السعودية تعيش كابوس التقارب الأمريكي الإيراني

السعودية تعيش كابوس التقارب الأمريكي الإيراني

السعودية تعيش كابوس التقارب الأمريكي الإيراني

 

الرياض- تخوض القيادة السعودية ما يعتبرونه صراع حياة أو موت على مستقبل الشرق الأوسط مع إيران وهم غاضبون لعدم تحرك المنظمة الدولية بشأن سوريا حيث تدعم المعارضة التي تسعى للاطاحة بالحكومة المدعومة من إيران . وقد عكس هذا الغضب الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي عندما ألغى خطاب المملكة السنوي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الاسبوع الماضي في رسالته غير معلنة لكنها بالغة الوضوح.

 

ولا يمثل رفض إلقاء كلمة مقررة بالنسبة لأغلب الدول أكثر من مجرد احتجاج دبلوماسي بسيط لكن بالنسبة للسعودية التي تفضل العمل السياسي وراء الكواليس على العمل العلني كان ذلك تحركا صريحا بشكل غير معهود.

 

 

وخلافا للسنوات الماضية لا يقتصر غضب السعوديين على الصين وروسيا العضوين الدائمين بمجلس الأمن الدولي بل يشمل أيضا الولايات المتحدة التي تعتقد السعودية أنها خذلت اصدقاءها العرب مرارا باتباع سياسات يرونها ضعيفة وساذجة.

 

ومثل إسرائيل الحليف الرئيسي الآخر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط يخشى السعوديون أن يسمح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بهذه السياسات للأعداء المشتركين بامتلاك اليد العليا . ورغم هذا التدهور فإن التحالف بين الولايات المتحدة والسعودية لا يوشك على الانهيار.

 

لكن السعودية مستعدة – مثلما حدث قبل نحو 40 عاما عندما فرضت منظمة البلدان المصدرة للبترول (اوبك) حظرا نفطيا بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حرب عام 1973 – لتحدي واشنطن دفاعا عن مصالحها الاقليمية ولو دون المساس بامدادات الطاقة. وقد اختلفت معها بشأن مصر منذ الربيع العربي ويتزايد الخلاف بينهما أيضا حول سوريا حيث يمكن أن تزيد السعودية الآن جهودها لتسليح المعارضين السنة.

 

ويتركز غضب السعوديين على رجال الدين الشيعة الذين يروجون للثورة الإسلامية منذ وصلوا إلى السلطة في إيران قبل نحو 34 عاما وترى الرياض أن أيديهم تحرك خصومها السياسيين في ست دول عربية.

 

وكان حكام السعودية يشعرون بالفعل بالقلق من تردد الولايات المتحدة في دعم المعارضين الساعين للاطاحة بالرئيس بشار الأسد أقوى خليف عربي لطهران. لكن القلق اشتد وهم يرون واشنطن تتواصل مع الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني الشهر الماضي.

 

وقال الدبلوماسي السابق روبرت جوردان الذي كان سفيرا لواشنطن في الرياض من 2001 حتى 2003 “أسوا كابوس للسعوديين هو أن تعقد الإدارة صفقة كبيرة مع إيران.”

 

ورغم أن أي تقارب جاد بين الولايات المتحدة وإيران يبدو بعيدا فقد اتصل اوباما هاتفيا بروحاني الذي يصف نفسه بالمعتدل أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

 

ويخشى السعوديون الآن أن ينجذب أوباما إلى تحسين العلاقات مع طهران من خلال إبرام صفقة تسمح بتوسيع تفتيش مواقعها النووية مقابل السماح لحلفائها بالمضي قدما في الهيمنة على دول عربية مثل لبنان وسوريا والعراق. ورغم أن مثل هذه الصفقة لم تطرح علنا قط من داخل إدارة أوباما فلم يمنع هذا السعوديين من إبداء مخاوفهم.

 

وقال عبد الله العسكر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي إنه يخشى أن تكون هناك خفايا مضيفا أنه إذا توصلت أمريكا وإيران إلى تفاهم فقد يكون على حساب العالم العربي ودول الخليج وخصوصا السعودية. وشدد العسكر على أنه غير مطلع على تفكير الحكومة في هذا الموضوع وأنه إنما يتحدث بصفة شخصية.

 

تراجع إهتمام واشنطن بالنفط وراء تغير سياساتها 

وليس للولايات المتحدة مصلحة في استعداء السعوديين لكن مع قيامها بإعادة ترتيب أولوياتها قد يكون بعض الخلاف حتميا. لكن مثل هذا الخلاف لا يقلق واشنطن بقدر ما كان يقلقها سابقا نظرا لارتفاع انتاج النفط في الولايات المتحدة وهو ما يقلص اعتمادها على الرياض.

 

ومع ذلك تفضل إدارة أوباما التشديد على التعاون في العلاقات بين البلدين.

 

وقالت برناديت ميهان المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي “الولايات المتحدة والسعودية تربطهما علاقة مشاركة منذ فترة طويلة وتتشاورا تشاورا وثيقا في القضايا التي تهم الجانبين مثل منع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الارهاب وضمان استقرار إمدادات الطاقة بشكل يعتمد عليه ودعم الامن بالمنطقة.”

 

وفي ظهور نادر للملك عبد الله البالغ من العمر نحو 90 عاما عرض التلفزيون الرسمي يوم الاثنين لقطات لاستقباله الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور.

 

وتضمنت كلماته التي أبرزتها وسائل الإعلام السعودية يوم الثلاثاء تنديدا شديدا “بإرهاب” و”ضلال” جماعة الاخوان المسلمين التي أطاح بها  الجيش المصري من الحكم في يوليو تموز عقب احتجاجات شعبية ضخمة.

 

وتنم تلك التعليقات بوضوح عن احتكاك بين السعودية والولايات المتحدة يكشف عن مدى اتساع نطاق الخلافات بين الحليفين حاليا حول قضايا في مختلف انحاء الشرق الأوسط.

 

وكان قرار اوباما عدم دعم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في مواجهة الاحتجاجات الشعبية الحاشدة في أوائل 2011 هو أول ما أغضب حكام المملكة وجعلهم يشعرون بالخيانة وهم يرون واشنطن تتخلى عن صديق مشترك.

 

وزاد استعداد الرئيس الأمريكي للعمل مع قيادي جماعة الاخوان المسلمين محمد مرسي الذي انتخب رئيسا لمصر العام الماضي غضب السعوديين الذين يعتبرون الجماعة تهديدا مباشرا للحكم الملكي بالسعودية.

 

واتسم موقف السعودية بالانتقاد لدعم الولايات المتحدة لحكم الاخوان المسلمين والازدراء بعيدا عن التصريحات العلنية لاعتراض واشنطن على عزل مرسي.

 

وعندما اقترح ساسة أمريكيون قطع المساعدات عن مصر بعد عزل مرسي عرضت الرياض تعويض اي نقص في التمويل في تقويض للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وإشارة إلى استعدادها للتحرك المنفرد.

 

وقد تقطع المساعدات الأمريكية لكن السعودية قدمت لمصر منذ يوليو تموز خمسة مليارات دولار تعادل نحو ثلاثة امثال المساعدات الأمريكية السنوية لمصر.

 

 

وقال مصطفى العاني وهو محلل عراقي في مركز الخليج للأبحاث في جدة وله علاقة وثيقة بالمؤسسة الأمنية السعودية إن السعوديين لا يتخذون عادة أي قرار يتعارض مع مشورة الولايات المتحدة او مصلحتها لكنه يعتقد أنهم تجاوزوا هذه المرحلة ويرون الان أنه ما لم يكن الأمر في مصلحتهم فلا ضرورة للاستجابة لرغبات الأمريكيين.

 

وسرد العاني طائفة من الشكاوى السعودية من تقاعس أوباما عن الضغط على إسرائيل لإنهاء البناء الاستيطاني في الضفة الغربية وصولا إلى تأييد انتفاضات الربيع العربي التي اطاحت بحكام مستبدين في مصر وتونس كانوا يدعمون السياسة الأمريكية.

 

وما يقلق الكثير من الشخصيات السعودية البارزة فإن أسلوب اوباما في معالجة الأزمة السورية هو أكثر أسباب الانزعاج من السياسة الامريكية حيث تنظر السعودية إلى هذه الأزمة بإعتبارها معركة فاصلة في السيادة على الشرق الأوسط بين الزعماء الموالين للغرب وإيران.

 

وعلى مدى أكثر من عام ناشد المسؤولون السعوديون واشنطن الدخول في الصراع إما بشكل مباشر من خلال توجيه ضربات جوية وإما بفرض منطقة حظر جوي وإما عن طريق تقديم دعم عسكري كبير للمعارضة السورية المكونة في أغلبها من السنة.

 

وعندما قتل مئات المدنيين في هجوم بالأسلحة الكيماوية في اغسطس اب اقتنع السعوديون بأن هذا التجاوز للخط الأحمر الذي وضعه أوباما العام الماضي سيجبر الولايات المتحدة أخيرا على القيام بتحرك قوي.

 

لكن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد ذلك بوساطة روسيا لتفكيك ترسانة الأسد الكيماوية السورية وبالتالي تجنب الهجمات الجوية مثل ضربة قاسية للرياض التي كانت استراتيجيتها الأساسية في سوريا تقوم على إقناع حليفها الأمريكي بدخول الحرب.

 

وتوضح تلك الخلفية المضطربة قلق كبار المسؤولين السعوديين إزاء حديث اوباما مع روحاني في نيويورك الشهر الماضي.

 

وبعد سنوات نصح السعوديون خلالها أقرب أصدقائهم الأجانب بتوخي الحذر من حكام إيران واصفين إياهم بحسب عدة برقيات دبلوماسية مسربة نشرها موقع ويكيليكس بأنهم “متقلبون” “ويتدخلون في شؤون الدول الأخرى” و”رأس الأفعى” يخشى المسؤولون بالمملكة ألا تلقى نصيحتهم استجابة.

 

وتبدو المخاطر عالية بالنسبة للسعودية. وتحتدم المنافسة مع إيران في المنطقة بشكل ينطوي على عداوة متزايدة.

 

وتابع السعوديون بقلق على مدى السنوات العشر الأخيرة تنامي قوة حلفاء إيران من العرب حتى باتوا يهيمنون على الساحة السياسية في لبنان والعراق وينظموا احتجاجات واسعة في البحرين وتمردا في اليمن في تحرك يطوق السعودية على ما يبدو.

 

ويخشون أيضا من قيام إيران بتحرك مباشر ضد المملكة نفسها بإذكاء الاضطرابات بين الأقلية الشيعية والتآمر لاغتيال سفيرها لدى واشنطن وزرع شبكة للتجسس في البلاد. ونفت إيران كل تلك المزاعم.

 

وقال دبلوماسي كبير في الخليج قبل بضعة اسابيع “إذا كانت الولايات المتحدة لينة بالفعل تجاه إيران وسمحت لأصدقاء إيران بالانتصار في سوريا .. فما الذي ستستنتجه حكومات دول الخليج؟”

 

وأضاف أن السعوديين يساورهم القلق “من اتفاق محتمل في نهاية المطاف بين واشنطن وإيران” وقال “سيرون ما يحدث في سوريا كعلامة على ذلك.”

 

وترى الرياض بالفعل أن قبول أوباما لاتفاق الأسلحة الكيماوية مع دمشق دليل على أن الولايات المتحدة تبنت نهجا لينا بالفعل.

 

ويقول دبلوماسيون سابقون في السعودية إنه مهما كانت العقبات في الطريق سيظل ذلك الوضع دون تغير إلى حد بعيد.

 

وقال دبلوماسي إن واشنطن ستراعي المخاوف السعودية واضاف “السعوديون سياسيون يتمتعون بمهارة فائقة وإلا لما بقوا في السلطة.”

 

ومضى يقول “أغلب الادارات الأمريكية الجمهورية او الديمقراطية تستمع إلى السعوديين وإلى نصائحهم بشأن مسائل كثيرة بما في ذلك الايرانيون .. من يمكنهم الوثوق بهم ومن لا يمكن الوثوق بهم.”

 

غير أن مثال اختلاف السعودية مع النهج الأمريكي بخصوص مصر يشير إلى أن المملكة ربما تميل حاليا لمخالفة السياسة الأمريكية في مناطق أخرى لاسيما في سوريا.

 

وقال عدة محللين ودبلوماسيين في الخليج إن الولايات المتحدة طالبت الرياض بعدم تزويد المعارضة السورية بأسلحة تغير مسار الحرب مثل الصواريخ ارض جو خشية وقوعها في أيدي الإسلاميين المتشددين.

 

وقال العاني إن هذا أحد المجالات التي قد يدرس السعوديون المضي فيها في طريقهم الخاص لاسيما مع انحسار انقسامات بسيطة داخل الأسرة بشأن مدى إمكان الوثوق في أوباما ،وقال إنه لم يعد هناك بين كبار الأمراء من يتعاطف معه وإنهم يعتقدون أنه فقد صوابه.

 

وليس واضحا إلى أي مدى يمكن أن تغير مثل هذه الخطوة ميزان الصراع في سوريا. لكن السفير الأمريكي السابق جوردان قال إنها قد تؤدي إلى إعادة صياغة العلاقات الأمريكية السعودية. وقد يصبح كل من الجانبين اقل استعدادا لمراعاة مخاوف الآخر في قضايا أخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث