تزايد ضحايا حرب العراق يثير سخط الشيعة

تزايد ضحايا حرب العراق يثير سخط الشيعة

بغداد ـ أثار تزايد سقوط الشيعة في المعارك التي يخوضها الجيش العراقي ضد تنظيم داعش المتطرف سخط الطائفة الشيعية التي بدأت تشعر بالاستياء من هذه المعركة المفتوحة، وتجهر بالشكوى من حكومة عاجزة عن وقف إراقة الدماء.

وشهد فارس الكعبي متعهد دفن الموتي في مدينة كربلاء العراقية التي تحظى بمنزلة خاصة لدى الشيعة صيفا مشحونا بالعمل على غير العادة.

واختصاصه هو دفن الجثث التي لم يطالب بها أحد والمجهولة الهوية من كل أرجاء العراق والتي بلغت في الشهور القليلة الماضية مئات من ضحايا الحرب ضد المتشددين الإسلاميين السنة.

وقال الكعبي وهو يمر بصف مرتب من القبور في القسم الذي يختص به في المقابر وتركت شواهدها البيضاء المخروطية الشكل بلا كتابة “الوضع الصعب الذي نواجهه في هذا العمل هو أن معظم الجثث التي نتسلمها متحللة وأشلاء.”

وتحديد هوية الضحايا أمر شبه مستحيل لكن الكعبي يقول إنهم يأتون من الفلوجة والرمادي وسامراء وتكريت -وهي مناطق تشهد أشرس المعارك بين مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية وجيش عراقي غالبيته من الشيعة ضعيف للغاية ومحبط بشدة إلى درجة أنه استعان بميليشيات المتطوعين.

ويتزايد السخط من جديد بين الأغلبية الشيعية في العراق حيث قمعوا في عهد صدام حسين وكانوا قوة مهيمنة في عهد رئيس الوزراء المنتخب نوري المالكي وتحكمهم الآن حكومة عاجزة على ما يبدو عن وقف تقدم تنظيم الدولة الإسلامية.

وكانت الجماعة الأصولية السنية المتشددة المنبثقة عن جناح تنظيم القاعدة والمسؤولة عن الكثير من جولة المذابح الطائفية السابقة بالعراق في عامي 2006 و2007 اجتاحت شمال البلاد في يونيو/ حزيران الماضي وسيطرت على الموصل ثاني أكبر المدن العراقية وتسيطر الآن على ثلث العراق.

وقال الكعبي “تسلمنا حوالي 8000 جثة منذ سقوط الموصل بينها جثث مجهولة الهوية لأناس قتلوا في التفجيرات وأعمال القتل الطائفية وحوالي ثلاثة آلاف جندي.”

ولا تظهر أي علامة على انحسار الزيادة في أعداد الجثث المسجلة في كربلاء وفي أماكن أخرى وبدأ صوت بعض الشيعة يعلو بالشكوى من أن الحكومة وقيادة الجيش عاجزان في أفضل تقدير وملومان في أسوأ تقدير ويتسترون على الحجم الحقيقي لخسائر المعركة.

وسارع الأتباع للاستجابة لدعوة آية الله علي السيستاني أكبر مرجعية شيعية في العراق لحمل السلاح ضد المقاتلين المتشددين ولكن كثيرا منهم يريدون الآن شخصا ما يحملونه مسؤولية سقوط آلاف القتلى.

وقال نضال عبد محمد الذي فقد ابنه حيدر “يجب على الحكومة أن تقدم أولئك الذين خذلونا للمحاكمة. وإذا لم يحاكموهم فإننا سنقدمهم للعدالة. سنطيح بالدولة.” وكان حيدر من بين نحو 1500 جندي وضابط أمن يقول تقرير للأمم المتحدة إن تنظيم الدولة الإسلامية أسرهم وقتلهم في يونيو/ حزيران في سبايكر، وهي قاعدة سابقة للجيش الأمريكي.

وقال مسؤول أمني كبير إن المتشددين قتلوا أو أسروا ما بين 400 و600 جندي الشهر الماضي عندما اجتاحوا قاعدة الصقلاوية التي تقع على مسيرة ساعة واحدة من بغداد.

الحكومة نفسها لم تصدر أرقاما محددة وتقدم باستمرار تقديرات لعدد القتلى أقل من روايات شهود العيان. وكثير من العائلات التي تفترض أن أبناءها موتى وليسوا “مفقودين” غاضبون لأن الحكومة غير قادرة على الأقل على إعادة الجثث إليهم.

وقال فاضل عباس إن ابنه البالغ من العمر 27 عاما وهو مجند في الاحتياط في وحدة مكلفة بحماية أنابيب النفط كان في قاعدة سبايكر، ولم تأت منه كلمة بعد آخر رسالة أرسلها عبر الهاتف المحمول وجاءت الجهود غير المثمرة للعثور عليه بوالده إلى مطار المثنى في بغداد الذي نقل إليه جميع المصابين والقتلى.

وتابع قائلا “مكثنا هناك لخمسة أيام أو لأسبوع. وبقينا طوال اليوم إلى أن قالوا لن تصل طائرات. ومر وقت على الجثث التي كانت هناك وكانت منتفخة ومسودة بفعل الجو الحار في شهر يونيو.”

ويذهب آخرون إلى مشرحة بغداد للتنقيب في ملف من صور الموتى.

وقال دبلوماسي أجنبي إنه منذ بدء العمليات العسكرية في محافظة الأنبار التي يغلب السنة على سكانها في يناير كانون الثاني الماضي فإن المسؤولين الطبيين يرسلون جثث ما بين 250 و300 جندي أسبوعيا إلى وزارة الدفاع.

وقال “دمر الجيش تماما. ليس لديهم أسلحة ولا إمدادات. يرسلون هؤلاء الشبان إلى أماكن مثل سامراء تحت وهج الشمس ودون مياه لأيام إلى أن يقضوا.”

وسمع قصصا عن جنود يعانون من خلل في الدماغ بسبب نقص المياه.

وفي الديوانية جنوبي بغداد تنظم عشرات العائلات احتجاجات يومية للمطالبة بالثأر. ويريدون إعلان نتيجة التحقيقات التي تجرى في المذابح ويحثون مجلس البلدة على مقاطعة الحكومة المركزية إلى أن يلبى طلبهم.

ويريد مصطفى وهو مقاتل متطوع عمره 28 عاما استجاب لنداء السيستاني الثأر لصديقين قتلا بالقرب من الفلوجة. لكنه كان يتحدث في بغداد معبرا عن غضبه لأنه لم يجر تنظيم المتطوعين ولم يتلقوا تدريبا.

وقال “من يقاتلون معي ليس لديهم خبرة. أنا أقاتل إلى جانب حلاق وبائع ملابس. وبعد صدور الفتوى خرجوا من منازلهم إلى ساحة القتال.”

وأضاف قوله “الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم .. وإذا استمر فسوف يثور الناس على الحكومة لأنهم لا يقدمون أي تعزيزات.”

وتعهد رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي بإصلاح الجيش الذي انهار تحت وطأة هجوم الدولة الإسلامية وفي غضون ذلك تخلى عن ترسانة من الأسلحة المتقدمة التي سلمتها الولايات المتحدة للعراق.

لكن لا يزال من السابق لأوانه، ولم يمر سوى شهر على ولايته، معرفة ما إذا كان قادرا على إجراء تغييرات كبيرة بينما الحرب دائرة.

وهناك مخاوف من أن تكون هناك تصدعات بين الميليشيات الشيعية التي جرى تجنيدها لمحاربة المقاتلين السنة.

فالعداوات الطائفية والعرقية عميقة في العراق بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية التي اصابت كل عائلة من عائلات العراق تقريبا.

ومع عودة الجهاديين السنة لارتكاب فظائع ضد الشيعة الذين يعتبرونهم خارجين على الإسلام إلى جانب الأكراد والمسيحيين واليزيديين عادت للظهور مرة أخرى تقارير منتظمة عن ميليشيات شيعية تنفذ عمليات للثأر في مواطنين من السنة.

وبالعودة إلى كربلاء مرة أخرى وصف موظف في الجبانة السرية التي تحيط دفن الجثث “المجهولة” وتجعل من الصعب جمع أدلة عن العدد المتزايد للقتلى.

وقال “يحضرون الجثث في شاحنات تبريد ويمنعون أي شخص من استخدام هاتفه المحمول للتصوير أثناء عملية التسليم.”

وأضاف “العملية كلها تحاط بسرية لتجنب إثارة ضجة حول العدد المتزايد للجنود القتلى.”

وبالنسبة للكعبي متعهد الدفن فلا يمكنه عمل شيء سوى تسجبل ملاحظات للحالات النادرة عندما تأتي العائلات التي عثرت في بغداد على صورة أو على تحليل للشفرة الوراثية في بغداد للبحث عن رفات ذويها.

وفي أحسن الأحوال يمكن للكعبي أن يطلع العائلة على مكان دفن ذويها أو رفاتهم على الأقل. ويدون أمام بعض الجثث التي يتسلمها كلمة “أشلاء”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث