جهود كيري والتفاهم الأردني الفلسطيني يقلقان نتنياهو

جهود كيري والتفاهم الأردني الفلسطيني يقلقان نتنياهو
المصدر: عمان- (خاص) من شاكر الجوهري

تختلف التقديرات الأردنية عن التقديرات الإسرائيلية لنتائج زيارة بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل لعمّان الخميس، ولقائه مع الملك عبد الله الثاني.

كما تختلف تقديرات التسريبات الأردنية لطبيعة العلاقة بين الملك ونتنياهو، عما صدر عن الملك نفسه بالخصوص.

ففيما لا يبدي الإعلام الأردني تفاؤلا بنتائج الزيارة والمباحثات التي جرت بين الجانبين، تزعم صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن الأردن متخوف من حدوده مع الدولة الفلسطينية في غور الأردن “إذا لم يكن هناك تواجد عسكري إسرائيلي”.

وأشار موقع الصحيفة الإسرائيلية إلى أن “زيارات نتنياهو السرية إلى الأردن ليست نادرة”.

وزعم الموقع أن الملك كان كشف في آذار/ مارس الماضي لصحيفة أميركية (لم تحددها) أن علاقاته مع نتنياهو توثقت بشكل كبير، ووصف العلاقات بينهما بأنها قوية جدا. وشدد الملك على أن المباحثات بينهما تحسنت فعلاً، وكان يشير إلى لقاء بينهما خصص لبحث تطورات الحرب الأهلية في سوريا”.

وإمعانا من الصحيفة الإسرائيلية في محاولة إثارة الشكوك بين الأردن والسلطة الفلسطينية، إلى مصادر فلسطينية القول “إن الأردنيين معنيون بما يصفونه قوة فعّالة على الحدود مع الدولة الفلسطينية في غور الأردن، الأمر الذي يفسره الفلسطينيون على أنه تحفظ على وجود فلسطيني منفرد على طول الحدود”.

وبدورها قالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية إنها علمت أن الأميركيين اقترحوا خلال المفاوضات إنشاء نقاط على طول الأغوار تتواجد فيها قوات مشتركة فلسطينية وإسرائيلية، أو قوات اميركية أو دولية. ولتسهيل الأمر على الفلسطينيين أثيرت فكرة تواجد رجال شرطة فلسطينية في نقاط خارج حدود الدولة الفلسطينية لتقبل فكرة وجود جنود إسرائيليين على الأرض الفلسطينية”.

هذه التسريبات الإسرائيلية جاءت بعد تأكيد أردني- فلسطيني على التعاون الوثيق بين الجانبين، فيما يخص المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، وتوصلهما إلى اتفاق على تقديم موقف مشترك للمفاوض الإسرائيلي.

تعيد هذه التسريبات إلى الأذهان، قصة تسريب نص رسالة التوبيخ الملكية التي وجهها الملك حسين إلى نتنياهو سنة 1997 على خلفية محاولة الاغتيال الفاشلة التي نفذها الموساد الإسرائيلي بحق خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” في العاصمة عمّان.

يومها كشف عبد الكريم الكباريتي رئيس الوزراء الأردن أن الجانب الفلسطيني هو الذي سرب نص رسالة الملك للإعلام الإسرائيلي.

وبسؤاله: من أين حصل الجانب الفلسطيني على نص رسالة الملك، أجاب أنه شخصيا بعث بنسخة منها إلى مكتب ياسر عرفات في إطار سياسة أردنية هدفها تعزيز الثقة مع السلطة الفلسطينية ورئيسها عرفات، وإغلاق الأبواب دون مؤامرتي “الوطن البديل” و”الخيار الأردني” اللذان توظفهما إسرائيل من أجل تخريب العلاقات الأردنية الفلسطينية، وزرعها بالشكوك.

البيان الرسمي الذي صدر عن الديوان الملكي الأردني عن نتائج مباحثات الملك مع نتنياهو الخميس اكتفى بالقول إن الملك ونتنياهو “بحثا تطورات عملية السلام في ضوء المفاوضات الجارية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية أميركية”، مضيفا أن اللقاء يأتي “في إطار التشاور والتنسيق المستمر بين جلالته والأطراف المعنية بعملية السلام، وحرصا من جلالته على تحقيق تقدم ملموس يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني، ويحمي في نفس الوقت المصالح الأردنية العليا، خصوصا في مفاوضات قضايا الوضع النهائي، لا سيما في هذه المرحلة الدقيقة التي يتم فيها بلورة الإطار التفاوضي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة الأميركية”.

تسريبات أردنية

غير أن التسريبات الأردنية أوضحت بعض التفاصيل الهامة:

أولا: إن كبار المسؤولين الأردنيين الذين حضروا “الجانب الأكبر” من لقاء الملك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، “خرجوا بانطباع أن الأخير يشعر بأن الإدارة الأميركية جادة هذه المرة في سعيها للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأن هامش “المراوغة” لدى نتياهو محدود للغاية. ولهذا، حرص نتنياهو خلال اللقاء على تأكيد “جدية” حكومته في البحث عن فرصة حقيقية للسلام.

ثانيا: لم يحن بعد وقت امتحان نوايا نتنياهو.

ثالثا: نتنياهو لم يطلب شيئا محددا من الأردن، وكأن هذه العلومة المسربة أردنيا تريد أن تنفي مسبقا أي تسريبات “تشويشية” إسرائيلية متوقعة.

رابعا: كان الملك أكثر وضوحا مع نتنياهو “في رفض أي دعوات لدور أردني في الضفة الغربية؛ الخيار الأردني أو الوطن البديل، وأي ترتيبات أمنية تمس بالسيادة الأردنية، أو بحقوق الفلسطينيين في قضية الحدود مع الأردن”.

وأعاد التذكير بقواعد الحل العادل، والتزام الأردن بالمبادرة العربية للسلام، وبالانسحاب إلى حدود الـ67، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

خامسا: بينما يسود قلق واسع في أوساط النخب الأردنية من أفكار متداولة لتسوية قضايا الحل النهائي، لم تهتز ثقة المحيطين بالملك بقدرة الأردن على حماية مصالحه. ولم ينتَبْهم شعور بأن الإدارة الأميركية ستجازف بخطة للحل على حساب الأردن.

سادسا: كيري لم يعِد الجانب الأردني باطّلاعه على ملامح “اتفاق الإطار” الفلسطيني الإسرائيلي قبل إعلانه رسميا. لكنهم على قناعة تامة بأن ما من طرف “ينوي إحراج الأردن”، أو تعريض مصالحه الوطنية العليا للتهديد.

سابعا: تاريخ علاقة الأردن مع نتنياهو لم يكن سوى سلسلة من الشكوك وعدم الثقة. ففي كل المحطات السابقة، كان نتنياهو يحرص على ترك أثر مخيب للآمال عند الأردن وكل الأطراف الدولية.

ثامنا: زيارة أخرى يقوم بها نتنياهو للأردن متوقعة.

تاسعا: للمرة الأولى في تاريخ النزاع، تقود إدارة اميركية الجهود الدبلوماسية لمناقشة قضايا النزاع الرئيسة، وتقديم تصور لحلها.

عاشرا: رغم كل ذلك ليست هنالك معطيات كافية للقول إن فرصة حقيقية للسلام تلوح في الأفق.

تسريبات فلسطينية

كما أنّ تسريبات المصادر الفلسطينية (معارضة) تبدي تفاؤلا أكثر من تسريبات المصادر الأردنية، فهي تتحدث عن:

أولا: إن كيري يُعد «ورقة صيغ وأفكار عامة غامضة ومطّاطة تمثل أقل من اتفاق إطار، وسيطرحها على الطرفين نهاية الشهر الجاري» خلال مؤتمر يعقد في العقبة الأردنية برعاية الملك عبد الله الثاني.

ثانيا: «سيكون للأردن دور تقرره الإدارة الأميركية يتعلق بالحدود، والولاية على الأماكن المقدّسة والبلدة القديمة في القدس، والمطار واللاجئين والتعويضات»، وهو ما لا يتعارض كثيرا مع اتفاق الوصاية الذي سبق أن وقعه محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية مع الملك عبد الله الثاني في آذار/مارس من العام الماضي.

ثالثا: بخصوص مدينة القدس، «الورقة الأميركية قد تتضمن عبارة مثل تأييد تطلعات الفلسطينيين في عاصمة في القدس»، فيما «ستبقى السيادة والسيطرة على الحدود والمصادر الطبيعية في شكل حقيقي في يد إسرائيل، وسيتم ضم الكتل الاستيطانية وإلغاء حدود عام 1967 عملياً».

رابعا: «سيكون هناك اتفاق لاحق على الورقة بشأن الضفة الغربية»، أما قطاع غزة فـ «إسرائيل غير معنية به على المدى البعيد».

خامسا: المفاوضات تجري بين محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عبر كيري، لافتة إلى أن «الاستفتاء على القضايا الجوهرية سيكون خلال العام الحالي».

حقائق قليلة مهمّة

من بين كل هذه التسريبات يمكن التيقن من حقائق قليلة مهمّة:

أولا: وجود حالة قلق إسرائيلي جراء:

1. جدية الجهود الأميركية، ذلك أن إسرائيل لا تريد أي حل.

2. جدية التوافق الفلسطيني- الأردني وعدم قدرة إسرائيل على اللعب على حبال الخلافات الثنائية المعتادة.

ثانيا: تجاوز كيري الدور الأميركي التقليدي بنقل وجهات النظر الإسرائيلية وتبنيها، ومحاولة إقناع الجانب الفلسطيني بها باعتبارها مواقف ورؤى أميركية، إلى تقديم مقترحات أميركية لتقريب المواقف التفاوضية وصولا إلى حل لا يريده نتنياهو بغض النظر عن تفاصيله.

ثالثا: وجود حالة اطمئنان فلسطينية إلى أن حلا نهائيا بات يتقدم، وأنه أصبح في الطريق.

رابعا: اطمئنان أردني إلى أن الحل الفلسطيني- الإسرائيلي لن يكون على حساب مصالحه الإستراتيجية.

خامسا: وجود ثقة أردنية ـ فلسطينية متبادلة غير مسبوقة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث