جنيف2.. قوى تحاول فرض توازناتها على حساب دمشق

جنيف2.. قوى تحاول فرض توازناتها على حساب دمشق
المصدر: عمان- (خاص) من شاكر الجوهري

ثلاثة أمور مهمّة يلحظها المحلل وهو يتابع مجريات “جنيف2”:

الأول: أن الأمر لا يزال في مرحلة بداية الشروع، أي أن كل طرف يطرح موقفا تفاوضيا قابل للأخذ والعطاء.

الثاني: أن وفد النظام يستخدم دبلوماسيته الشهيرة التي تتمسك بالموقف المعلن، حتى لحظة ما قبيل السقوط عن حافة الهاوية، فيتم التراجع المفاجئ تحت عنوان “تحقيق الإنتصارات”، وغدا لا يستبعد أن يتم ترويج موافقة النظام على تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، باعتبارها أكبر انتصارات النظام.

الثالث: تركيز النظام على تغليب الجانب الإعلامي في تركيبة وفده إلى جنيف.

ولنبدأ بالأمر الثالث:

يضم وفد النظام في عضويته وزير الإعلام (عمران الزعبي)، ومستشارة الرئيس للشؤون السياسية والإعلامية (بثينة شعبان)، ومديرة المكتب الإعلامي للرئيس (لونا شبل)، إضافة إلى عدد كبير من الإعلاميين العاملين في مختلف المؤسسات الإعلامية للنظام.

هذه التركيبة متصلة في الحقيقة، بل هي شديدة الاتصال بالموقف الذي عبّر عنه رئيس الوفد، وزير الخارجية (وليد المعلم)، من أن الوفد قادم إلى جنيف من أجل الاتفاق على كيفية محاربة الإرهاب في سوريا، وليس التنازل عن منصب الرئيس أو الحكم، اللذين اعتبرهما خطا أحمر.

التركيبة الإعلامية، والموقف السياسي المعلن معنيان بالحفاظ على معنويات جيش النظام، وما تبقى له من أنصار داخل الحزب الحاكم، ومؤسسات الدولة السورية، حتى تحين اللحظة التي يقرر فيها الأسد مغادرة سوريا وإنهاء نظامه بشكل منظم، وذلك اتعاظا من تجربة الرئيس الأفغاني الأسبق الدكتور محمد نجيب الله، الذي سقط نظامه في خضم حالة من الفوضى أنهت حياته.

سقط نظام الدكتور نجيب الله بتاريخ 16 آذار/ مارس 1992، بعد 31 يوما من إعلانه اعتزامه الاستقالة من منصبه بعد شهرين، مرتكبا بهذا الإعلان خطأ فاحشا، حيث انقلب عليه قادته العسكريين، وأركان حزبه، الذين رفضوا فكرة استقالة الرئيس، وأن تؤول السلطة إلى جهة معارضة للنظام القائم، بأمل أن يحافظوا على حياتهم ومكاسبهم وامتيازاتهم. وقرروا ما دام الرئيس قرر الاستقالة، فلنكن نحن من يخلفه في حكم البلاد، فكان أن سقطوا معه في ظل تشظي مكونات النظام.

درس نجيب يعيه الكثير من الحكام العرب، ولذلك فقد ظلوا يعلنون تمسكهم بالحكم حتى لحظة سقوطهم، خشية أن تنقلب عليهم جيوشهم وأجهزتهم الأمنية.

إعلان وليد المعلم أن الوفد الذي يقوده يهدف إلى بحث كيفية محاربة المجتمع الدولي للإرهاب في سوريا، هدف في الواقع إلى تحقيق هدفين رئيسين:

الأول: العمل على إقناع الرأي العام السوري، بعدم نية، وقادة الجيش والأجهزة الأمنية السورية، أو إمكانية تنحي بشار الأسد، حتى لا ينقلب النظام على رأس النظام، وفقا للسيناريو الأفغاني الذي أطاح نجيب الله في ظل حالة من الفوضى قادت رقبة نجيب الله إلى مشنقة حركة طالبان بعد اقتحامها سفارة الهند التي كان لجأ لها الرئيس هربا من جنوده أولا.

الثاني: بذل محاولة أخيرة لإقناع واشنطن بإعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي لتصبح محاربة الإرهاب (السلفية الجهادية) أولا، بالتنسيق مع النظام.

التصريح الذي صدر عن مساعد وزير الخارجية الروسي بأن الأسد هو المهيئ لحكم سوريا في هذه المرحلة يتماهى تماما مع تكتيك النظام السوري من حيث الوسائل والأهداف.

لكن المؤكد أن التكتيك الروسي يضيف هدفا آخر، هو منح موسكو فرصة المشاركة في صياغة النظام المقبل الجديد في سوريا، على نحو يحافظ على مصالحها في سوريا، وعموم دول المنطقة، فضلا عن منح نفسها فسحة زمن لمساومة واشنطن على الثمن الذي عليها أن تدفعه لموسكو نظير التخلي العملي عن نظام الأسد بعد أن سبق لها التخلي النظري عن نظامه في “جنيف1”.

لا يمكن لعاقل أن يفكر بأن موسكو تخلت عن التزاماتها التي اتفقت عليها مع واشنطن في “جنيف1” بتشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات في سوريا، كخطوة على طريق طي صفحة رئاسة بشار الأسد لسوريا.

روسيا دولة عظمى لا يمكن لها أن تمارس عبثا في سياساتها وعلاقاتها الدولية، خصوصا مع دولة في مستوى وزن وثقل الولايات المتحدة الأميركية، التي هي على تماس يومي معها يتعلق بمصالح الدولتين، وهي تدرك كل الإدراك أهمية أن تحصل على ثقة واشنطن، وخطورة أن تفقد هذه الثقة.

ولذلك، فإن القناعة تؤكد أن ضغوطا أمريكية وروسية مشتركة، هي التي طوت صفحة تهديدات المعلم بمغادرة جنيف ووفده، بعد مناورته التي أعلن في خضمها أنهما سينسحبان احتجاجا على عدم جدية وفد المعارضة في مفاوضة الوفد الرسمي.

جانب من الضغط الأميركي تجلى في إعلان جون كيري وزير الخارجية الأميركية “إن كل حديث المعلم عن الإرهاب والإرهابيين وضرورة محاربتهم في سوريا لن يغير شيئا من جدول أعمال جنيف2”.

هذا لا يعني البتة أن واشنطن غير معنية بالقضاء على تنظيمات “السلفية الجهادية”، في سوريا، والتي تشكل تهديدا خطيرا لمصالح أمريكا النفطية والإستراتيجية في المنطقة، لكنه يعني فقط اختلاف وجهات النظر بشأن الوسائل التي يجب اعتمادها لتحقيق هذا الهدف.

حين تلكأت، بل حين امتنعت واشنطن عن التدخل عسكريا في سوريا، فذلك لأنها ليست في وارد التدخل العسكري في أي بلد في التوقيت الراهن، وهي التي تعجلت سحب قواتها من العراق، وتتوسل الوسائل التي تتيح لها سحب قواتها من افغانستان، بعد أن ورثت ورطة الجيوش السوفياتية في هذا البلد صعب المراس.

وعليه، فإن اللغة التي تحدث بها بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة، من أن القضاء على التنظيمات الإرهابية في سوريا، يتم من خلال القضاء على الظروف والمناخات المناسبة التي فتحت أبواب سوريا أمام هذه التنظيمات، من خلال إشاعة الديمقراطية في سوريا، يبدو أنه اللغة المعتمدة كذلك أمريكيا.

وليد المعلم لم يعين وزيرا للخارجية، ولم يرسل إلى “جنيف2” إلا بفضل خبرته كمندوب متمرس للنظام السوري في الأمم المتحدة. وهذا يعني أن الرجل لن يتوقف عن محاولات المناورة حتى يجد نفسه والنظام السوري على وشك السقوط من على حافة الهاوية التي يقفان عندها منذ بعض الوقت.

لكن يظل صراع الإرادات، والإمكانات هو الحاسم والمفصلي، بأكثر مما هو التكتيك السياسي والإعلامي الذي يمكن اللجوء إليه من قبل هذا الطرف أو ذاك.

الرئيس السوري ونظامه يدركان أن مخرجات “جنيف1” التي تنص من حزيران/ يونيو 2012 على تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات في سوريا لا مكان فيها لبشار الأسد، صاغها توافق أمريكي- روسي، وأن المهلة الزمنية بين حزيران/ يونيو 2012, وكانون ثاني/ يناير 2014، إنما كانت فرصة أميركية- روسية منحت للنظام السوري كي يتمكن خلالها من القضاء على التنظيمات السلفية الجهادية في سوريا، كما يدركان استحالة تمديد هذه المهلة، رغم المطالبة الإسرائيلية بذلك أيضا.

هنالك تعارض في الرؤية والحسابات الإسرائيلية- الأمريكية في هذه المرة.

إسرائيل تريد استمرار القتال في سوريا لأطول فترة زمنية ممكنة، بما يهيئ الظروف لمزيد من تحطيم القدرات والإمكانات السورية، وإخراجها كلية من المعادلة العربية- الإسرائيلية، والتوصل مع نظام الأسد إلى معاهدة سلام بشروط وإملاءات إسرائيلية تغلق الباب الأمريكي المنفتح حاليا على مشروع حل نهائي للقضية الفلسطينية، عبر بوابة منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي ظلت ترفضه وتحاربه دمشق منذ عهد حافظ الأسد.

وهنالك التعجل الأميركي باتجاه القضاء على تنظيمات السلفية الجهادية قبل أن تتجذر في أرض المنطقة، على حساب المصالح الأميركية.

وهذا كما قال بانكي مون، باللغة المعتمدة أمريكيا، لا يتم إلا بإحلال الديمقراطية في سوريا.

وإن تم إحلال الديمقراطية في سوريا، فهذا يعني أن قطار الديمقراطية، كحل للأزمات الأمريكية في الشرق الأوسط لن يتوقف في محطة دمشق أبدا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث