حذر إقليمي وتردد أوروبي بضرب “داعش”

تركيا تخشى تنامي دور الأكراد والسعودية تتحسب من اختراقات حدودية

حذر إقليمي وتردد أوروبي بضرب “داعش”

عواصم- أبدت الولايات المتحدة ارتياحها بشأن إمكان تشكيل تحالف دولي لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية إلا انها تخاطر بأن تجد نفسها في وضع يحيق به الخطر في ظل تردد حلفائها الغربيين وفي منطقة الشرق الأوسط.

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما كشف النقاب الاسبوع الماضي عن مشروع خطة لمحاربة متشددي الدولة الاسلامية في كل من العراق وسوريا في آن واحد مما يلقي بالولايات المتحدة مباشرة في أتون حربين مختلفتين تشارك فيهما كل دول المنطقة تقريبا بنصيبها.

وقبلت عواصم غربية بالمفهوم العام لمثل هذا التحالف فيما وافقت عشر دول عربية -منها السعودية وقطر وهما دولتان متنافستان- يوم الخميس الماضي على الانضمام الى “حملة عسكرية منسقة”.

وقال وزير الخارجية الامريكي جون كيري في أنقرة، الجمعة: “إنني واثق من أن ذلك سيكون تحالفا عريضا مع دول عربية وأوروبية والولايات المتحدة وآخرين.”

لكنه استدرك قائلا للصحفيين: إن “من السابق لأوانه كثيرا وغير الملائم صراحة في هذه المرحلة من الوقت أن نبدأ في توضيح ما ستقوم به كل دولة على حدة.”

وقالدبلوماسي فرنسي رفيع “يتعين أن يتسم هذا التحالف بالكفاءة وأن يكون محدد الهدف.” مضيفا: “علينا بالحفاظ على استقلاليتنا. لا نريد أن نكون مقاولين من الباطن للولايات المتحدة. لم يوضحوا لنا نواياهم حتى هذه اللحظة.”

وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا قد انسحبتا من خطة لضرب الرئيس السوري بشار الاسد العام الماضي وذلك قبل ساعات من الموعد المقرر لانطلاق مقاتلات فرنسية مما وضع الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاوند في موقف حرج ومعزول.

وتطالب فرنسا هذه المرة بالتزام واضح وبأن يتسق أي عمل في سوريا مع الشرعية الدولية. وفي ما يتعلق بالعراق فإنها تريد خطة سياسية تضم جميع أطياف المجتمع تكون جاهزة للتطبيق في الفترة التي تعقب إضعاف الدولة الاسلامية.

وقال وزير الخارجية الفرنسي السابق أوبير فيدرين: “يجب أن يتسم التحالف بأكبر قدر ممكن من الشرعية. إنه بحاجة الى أعضاء من مجلس الامن وأكبر عدد ممكن من الدول العربية ويتعين أن تكون هناك متابعة وإلا بدا الأمر كله من جديد في غضون ثلاثة أشهر. يجب أن تكون هناك رؤية طويلة الامد.”

وتلك هي فكرة عقد مؤتمر في باريس في 15 سبتمبر/ ايلول الجاري يضم السلطات العراقية جنبا الى جنب مع 15 الى 20 جهة دولية.

وتأتي هذه المحادثات قبل اجتماع وزاري في مجلس الامن الدولي في 19 سبتمبر واجتماع آخر لرؤساء الدول بالجمعية العامة للامم المتحدة في نهاية الشهر الجاري.

وقال اولاند وهو أول زعيم غربي يتوجه الى العراق منذ التقدم الذي احرزه تنظيم الدولة الاسلامية في يونيو حزيران الماضي للصحفيين في بغداد، الجمعة: “الهدف هو تنسيق المساعدات والدعم والتحرك من أجل وحدة العراق وضد هذه الجماعة الإرهابية.”

وأرسلت فرنسا حتى الآن اسلحة ومعونات انسانية لمقاتلين أكراد في العراق. ومن المرجح أن ترسل نحو 250 من أفراد القوات الخاصة للمساعدة في توجيه ضربات تقوم بها مقاتلات من نوع رافال.

إلا أن ما يمكن أن تقدمه فرنسا لا يزال محدودا؛ لأن القوات الفرنسية موزعة في مناطق عدة منها أكثر من خمسة آلاف فرد في مالي وجمهورية افريقيا الوسطى. وخصصت فرنسا ميزانية حجمها 450 مليون يورو للعمليات الدفاعية الخارجية لعام 2014 في وقت تتعرض فيه الحكومة لضغوط شديدة لخفض الانفاق.

* بريطانيا حريصة بدرجة ما

أما بريطانيا حليفة واشنطن الرئيسية في عام 2003 فقد بعثت برسائل متباينة. فقد أكدت بريطانيا انه يتعين ألا يعلو الغرب على جهود القوى الاقليمية او ان يهمل اهمية تشكيل حكومة عراقية تضم جميع الاطياف ولا تقصي أحدا.

ومثلها مثل فرنسا فقد التزمت بريطانيا التحفظ بشأن أي عمل في سوريا بسبب الجوانب المتعلقة بالمشروعية والدفاعات الجوية للحكومة السورية.

وبالنسبة للعراق فقد قدمت بريطانيا معونات انسانية ونفذت عمليات مراقبة وأمدت الأكراد بأسلحة ووعدت بالتدريب.

وفيما يتعلق باتخاذ عمل عسكري تساند بريطانيا توجيه ضربات جوية أمريكية وقال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون مرارا إن بريطانيا نفسها لا تستبعد شيئا إلا إرسال قوات مقاتلة برا.

وقال مسؤول الحكومة البريطانية “يجب ان نواصل العمل الوثيق والتباحث ودراسة الإستراتيجية. ولا ينبغي تصوير الأمر وكأننا نقول .. ها هي الخطة وهذه هي الأدوار. ومن يريد ماذا.”

ومع اقتراب موعد الانتخابات بعد أقل من تسعة أشهر من الآن تدرك الحكومة البريطانية معارضة الرأي العام لدور بريطانيا في غزو العراق مع الولايات المتحدة في عام 2003.

ولا ينسى كاميرون أيضا ذكرى هزيمة برلمانية قاسية الصيف الماضي حينما استدعى أعضاء البرلمان أثناء عطلة صيفية ثم فشل في كسب موافقتهم على ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية اتخاذ عمل عسكري ضد سوريا.

وقال اعضاء الحكومة إنهم سيحاولون مرة أخرى طلب تفويض من البرلمان للمشاركة في أي ضربات إلا إذا أصبح من الضروري المسارعة للتحرك بسبب أزمة إنسانية أو خطر على بريطانيا.

وقال ديفيد ليدينجتون الوزير بوزراة الخارجية يوم الجمعة “مع اشتداد عزم العالم على مواجهة (الدولة الإسلامية) سندرس بعناية ما هو الدور الذي ينبغي للمملكة المتحدة أن تلعبه في الائتلاف الدولي.”

وأضاف قوله “والحقيقة الأساسية هي أنه لم يتم اتخاذ قرارات بشأن عمل عسكري بريطاني ولا تطلب منا في الوقت الحالي.”

ويبدو أن معظم البلدان الأوروبية الأخرى تحجم عن المشاركة فيما هو أكثر من المساعدات الإنسانية واللوجستية.

ووعدت ألمانيا وجمهورية التشيك بتسليح الأكراد. لكن برلين تصر على أنها لن تشارك في هجمات جوية.

وأبدى حلف شمال الأطلسي استعدادا لتسهيل وتنسيق نقل الإمدادات جوا وقد يعرض توفير التدريب للقوات العراقية.

وقالت وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي “يجب أن نحاول مساندة المقاتلين المحليين الذين قد يكون بمقدورهم إيقاف الدولة الإسلامية واحتواؤها في تلك المناطق.”

واضافت قولها “لقد اختار الأمريكيون تنفيذ ضربات جوية ولم نختر ذلك بعد.”

ويريد الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة الحصول على مساندة عسكرية فعالة من دول الشرق الأوسط على أقل تقدير لتجنب الظهور بمظهر شن “حرب صليبية” غربية.

وفي الحملة التي استهدفت اسقاط الزعيم الليبي معمر القذافي في عام 2011 ساهمت الإمارات العربية المتحدة بتنفيذ ضربات جوية بينما قدمت قطر أسلحة للثوار.

ولكن في العراق تبدو مخاطر مشاركة لاعبين إقليميين أكبر. ومن غير المحتمل أن تقبل السعودية وتركيا والأردن ومصر القيام بدور رئيسي في العمليات العسكرية.

وقال ضابط سعودي في باريس الأسبوع الماضي “الوضع حرج على حدودنا لأنهم (الدولة الإسلامية) قريبون. نعم السعودية مستعدة لتقديم يد العون. لكن يجب على أمريكا أن تظهر أولا أنها معنا الآن.”

أما تركيا -وهي عضو في حلف شمال الأطلسي ولها حدود طويلة مع سوريا والعراق- فقد تجنبت بشكل واضح حتى الآن أن تلتزم بالمشاركة في الحملة العسكرية.

وهون المسؤولون الأمريكيون من الآمال بإقناع أنقرة بالقيام بدور قتالي وركزوا بدلا من ذلك على جهود تركيا لوقف تدفق المقاتلين الأجانب الذين يعبرون أراضيها وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومنذ الأيام الأولى للصراع في سوريا ساندت تركيا مقاتلي المعارضة السنة في أغلبهم الذين يحاربون الأسد. ومع أن تركيا تشعر بالقلق من صعود الدولة الإسلامية فإنها تخشي ان يضعف أي عمل عسكري خصوم الأسد.

وهي تخشى أيضا تقوية الأكراد في العراق وسوريا. ويشن المقاتلون الأكراد في تركيا نفسها تمردا على الدولة التركية منذ ثلاثة عقود وينخرطون في عملية سلام حساسة.

وأشادت صحف موالية للحكومة يوم الجمعة بإعراض أنقرة عن القيام بدور في خط المواجهة في الائتلاف وتساءلت هل العمل العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة هو الحل وأوردت الصحف مقارنات مع ما حدث في عام 2003 حينما رفض البرلمان طلب الولايات المتحدة استخدام الأراضي التركية في غزو العراق.

وقال دبلوماسي فرنسي آخر “في الائتلاف ليس من المتوقع أن يفعل المشاركون فيه أشياء واحدة فالبعض يمكنه تقديم مساعدة إنسانية والبعض الآخر مساعدة مالية وآخرون دعما عسكريا. المهم هو التجانس والتناسق.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث