مصر.. بين 60 عامًا للعسكر و365 يومًا للإسلاميين

مصر.. بين 60 عامًا للعسكر و365 يومًا للإسلاميين
المصدر: إرم- (خاص) من شوقي عصام

القاهرة- ما بين الدولة الدينية والعسكرية، المغلفة بالغطاء المدني في الجانبين, يعيش المصريون الآن حالة من الجدل بين العودة إلى الدولة العسكرية، التي ظلت حاكمة في مصر لأكثر من 60 عامًا, والدولة الدينية التي بقيت 365 يومًا في ثوب الرئيس الأسبق محمد مرسي، الذي دخل إلى الشعب من باب المرشح المدني، في حين سقوطه جاء بعد ويلات عانى منها المواطن, من تجربة حكم المرشد وترسيخ دولة ولاية الفقيه على الطريقة الإيرانية.

الحكم العسكري في مصر دائمًا ما يكون صاحب الغلبة في مدد الرئاسة منذ قيام النظام الجمهوري, وهو الحكم الذي جاء بعد نظام ملكي عقب ثورة 23 تموز/ يوليو 1952, مع اللواء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية, إذ كان القائد الشكلي لثورة الضباط, وهو الرجل الذي حذفته سجلات الدولة لعقود عدة, بعد أحداث أيار/ مارس 1954, في إطار الصراع على أن تكون مصر دولة ديمقراطية، أم تكون ذات حكم شمولي لا مكان فيه للديمقراطية.

وراح نجيب الذي جاء إلى السلطة مع إعلان الجمهورية في حزيران/ يونيو 1953, ليدخل في صراعات عبر فريقين, الفريق الأول كان داعمًا لفكرة الديمقراطية ورافقه قلائل من المجلس الحاكم “الضباط الأحرار” في هذا الاتجاه, بينما كانت الغلبة للفريق الثاني الذي تزعمه جمال عبد الناصر، إذ وجد في الديمقراطية عدوًا شيطانيًا سيقضي على الأهداف الستة للثورة، على الرغم من أن الديمقراطية كانت هدفًا سادسًا ضمن هذه المبادئ, ليرحل نجيب بمصحفه كأول رئيس في النظام العسكري، ويمكث في منفاه بمنزل “زينب الوكيل” بالمرج.

وجاء عبد الناصر صاحب الكاريزما التي تكونت على خلفية العداء للاستعمار ودفاعه عن حقوق الفلاح ضد الإقطاع, بمقولة: “ارفع رأسك يا أخي .. لقد انتهى عصر الاستبداد”, مكوّنا شعبيّته بمشروع “القومية العربية”, مواجها الاستعمار والهيمنة الغربية, عقب قرار تأميم قناة السويس عام 1956, ليصبح زعيمًا لدول العالم الثالث والمحيط العربي بعد الانتصار السياسي على العدوان الثلاثي.

وسار عبد الناصر ما بين الدفاع عن حقوق الفلاح والعمال, والقضاء على ما هو ضد الفقراء وبناء المصانع ووضع السد العالي كمشروع قومي, فضلاً عن النهضة الحقيقية التي اتبعها في ظل دولة لا تؤمن بالتعددية الحزبية أو الديمقراطيات أو حرية الرأي, وظل عبد الناصر في مشروعه ما بين تطلعات خارجية ومحاولات من القوى الكبرى في العالم لإسقاط هذا الرمز، ثم جاءت نكسة 1967 التي قتلت عبد الناصر معنويًا, لينتهي مشروعه في 28 سبتمبر عام 1970, وسط أحاديث قوية عن وفاته بمفعول محلول سام.

لم تخرج السلطة في مصر مع مجيء أنور السادات عام 1970 عن الحكم العسكري، السادات ضابط الجيش الذي دخل عالم السياسة بدعمه للألمان على حساب الإنجليز في الحرب العالمية الثانية, واجه مع استلامه السلطة أكبر تحدٍ قابله رئيس مصري, وهو اغتصاب سيناء بنكسة مهينة, ليجد نفسه في مواجهة لعملية عسكرية معقدة من حيث دولة تعيد بناء الجيش المتفكك, وخزينة تكاد تكون خاوية, وقوة عسكرية تقف وراءها أمريكا وهي “إسرائيل”, ليجد جميع الطرق مغلقة أمامه, فضلاً عن العقبات الاستراتيجية القائمة من خلال خط بارليف الأقوى في التاريخ والمانع الصعب في قناة السويس, وليجد مقارنة عسكرية متناقضة المؤشرات بين القاهرة وتل أبيب, بجانب محاولات من الورثة السياسيين لعبد الناصر، الذين أوجدوا المكائد للتخلص منه, فقضى عليهم خلال معركة مراكز القوى, ليبحث عن العرض والشرف الذي تحقق في نصر أكتوبر.

بالطبع لم يكن للسادات بصمات في الداخل, وذلك بحكم مهمته بتحرير الأرض ومفاوضات ما بعد الانتصار, ومع ذلك حاول غرس بذور الديمقراطية السياسية بإعلان المنابر الحزبية عام 1977, وفتح المجال للجماعات الأصولية وجماعة الإخوان للعمل السياسي في الشارع وبالجامعات, للقضاء على الشيوعيين والاشتراكيين، بحسب المقربين منه، ولكن جاء العفريت الذي أحضره السادات ليُقتل على يد جماعات الإسلام السياسي في المنصة ليكون يوم نصره هو يوم مقتله.

وضع السادات الفريق حسني مبارك قائد القوات الجوية في حرب أكتوبر نائبًا له, بعد أن قارن بينه وبين الفريق عبد الغني الجمسي، رئيس غرفة العمليات في نفس الحرب, وجاء “مبارك” ليقسم كرئيس في مجلس الشعب خلفًا للسادات في 12 تشرين الأول/ أكتوبر, وسط أحاديث عن أن الموت لم يمهل السادات في تنفيذ قرار بإقالة مبارك, والدعوة إلى انتخابات رئاسية بالاقتراع الحر المباشر لأول مرة في تاريخ مصر للخروج من عباءة الحكم العسكري, لن يكون السادات طرفًا منافسًا فيها.

جاء مبارك ليواجه عنف الجماعات الجهادية في أول 5 سنوات من حكمه, ليستطيع بجهازه الأمني تجفيف منابع وجذورهذه التنظيمات, والحكم على مبارك سيكون للتاريخ، كما قال في خطابه الأخير قبل التنحي في شباط/ فبراير 2011 عقب ثورة 25 يناير 2011, ولكن قبل حكم التاريخ خرج الكثيرون يتحدثون عن أن مبارك كان مشروع زعيم عبر المشروعات التنموية والاستثمارات التي شهدتها مصر, ومحاولاته لإزالة بقايا الحروب التي عانت منها مصر طيلة 40 عامًا, ولكن كان تدخل زوجته والحاشية في الحكم لغرض توريث الابن “جمال” سببًا في سقوط هذا المشروع الذي دار في كواليسه تعدد نوايا مبارك أكثر من مرة بنقل مصر إلى حكم مدني ديمقراطي عبر انتخابات نزيهة، ولكن ضغوط الزوجة والابن كانت أقوى من إرادته.

مبارك هو أول رئيس مصري يكون مصيره من القصر إلى السجن, ويبدو أنه فتح الباب لهذا النموذج لتكون نهاية الرئيس خلف القضبان, مع تكرار ذلك مع المعزول محمد مرسي، الذي جاء نتيجة لثورة 25 كانون الثاني/ يناير، التي قامت بمبادئ “عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية”, وهي أهداف لن تتحق إلا بنظام رئاسي جديد، حسب رؤية بعضهم, يجعل مصر على موعد مع وداع الرئيس العسكري الذي كان السبيل لمدة 60 عامًا.

الغريب أن ثورة يناير التي خرجت على نظام عسكري ممتد من 1953, أدخلت مصر لمدة عام ونصف العام في نظام عسكري جديد, وهو حكم المجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي، الذي تسلم سلطة البلاد عقب تنحي مبارك, حيث عمل “طنطاوي” على إنهاء المرحلة الانتقالية بصياغة دستور جديد, وانتخابات برلمانية ثم رئاسية, وعلى الرغم من أن المرحلة الانتقالية كانت صعبة على المصريين, إلا أن الأصعب جاء مع من ادعى أنه أول رئيس مدني منتخب, وهو الرئيس المحسوب على التيار الإسلامي محمد مرسي، الذي خطف البلاد من الفكر الطامح لرئيس مدني إلى الرئيس الديني ليضع قطاعًا كبيرًا من المصريين في حالة تخوف من أي نموذج مدني جديد يكون ملتويًا أو متخفيًا، كما حدث مع مرسي، الذي ضرب الدولة بعرض الحائط , وجاء بدستور الأهل والعشيرة، وكان ديكورًا في القصر في انتظار صناع القرار من مكتب الإرشاد.

تلك الفترة التي عاشها المصريون مع الرئيس الديني, جعلهم يقارنون بين حكم عسكري مغلف بالمدنية دام 60 عامًا, وحكم ديني مغلف أيضًا بالمدنية دام 365 يومًا, فوجدوا أن ويلات الـ 60 عامًا لا تأتي نقطة في بحر ويلات مرسي.

والآن في ظل عدم ثقة القطاع الأكبر من المصريين الذين هبوا يوم 30 حزيران/ يونيو 2013, في فكرة الرئيس المدني, حتى لا يأتي لهم بكارثة جديدة كحكم الإخوان. هل ستظل مصر منشغلة بعبارة “نار العسكري ولا جنة مرسي”..؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث