عندما يتنكر أهل “الحياة” لمعيد إصدارها

عندما يتنكر أهل “الحياة” لمعيد إصدارها

سليمان نمر

احتفلت جريدة “الحياة ” السعودية التي تصدر في لندن والرياض باليوبيل الفضي (أي مرور 25 عاما) لإعادة إصدارها من لندن بعد أن توقفت عن الصدور في بيروت بسبب الحرب اللبنانية ومصرع مؤسسها وصاحبها كامل مروة.

وجرى الاحتفال “الهمروجة” تحت رعاية صاحبها وناشرها الحالي الأمير خالد بن سلطان وبحضور معظم صحفييها وأصدقائها ومحبيها وعقدت ضمن فعاليات الاحتفال ندوة تحدث فيها كبار كتاب “الحياة” الضيوف على صفحاتها مثل الدكتور مصطفى الفقي والدكتورخالد الدخيل والكاتبة السعودية المعروفة بدرية البشر، وطبعا هؤلاء تحدثوا عن “ليبرالية ” الحياة في نشر الأخبار والمقالات، وهنا المقارنة لاشك قامت على أساس ماتنشره زميلتها “اللدود” صحيفة “الشرق الاوسط” السعودية، والحديث عن ” الليبرالية” التي تحدث عنها الكتاب السعوديون في الندوة ليس لارضاء صاحب الجريدة فقط بل يبدو أيضا مقارنة بالصحف السعودية المحلية، وبالطبع إذا تمت هذه المقارنة فإن “الحياة” ليبرالية ومتقدمة في ليبراليتها .

المهم في الاحتفال الذي جرى بعد الندوة تحدث صاحب جريدة الحياة وناشرها الأمير خالد بن سلطان، ورغم أن الاحتفال إعلامي ووسط باقة من الاعلاميين والصحفيين والديبلوماسيين العرب، إلا أن الأمير لم يتخل عن عسكريته في بعض الفقرات التي وردت في كلمة مطولة له في الاحتفال، فهو يقول “أصدرنا أمرا باعادة إصدار جريدة الحياة”، وكأن إعادة إصدار صحيفه تحتاج إلى أمر عسكري لمجموعة من الجنود والعساكر.

وهذا يدل على أن من كتب الكلمة لناشر الحياة أحد مستشاريه الكثيرين من العسكريين السابقين، وهذا ليس بغريب على الناشر، فرئيس مجلس إدارة الجريدة “عميد طيار” ، مثلما كان أحد مستشاريه الاعلاميين الذين ساعدوه بكتابة كتابه الشهير “عاصفة الصحراء” لواء سابق في الجيش المصري يمتلك قدرات كتابية تحليلية عميقة وجيدة.

وحتى عندما أعلن ناشر “الحياة” عن قراره بتعيين ابنه الأمير فهد بن خالد نائبا للناشر أي بمعنى توليته أمر الجريدة شاهدنا أن الابن وقف وقفة عسكرية وهو يرد بكلمة بدأها “سمعا وطاعة سمو سيدي”.

المهم في كلمة ناشر “الحياة” أنه جافى الحقيقة حين كرر القول إنه هو الذي أعاد صدورجريدة “الحياة” قبل 25 عاما متعمدا أن ينسى أو يتناسى أن من أعاد اصدار جريدة الحياة هو الزميل “جميل مروة ” الذي جاء في صيف 1988 إلى الرياض وذهبت معه لمقابلة الأمير سلمان بن عبد العزيز (كان أمير منطقة الرياض في حينه وصديق الصحافة العربية) ليشرح له خطته في إعادة إصدار الجريدة، فبارك له الأمير المشروع، مؤكدا له أنه والمملكة لاينسوا أبدا أن أباه كامل مروة كان صديقا وفيا للسعودية، وكان وقتها قد أدخل جميل مروة شريكيين ممولين معه في المشروع وهما زوج شقيقته، وصديقه وزميل دراسته رجل الأعمال السعودي محمد الحمراني.

وجلس “جميل مروة” شهورا وهو يركب إدارة الجريدة تحريرا وإدارة، وبالفعل كان ناجحا في التركيبة التي عملها، وجاء بـ”جهاد الخازن “، الذي كان قد استقر في واشنطن بعد انتهاء عمله في الشرق الاوسط، وسلمه رئاسة التحرير، وعمل الزميل جورج سمعان نائبا لرئيس التحرير، والزميل خيرالله خيرالله مديرا للتحرير بعد أن قدما من جريدة النهار اللبنانية، وشكل جميل مروة شبكة من أهم المراسلين الصحفيين العرب، وفتح مكاتب لها في بيروت والرياض والقاهرة وباريس ونيويورك وواشنطن وحتى في عمان كان لهم دور كبير بانجاح “الحياة” منذ أول ايام صدورها.

وفي عام 1989 دخل الأمير خالد بن سلطان العاشق للصحافة على خط “الحياة” عن طريق جهاد الخازن فاشترى حصة محمد الحمراني – ثلث الحصص – الذي خشي من الاستمرار بالجريدة بسبب جرأتها – الغير متعود عليها سعوديا -، وبعد ذلك اشترى الأمير حصة زوج شقيقة جميل مروة – الثلث الثاني-، ولكن الأمير كان يتولى لوحده الانفاق على “الحياة”، متحملا خسائرها، وفي ربيع عام 1990 أبلغني الأمير بنقل رغبته في شراء حصة جميل مروة وأخوته في الجريدة – الثلث الثالث – “لأنه ليس من المعقول أن اتحمل أنا لوحدي مصاريف الجريدة وشركائي لايساهمون بهذه النفقات، فلكي استمر بالصرف عليها لابد ان تكون كلها لي “وبالفعل ابلغت الصديق جميل مروة برغبة الأمير (وأنا أعلم أن الأمير قال هذا الكلام بسبب عشقه للصحافة العربية واللبنانية منها بالذات رغم كونه عسكريا، واتذكر هنا أنه طلب مني عام 1986 أن أنقل للاستاذ نبيل خوري صاحب ورئيس تحرير مجلة المستقبل الباريسية رغبته بشراء المجلة أو الدخول شريكا فيها، ولكن المرحوم نبيل خوري رفض).

وفي صيف 1990 توصل جميل مروة مع الأمير خالد على أن يمتلك الشركة التي تصدر “الحياة” وأن يتم استئجار الاسم لمدة 20 عاما، وبعد ذلك بعامين امتلك الأمير خالد بن سلطان اسم الجريدة أيضا، وتفرغ للجريدة بعد أن ترك منصبه العسكري بوزارة الدفاع السعودية وأصبح رئيسا لمجلس الادارة، وفي الحقيقه يشهد للأمير خالد بن سلطان أنه أبقى على سياسة الجريدة وعلى جرأتها، حتى أنه عندما كانت تمنع الصحيفة من التوزيع في السعودية كان لايهتم، وفي مرة أوقفت وزارة الاعلام السعودية توزيع “الحياة” في المملكة لمدة 17 يوما وذلك في عهد الوزير الفريق علي الشاعر الذي كان يؤلب الملك فهد على الجريدة، ولم يتدخل الأمير خالد وقال لي في إحدى المرات التي منع فيها توزيع الجريدة في الرياض بسبب خبر نشرته “أنا لا أزعل حين تمنع الجريدة من التوزيع أحيانا فهذا يدل على مصداقيتها”.

فاستمر نهوض “الحياة” حين كان الامير رئيسا لمجلس الادارة يرعى اجتماعاتها السنوية التي كانت تعقد لكبار مراسليها ومحرريها بالعواصم العربية المختلفة، وكان راعيا لكل صحفي وغير صحفي يعمل في جريدته بل ويفتخر أن “الحياة” تضم أهم الصحفيين العرب.

وعندما تم تعيين ناشر “الحياة” مساعدا لوزير الدفاع للشؤون العسكرية، عين مدير شركاته – والذي كان مدير مكتبه – العميد طيار عايض الجعيد رئيسا لمجلس ادارة الجريدة، فعمل الاخير على فرض هيمنته على الجريدة، فكان وراء إبعاد جورج سمعان عن رئاسة تحرير “الحياة” وتعيين نائبه غسان شربل مكانه، وكذلك أبعد عبدالوهاب بدرخان من إدارة التحرير وأبعد المدير العام للجريدة منذ تأسيسها روبير جريديني – الذي عين بمنصب إداري لشركة مكشف التي يمتلكها الأمير في لندن وعين بديلا عنه رجا الراسي، ليضمن العميد الولاء له في التحرير والادارة، وحاول رئيس مجلس الادارة نقل الجريدة ورئاسة التحرير من لندن إلى بيروت بحجة تخفيض الانفاق، فنجح بنقل الادارة ولم يوافق له الأمير على نقل رئاسة التحرير، كما نجح بوقف الاجتماع السنوي الذي كانت تعقده “الحياة” لمدراء مكاتبها وكبار محرريها ومراسليها والذي كان يستهدف البحث في مشاكل الجريدة وكيفية تطوير العمل والاداء بها.

وتبنى رئيس مجلس الادارة الجديد اقتراحا للمرحوم انطوان شويري باصدار طبعة سعودية لـ”الحياة” وبالفعل نجح بذلك، وعمد إلى أن يكون المشرف المباشر على اصدار هذه الطبعة وعلى نشاط “الحياة” في السعودية، رغم تعيين جميل الذيابي مسؤولا عنها ونجح بذلك وترافق ذلك مع تغير في تفكير الأمير تجاه سياسة النشر في الجريدة – بسبب منصبه كمساعد ثم نائب لوزير الدفاع الذي جعل وضعه حساسا من بعض ماتنشره “الحياة” فاخذت تتوالى تعليمات العميد بمنع أي اخبار مناهضة لنظام الرئيس المصري مبارك، وكذلك للاردن، وعلى الأكيد أي خبر أو تعليق أو كلمة تثير الحساسيه في السعودية.

ولم يكن رئيس التحرير الذي كان وراء تعيينه العميد لايملك إلا أن يقول نعم لرئيس مجلس الادارة دون أي نقاش، وأذكر أني قلت للأمير وأنا أرى عدم تدخله لحل بعض مشاكل الجريدة وأنه ترك كل شيئ في” الحياة” تحت عهدة العميد الذي يتمنى أن تصبح الجريدة سعودية فقط، “لقد كسبك العسكر وفقدتك الصحافه وفقدناك نحن”.

ولاشك أن من رتبوا لحفل “الحياة” بيوبيلها الفضي هم الذين وافقوا للناشر أن يتناسى دور جميل مروة بإعادة إصدار الحياة، بل ورددوا معه أنه هو من أصدر قرارا باعادة الحياة لـ”الحياة”، وفي هذا نكران للوفاء منهم لرجل أسس لإعادة إصدار صحيفة كانت من أهم وأقوى الصحف العربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث