني من تل أبيب؟.

أصبح السؤال أكثر إلحاحية بعد تصريح وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام والإتصال محمد المومني، الذي أكد فيه أن الحكومة ستتعامل مع هذا القرار وفقا لـ “المقتضى الدستوري”.

تصريح الوزير، أضفى مزيدا من الأهمية غير الواقعية على قرار مجلس النواب، وجعل كثير من المراسلين الصحفيين في عمّان يبدون مزيدا من الإهتمام ببيان مجلس النواب، الذي لم يجد له أي صدى في اسرائيل.

من حيث المبدأ، فإن قرار مجلس النواب غير ملزم للحكومة، وهو لا يزيد عن كونه توصية، ذلك أن الولاية العامة على الدولة هي للحكومة، بحكم نص الدستور. وأن اختصاصات مجلس النواب تنحصر فقط في التشريع والرقابة.

الدستور يمنح مجلس النواب حق سحب الثقة من الحكومة، واسقاطها، ما يمثل عامل ضغط نظري على الحكومة، يدفعها نظريا للتجاوب مع توصيات النواب، غير أن الحكومات تعرف أن مجلس النواب مارس منذ قيام الدولة الأردنية هذا الحق فقط لمرة واحدة، وفي ظل ظروف شديدة الاختلاف عما هو قائم الآن.

وتعود تلك الحادثة، عندما حجب المجلس الثقة من حكومة سميرالرفاعي (الجد) في تاريخ 20/4/1963، التي كانت شكلت بتاريخ 27/3/1963، أي أثناء التصويت على الثقة بها بعد 20 يوما من تشكيلها.

أما حكومة نجله زيد سمير الرفاعي، التي شكلت في تاريخ 4/4/1985، فأسقطها الشعب الأردني بشكل مباشر في نيسان/إبريل في تاريخ 26/4/1989.

المظاهرات الشعبية، كانت أسقطت من قبل حكومة هزاع المجالي، في 20/12/1955 بعد فقط خمسة أيام من تشكيلها في تاريخ 15/12/1955 على خلفية سعيه إلى ضم الأردن إلى حلف بغداد.

إذا حكومة أردنية واحدة فقط، أسقطها مجلس النواب منذ تشكيل الدولة الأردنية عام 1921، تعاقب خلالها حتى الآن 73 حكومة. وحكومتان أسقطتها المظاهرات الشعبية.

هذه حقائق تجعل حكومة الدكتور عبد الله النسور تطمئن، إلى أن مجلس النواب لن يعمل على اسقاطها، طالما أن نواب الأردن لا زالوا يصوتون بالثقة للحكومة فقط لأنها “حكومة جلالة الملك”.

ثم إن القرارات المفصلية يتخذها الملك شخصيا لا الحكومة.

وهنا، فإن للمقتضى الدستوري، الذي تحدث عنه الوزير المومني، لا يزيد عن كون الحكومة، لا مجلس النواب، هي صاحبة الولاية الدستورية على الدولة الأردنية. وأن لا أهمية، ولا آلية عمل تترجم قرارات النواب.

إلى ذلك، لا بد من ملاحظة أن طرد السفير الإسرائيلي من عمان، وسحب السفير الأردني من تل أبيب لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولا سحب الاعتراف المتبادل بينهما، وهو يعني فقط خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي.

وسبق أن حدث هذا، وبقي منصب السفير الأردني في تل أبيب شاغرا لعدة سنوات.

ما سبق لا يقلل في أي حال من أهمية وخطورة بحث الكنيست الإسرائيلي سحب وصاية الأردن عن المقدسات في القدس الشرقية المحتلة، لكن الظرف الأردني لا يسمح لعمّان بترف قطع العلاقات، أو إلغاء “معاهدة السلام” بين البلدين.

ويعود ذلك إلى أن معاهدة السلام بين الطرفين، حققت للأردن أول اعتراف إسرائيلي بوجود الدولة الأردنية، بعد أن كانت اسرائيل تزعم أن الأردن جزء من أرض اسرائيل الكبرى.

وحين اتفق ونستون تشرتشل وزير المستعمرات البريطاني، مع الملك عبد الله الأول على إخراج الأردن من وعد بلفور، والانتداب البريطاني على فلسطين، احتجت الوكالة اليهودية في حينه بشكل صاخب.

ذاكرة الدولة الأردنية لم تنس ذلك بعد، كما أن عقل الدولة الأردنية يدرك الحقائق الثلاث الأساسية التالية:

الحقيقة الأولى: سحب اسرائيل لوصاية الملك عبد الله الثاني عن المقدسات في القدس يعني نزع الشرعية الدينية لنظام الحكم في الأردن (وهي واحدة من عدة شرعيات)، القائمة على رعاية المقدسات، وفي المقدمة منها المسجد الأقصى المبارك.

الحقيقة الثانية: التفكير الإسرائيلي بسحب الوصاية، هو مجرد مقدمة ومدخل إلى قرار آخر بفرض السيادة الإسرائيلية على الحرم القدسي، باعتباره “جبل الهيكل”، حيث يتواصل العمل الإسرائيلي لبناء هيكل سليمان محل المسجد الأقصى..

لهذا تحديدا رفض نتنياهو اتفاق الملك ـ عباس أواخر آذار/مارس من العام الماضي، الذي منح الملك حق الوصاية على القدس ومقدساتها.

الحقيقة الثالثة: أن استيلاء إسرائيل على المسجد الأقصى، وسبقه الاستيلاء على نصف الحرم الإبراهيمي في الخليل، يدفع السلطة الفلسطينية إلى وقف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ويوفر فرصة لنتنياهو لتحميل الرئيس الفلسطيني المسؤولية عن وقف المفاوضات وفشلها، والتنصل من فكرة حل الدولتين، وهذا في حد ذاته يبقي حالة قلق ديموغرافي في المنطقة، طالما ظل هنالك ثلاثة شعوب وفقط دولتين.

هذه الفكرة بالذات هي التي تقلق الفلسطينيين والأردنيين، وتنعش المؤامرات الإسرائيلية التي تفكر في حل فلسطيني في الأردن تحت شعار التوطين المؤقت، باعتباره خطوة على طريق تقود وفقا للمخطط الصهيوني إلى احتلال الأردن، وفتح الأبواب أمام الأطماع الصهيونية في منابع النفط العربي في الجزيرة العربية.

الأردن يدرك أيضا أن الظرف الموضوعي العربي لا يؤهله الآن لارتكاب مغامرة غير محسوبة على صعيد مستقبل علاقته بإسرائيل.

الأمر شائك جدا، ويستدعي إعادة بناء وتفعيل النظام العربي عبر طريق واحد لا ثاني له: حرية وديمقراطية وتمكين الشعوب من عملية صنع القرار.

لذلك، فإن الحكومة الأردنية يفترض أن تكون سعيدة الآن بالدور الذي يقوم مجلس النواب بالتصدي، وإن كان لفظيا، للتحرشات الإسرائيلية، ذلك أنه دور يغلق الأبواب أمام “سياسة فرق تسد”، التي ورثتها اسرائيل عن بريطانيا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث