عنق غزة الضيق

عنق غزة الضيق
المصدر: إرم- من نزار محمد

وضع رفض حماس للمبادرة المصرية والمستندة أساسا إلى اتفاق التهدئة عام 2012 بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية بوساطة القاهرة، جميع الأطراف في مأزق حقيقي يصعب الخروج منه.

وهذا المأزق يشمل الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، والحكومة المصرية بقيادة الرئيس السيسي، والحكومة الفلسطينية برئاسة محمود عباس،إضافة الى حركة حماس نفسها.

غزة تخترق جدار الأمن الإسرائيلي

الأمن والجغرافيا هما معا نقطة ضعف إسرائيل الكبرى، والهاجس الأكبر للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ تأسيسها كان وما يزال هو كيفية توفير الأمن لشعبها الذي يقطن ضمن مساحة جغرافية ضيقة ضمن محيط عربي معاد تماما لها.لهذا عملت الحكومات الإسرائيلية على توفير تفوق عسكري صارخ على كل الجيوش العربية مجتمعة، وهو ما تحقق لها بدعم أمريكي وغربي غير محدود.

لكن ما لم تأخذ إسرائيل له حسابا هو حركات المقاومة الشعبية التي ليس لها جيوش بالمعنى الحقيقي ولكنها تملك ميليشيات لها قواعد جماهيرية واسعة، وهو ما تمثل في المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان وحركة حماس في غزة.

ومن المعروف تاريخيا استحالة تحقيق النصر على هكذا ميليشيات وحركات مقاومة نظرا للاندماج الكبير بينها وبين جماهير الشعب… الشعب المؤيد لهذه الحركات هو درعها الحامي وسر قوتها الذي لا يمكن هزيمته.

إسرائيل تعلمت الدرس جيدا في جنوب لبنان، ويبدو أنها ستتعلمه الآن في غزة.

إن مجرد امتلاك حماس لصواريخ قادرة على الوصول الى كافة المدن الإسرائيلية، وفي عمقها المصون شبح مرعب بحد ذاته، وليس مهما القدرات التدميرية الفعلية لهذه الصواريخ.مجرد دوي صفارات الإنذار ليل نهار في المدن الإسرائيلية، وحده يكفي لتحقيق توازن الرعب. وهذا بالضبط ما تراهن عليه حماس في رفضها للمبادرة المصرية، وتسعى من خلاله إلى تحقيق المزيد من المكاسب على الأرض.

رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يعي ذلك خصوصا في ظل الوضع الهش لحكومته والذي يعاني الائتلاف المشكلة منه من انقسامات حادة في الرأي بالذات حول كيفية التعامل مع حماس والحرب في غزة بالإضافةإلى عملية السلام مع الفلسطينيين، وما إقالة نتياهو لنائب وزير الدفاع داني دانون يوم الأربعاء إلا الجزء الظاهر من جبل الثلج المختبئ في أعماق بحر التناقضات الاسرائيلي. وكل صاروخ يطلق من غزة يزيد من تعرية هذا الجبل الثلجي.

ويعي نتنياهو أن شعبيته ستصل للحضيض في ظل استمرار دوي صفارات الانذار، وتساقط الصواريخ الغزية على المدن الإسرائيلية، بكل بساطة هذا يعني أن نتنياهو فشل في توفير الأمن لشعبه، وهو الشيء الذي لا يمكن غفرانه لأي رئيس حكومة اسرائيلي.. صواريخ غزة تدك نظرية الأمن الاسرائيلي وتطيح معها بشعبية نتنياهو وحكومته.

السيسي في ورطة

يبدو الرئيس المصري السيسي وحكومته في ورطة أخرى حقيقية، فمصر تاريخيا كانت هي الوسيط بين إسرائيل وحماس، وهو وسيط كان يحظى بقبول الطرفين، نظرا لما تملكه مصر من تأثير على غزة من جهة، وعلى تل ابيب من جهة أخرى، لهذا كانت مصر هي الوسيط والراعي لكل “الهدن” السابقة الموقعة بين الطرفين.

لكن مع التهم التي وجهتها الحكومة المصرية لحركة حماس من حيث تورطها في دعم الرئيس المخلوع محمد مرسي وحكومته الاخوانية، وما اعقبه من عمليات عنف دامية وهجوم على قوى الأمن المصري في سيناء، ومن ثم تصنيف القاهرة للإخوان المسلمين كحركة ارهابية، وهو ما يضع حماس في نفس الخانة بنظر القاهرة، ولن ينسى السيسي القبلة التي طبعها هنية على يد الشيخ القرضاوي وهو أحد اكبر المعادين للرئيس المصري الجديد.

وفي المقابل لا ننسى الاتهامات المضادة من حماس للسيسي وحكومته بتضييق الخناق على القطاع المحاصر أصلا مع استمرار إغلاق معبر رفح، وهدم الأنفاق التي كانت الشريان الرئيسي للحياة لحركة حماس وللغزيين عموما.

كل هذه التهم المتبادلة بين الطرفين جعلت مصر تفقد دورها وتأثيرها على الحركة، وهو ما تبين لاحقا من رفض حماس للمبادرة المصرية، وآليات وضعها حيث لم تشاور مصر حركة حماس في بنود هذه الاتفاقية.

في الوقت نفسه فإن مصر السيسي لا يمكنها تجاهل شلال الدم الفلسطيني بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، على الأقل ظاهريا أمام جماهير الشعب المصري المتعاطف فعليا مع إخوانهم في غزة.

لا يستطيع السيسي ولا حكومته تجاهل نبض الشارع المصري، ولهذا لا بد أن يتحرك لوقف العدوان أو على أقل تقدير أن يتظاهر بالتحرك.

وهو ما يعني إعادة قنوات الاتصال مع حركة حماس، وقد تجلى هذا بالفعل الأربعاء من خلال قيام مسؤول مصري بعقد اجتماع في القاهرة مع ممثل لحركة حماس حيث أعلن القيادي في حركة فتح عزام الأحمد بأنه “سيكون هناك لقاء بعد ظهر الأربعاء في القاهرة بين مسؤول من حماس وممثل للقيادة المصرية، ونأمل أن يتم (خلال هذا الاجتماع) التوصل إلى صيغة نهائية للمبادرة المصرية أو إضافة توضيحات حول الأهداف الأساسية للمبادرة المصرية”.

وهذا هو الاجتماع الأول بين حماس وحكومة السيسي وهو وحده يمثل اختراقا مهما لحماس.

رئيس الفلسطينيين “المحايد”

يبدو موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، موقفا محرجا ومأزوما على الصعد كافة ، فهو من جهة رئيس الفلسطينيين جميعا بمن فيهم أهل غزة، على الأقل نظريا، ومن جهة أخرى يبدو أن الظروف قد وضعت الرجل في موقف الوسيط بين أبناء شعبه في غزة، وبين المعتدي عليهم ممثلا بإسرائيل وحكومة نتنياهو.

ومع رفض حماس للمبادرة المصرية، وضعف موقف حكومة السيسي للتأثير على فصائل المقاومة الفلسطينية، ونظرا للحاجة إلى وسيط يعمل على إنهاء الموقف المتأزم الحالي، فإن عباس يبدو هو الوحيد القادر حاليا على لعب هذا الدور.

فهو من جهة، يحظى بثقة الإسرائيليين الذين يعرفون مقدار العداء بينه وبين حماس، ومن جهة أخرى قد يحظى الرجل بقبول الأخيرة في ظل حكومة الائتلاف والوحدة الوطنية التي تم التوصل إليها أخيرا بين قادة فتح حماس.

صحيح أن هذه الحكومة كانت أحد أسباب العدوان على غزة في ظل الرفض الإسرائيلي الحازم لها، إلا أنه ومن باب “رب ضرة نافعة” قد تجعل هذه الحكومة الفلسطينية، أبو مازن، وسيطا مقبولا من قبل حماس والجهاد الإسلامي.

وهو ما تجلى فعليا، حيث أعلنت وكالة الأنباء المصرية يوم أمس الأربعاء عن عقد اجتماع بين محمود عباس وموسى أبو مرزوق القيادي في حركة حماس في القاهرة، لبحث سبل إنهاء الحرب وبحث إجراء تعديلات على المبادرة المصرية بما يرضي فصائل المقاومة الفلسطينية.

وللخبر دلالات كثيرة منها؛ وجود قيادي من حماس في القاهرة واجتماع عباس به فيها بدلا من الاجتماع به في رام الله أو غزة.ومن الواضح أن المبادرة المقبلة ستكون بوساطة عباس وتحت مظلة مصرية.

الثمن الباهض

ورطة حماس في رفضها للمبادرة المصرية تتمثل في أكثر من شق؛الأول منها هو استمرار نزيف الدم الفلسطيني ومسؤولية حماس في هذا، حيث قتل حتى الآن أكثر 230 فلسطينيا، وجرح نحو 2000 شخص آخرين، وما زال نزيف الدم مستمرا.

والشق الثاني؛ ظهور حماس أمام الرأي العام العالمي بموقف الرافض للهدنة والسلام. لكن رهان حماس الأكبر يبقى على الشعب الغزاوي نفسه وقدرته على القبول والتحمل لهذا الثمن الدموي الباهض.

وتبدو مطالب حماس “مقبولة جدا” أمام أبناء شعبها فهي تطالب بالدرجة الأولى برفع الحصار الإسرائيلي القاسي الذي أرهق سكان القطاع، وفتح المعابر جميعها، وإنشاء ميناء بري وآخر بحري بإشراف دولي، وكل هذا يعني وقف الحصار وجعل الشعب الغزاوي مثل باقي شعوب الأرض يعيش بحرية وكرامة على أرضه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث