واشنطن تداوي المالكي بـ “داء” داعش

أمريكا تؤكد قدرة المسلحين على الاحتفاظ بمناطق سيطرتهم في العراق

واشنطن تداوي المالكي بـ “داء” داعش

بغداد- ألقت الولايات المتحدة الأمريكية بالمسؤولية الأكبر في ما آلت إليه الأمور في العراق على رئيس الوزراء نوري المالكي، جراء اتهامات تطاله من تهميش خصومه السياسيين من السنة والأكراد وسعيه الدائم إلى تحجيمهم وحصر السلطات بيده والسيطرة على الهيئات المستقلة الرئيسة في البلاد.

ولم تتوقف اتهامات واشنطن للمالكي عند استبعاده السنة من قيادة قوات الجيش وتعيين آخرين يدينون له بالولاء المطلق، ما حول الجيش إلى قوة جوفاء يهددها الفساد والمحسوبية الإدارية، بحسب مراقبين.

ومع تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في شمال العراق وزحفه جنوباً في مسعى للوصول إلى العاصمة بغداد، بدا للوهلة الأولى أن الولايات المتحدة ستشن غارات جوية واسعة على معاقل المسلحين المتشددين وإيقاف زحفهم لفك سيطرتهم على وادي الفرات في بلاد ما بين النهرين، لكن بدا الوضع أشبه إلى ما يكون أن واشنطن تداوي المالكي بـ “داء” داعش.

واعتبرت واشنطن هذا التطور خطيراً ويهدد مصالحها وأمنها، وكذلك كيان الدولة العراقية، التي صرفت المليارات على بناء مؤسستها العسكرية التي انهارت أمام زحف “داعش” وحلفائها.

غير إن البيت الأبيض الأمريكي تردد في شن ضربات جوية ولم تكن هناك معالجة عسكرية فورية، في وقت لا يزال فيه المتشددون الإسلاميون يقضمون المدن والقرى العراقية واحدة تلو الأخرى، وإن كان بوتيرة أبطأ خلال الأسبوع الأخير.

قدرة المسلحن على الاحتفاظ بمناطق سيطرتهم

وفي هذه الأثناء، كشف مصدر في المخابرات الأمريكية أن المتشددين السنّة قادرون على الاحتفاظ بالمناطق الشاسعة التي سيطروا عليها في شمال العراق وغربه ما لم تشن الحكومة في بغداد هجوماً مضاداً كبيراً.

وأكد المصدر أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي سيطر على مدينة الموصل في الشمال في العاشر من يونيو حزيران ويتقدم منذ ذلك الحين دون اي مقاومة تذكر نحو بغداد، هو في أقوى حالاته “منذ سنوات”.

وأضاف أن التنظيم يخاطر بفقد السيطرة إذا ما توسع بسرعة كبيرة.

وتابع أن التنظيم لا تعوزه الأموال والسلاح بعد أن نهب معدات عسكرية في سوريا والعراق وجمع أموالاً من خلال عمليات خطف وسرقة وتهريب وابتزاز، بما في ذلك فرض “ضريبة على الطرق” في الموصل.

ولكنه شكك في صحة تقارير إعلامية تفيد أن إيرادات التنظيم ارتفعت إلى مئات الملايين من الدولارات، وأشار الى أن غنائمه في الموصل لم تتجاوز “ملايين “الدولارات.

وذكر أن التنظيم عزز قدرته على السيطرة على الأراضي والاحتفاظ بها بتكوين تحالفات مع عشائر وشخصيات دينية سنية في المنطقة وتجنيد السكان المحليين في صفوفه.

وتقدر وكالات المخابرات الأمريكية أن تنظيم القاعدة دفع بأكثر من عشرة آلاف مقاتل، وأن ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يقاتلون في العراق والباقي في سوريا.

كما انحسرت المخاوف من وصول مسلحي داعش إلى العاصمة بغداد بعد حشد القوات العسكرية على مشارفها وفي سامراء، وكذلك الزج بعشرات الآلاف من المتطوعين الشيعة والميليشيات الشيعية في الخطوط الأمامية.

وكانت واشنطن أكدت أنها ستقف إلى جانب العراق في محنته، لكنها اشترطت بعض الضمانات التي يجب أن تتوفر إذا أرادت الحكومة العراقية تجنيب الشعب المزيد من التوترات والصراعات الطائفية التي تهدد بتفتيت العراق.

التردد الأمريكي متعلق بردة الفعل العراقية

كان التردد الأمريكي يعتمد بالدرجة الأساس على رد فعل الحكومة العراقية على الأحداث المستجدة وكيفية معالجتها ومدى استجابة بغداد لدعوات واشنطن في معالجة الأسباب التي مهدت لوقوع البلاد في شرك “داعش” وتمدده على طول البلاد وعرضها.

ولم يستجب المالكي للدعوات الأمريكية والإقليمية والغربية بضرورة استيعاب خصومه من السنة بل سار بالاتجاه المعاكس بتوزيع الاتهامات على القوى السياسية السنية والدول الإقليمية الداعمة لتلك القوى من ضمنها المملكة العربية السعودية، التي قال المالكي إنها مسؤولة عن الجرائم التي ترتكب في بلده.

أما سياسة إلقاء اللوم على الآخرين داخلياً وخارجياً فلم تكن ردة الفعل الوحيدة التي أزعجت واشنطن في إطار مساعي بغداد لاحتواء الصدمة والأزمة المستفحلة في البلاد، بل سعى المالكي إلى تهميش المؤسسة العسكرية التي أنفقت واشنطن 25 مليار دولار على بنائها بعد إسقاط النظام السابق في 2003.

وبدل ترميم الجيش ورفع معنوياته بعد الانهيار السريع أمام هجوم مسلحي داعش والمتحالفين معه، ألقى المالكي باللوم على القادة العسكريين الذين عينهم هو واتجه للاعتماد على أبناء طائفته الشيعية عبر دعوته لتشكيل “جيش شعبي” من المتطوعين، وما ساعده في مسعاه هو فتوى للمرجع الديني الأعلى في العراق علي السيستاني ودعوته السكان للانخراط في العمل العسكري لمقاتلة مسلحي داعش.

ولاقت فتوى المرجعية الشيعية استجابة واسعة، حيث تحدثت تقارير صحفية محلية ودولية عن إقبال نحو مليون شخص من الرجال من مختلف الأعمار على مراكز التطوع في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية لحمل السلاح في وجه داعش.

هذا الأمر ولد مخاوف عظيمة من عسكرة أبناء الطائفة الشيعية، واستغلال هذا الأمر من قبل داعش لحشد السنة وراءه، وإشعال حرب أهلية مفتوحة وصولاً في النهاية إلى اختفاء معالم الدولة العراقية وتفتيتها.

كما أن المالكي اعتمد علناً على ميليشيات شيعية مدربة ومدعومة من قبل إيران مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي، بعد أن كانت تلك الميليشيات سلاحه السري على مدى الأشهر الماضية في محاربة داعش منذ أن بدأ المتشددون الإسلاميون السيطرة على مدن في الأنبار مطلع العام الجاري.

وأثارت معالجة بغداد للأزمة استياء الولايات المتحدة ودفعت بمشرعين أمريكيين بارزين للضغط على الرئيس الأمريكي باراك أوباما لحث المالكي على “التنحي من سدة الحكم لتجنب العراق الحرب الأهلية وتفتيته إلى أجزاء متصارعة”.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تيقنت أن احتواء الأزمة العميقة في العراق تبدأ من رحيل المالكي ومن ثم إعطاء ضمانات للسنة والأكراد والأقليات بأنهم شركاء حقيقيون في البلاد لحصر مسلحي داعش في الزاوية ومن ثم القضاء عليهم.

وبدت هذه الرغبة الأمريكية جليةً في تصريح لوزير الخارجية جون كيري، الذي قال الأحد بعد محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، إن “الولايات المتحدة تريد أن يجد العراقيون قيادة لا تقصي أحدا لاحتواء تمدد داعش”.

مخاوف السنّة في العراق

وكان لتردد واشنطن في شن ضربات جوية أسباب أخرى، منها ما يتعلق بمخاوف السنة في العراق، فضلاً عن مخاوف دول إقليمية منها دول الخليج العربي وتركيا.

فقد عبر السنة عن مخاوفهم من أن تفضي الضربات الجوية إلى تقوية شوكة المالكي وأخذه زمام المبادرة للقضاء على خصومه وإظهار نفسه بمظهر المنتصر على المتشددين السنة أمام طائفته وصولاً إلى إحكام قبضته على كرسي الحكم لولاية جديدة يسعى إليها.

وعلى مدى الأسبوعين الأخيرين، حاول قادة السنة إيصال رسالة إلى واشنطن مفادها بأن الحل العسكري لوحده سيدخل البلد في أتون صراع طويل الأمد سينتهي في المحصلة الاخيرة بتقوية نفوذ المتشددين من الجانبين، وتفتيت البلاد على أساس طائفي وعرقي.

ويعتقد ساسة السنة العراقيون بأن تغيير الواقع السياسي الحالي في العراق والحد من سياسات التهميش واستهداف أبناء الطائفة عبر قوانين مكافحة الإرهاب والاجتثاث من شأنها استمالة عناصر أقل تشددا من داعش تقاتل الحكومة العراقية وكذلك تأليب العشائر ضد المتشددين أو تحييد تلك الأطراف على أقل تقدير لعزل المتشددين الإسلاميين وحسم المعركة لصالح الحكومة العراقية بأقل الخسائر الممكنة.

الموقف الإقليمي واضح

أما على الصعيد الإقليمي، فإن موقف دول الخليج كان واضحاً من خلال إلقاء اللوم على سياسات المالكي الإقصائية بحق السنة، وبأن الحوار بين المكونات لا التدخل الخارجي هو السبيل لمواجهة الاضطرابات.

وتقول السعودية إنها إلى جانب أمريكا وفرنسا وبريطانيا متفقة على أن الحوار والحل السياسي هما السبيل للمضي قدما في العراق.

كما أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لم يستسغ الهجمات الجوية في العراق، وقال إن “قيام الولايات المتحدة بشن ضربات جوية على المتشددين في العراق يمكن أن يؤدي لسقوط أعداد كبيرة من القتلى المدنيين، وإن واشنطن لا تحبذ هذه الاستراتيجية”.

أمريكا لن تقف متفرجة

ورغم كل ذلك لا تستطيع واشنطن أن تتفرج ببساطة على ما يجري في العراق الذي احتلته قواتها في العام 2003 عقب إسقاط النظام السابق، وأنفق هناك المليارات لإقامة “نظام ديمقراطي” وقضى فيها نحو 4500 من جنودها في معارك مع متشددين سنة وشيعة وسط انتقادات تعرض لها الرئيس الأمريكي باراك أوباما من بعض الجمهوريين بسبب قراره سحب كامل القوات الأمريكية من العراق في أواخر 2011.

ولذلك فإن الإدارة الأمريكية أبقت على كل الخيارات العسكرية لمساعدة العراق في حربه ضد المتشددين والتي قد تشمل ضربات جوية بالتوازي مع تحرك محدود من خلال إرسال 300 خبير عسكري سيتوزعون حال وصولهم على الرقعة الجغرافية الملتهبة في العراق لتقييم الوضع وتحديد الأهداف وكذلك إعادة هيكلة الجيش العراقي.

ويبدو أن الولايات المتحدة ستوزع جهودها على العمل العسكري، وكذلك الضغط على ساسة العراق من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية وإعطاء ضمانات للأطراف كافة من أجل امتصاص الضغط الشعبي.

وفي حال لم يستجب رئيس الوزراء العراقي للضغوط الأمريكية ستلجأ واشنطن إلى شركاء المالكي الشيعة من أجل فرض المزيد من العزلة عليه لتنحيته من سدة الحكومة، لكن الدور الإيراني سيكون فيما يبدو حاسماً بشأن القرار الذي ستتخذه الأطراف الشيعية الأخرى نظرا لما تتمتع به طهران من نفوذ داخل البيت الشيعي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث