العراق يسير نحو “اللبننة”

كيري يبدأ مهمة شاقة والحكومة المنتظرة رهن التوافق الإقليمي

العراق يسير نحو “اللبننة”
المصدر: إرم ـ من إبراهيم حاج عبدي

رغم اختلاف السياقات والمخاطر، يرى مراقبون أن الوضع السياسي في العراق يسير باتجاه تكرار السيناريو اللبناني.

لبنان الذي أخفق في اختيار رئيس جديد للبلاد خلفاً لميشال سليمان، بعد عدة جلسات برلمانية، يعاني حالياً من فراغ في سدة الرئاسة، إذ تتولى حكومة تمام سلام المهام الرئاسية في انتظار تسوية إقليمية تنجح في اختيار رئيس يحظى بتوافق مختلف الفرقاء اللبنانيين.

ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تنطبق على العراق الذي عجز، بدوره، عن تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات التشريعية التي أظهرت فوز الائتلاف الذي يقوده المالكي بـ 92 مقعداً من أصل 328 مقعداً، بسبب الانقسامات العميقة بين القوى السياسية.

لا حكومة دون توافق إقليمي

ووسط الجدل حول هذا الاستحقاق، فوجئت الحكومة العراقية بتطور أمني وعسكري خطير تمثل في اجتياح داعش ومسلحين ينتمون للطائفة السنية مدناً في شمال بغداد وغربه، وسط انهيار غير متوقع للجيش العراقي.

وعصفت هذه التطورات الميدانية بأي أمل في تشكيل الحكومة ما لم تتفق الدول الإقليمية الرئيسة حول شكل وطبيعة هذه الحكومة، ولاسيما أن حكومة المالكي اتهمت بـ “الطائفية” ليس فقط من قبل شركائه السياسيين في الداخل، أي السنة والأكراد، بل كذلك من الولايات المتحدة والسعودية التي دعت، أخيراً، إلى حكومة لا تهمش أحداً من المكونات العراقية.

ويعتقد مراقبون أن التطورات العسكرية لم تكن نابعة من طموح تنظيم داعش في تأسيس دولة إسلامية مزعومة، بقدر ما كانت نتيجة للسياسات “الفئوية الضيقة” التي اتبعها المالكي، وهو ما يفسر مشاركة تنظيمات سنية وعناصر من حزب البعث العراقي في الأحداث الأخيرة إلى جانب التنظيم الإسلامي المتطرف.

ومثل هذه الحقيقة تفرض ضرورة البحث عن حل سياسي لا تصعيد المواجهة العسكرية، وضمن هذا الإطار يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى المنطقة بحثاً عن تفاهمات مع الحلفاء لإعادة الاستقرار إلى بلد مضطرب.

لكن واشنطن لا تملك حلاً سحرياً، وهي لا تملك أي نفوذ لدى إيران التي تحرك أوراق الساحة العراقية وفقاً لمصالحها، وبما يتناسب مع عقيدتها الدينية.

طهران تطلب ثمن التضحية بالمالكي

ويرى مراقبون أن إيران قد تضحي بالمالكي في حال حصولها على ثمن يتمثل في حفظ مصالحها في العراق، وهنا يبرز كذلك الدور السعودي، خصم إيران، الذي يطالب كذلك برئيس حكومة حريص على مصالح الرياض في المنطقة، ومؤيد لسياسة السعودية بشأن ملفات مختلفة وخصوصاً سوريا.

وسط هذه المعادلات الدقيقة والحساسة، يبدأ كيري جولةً للشرق الأوسط وأوروبا في مهمة مضنية تسعى إلى ترتيب المشهد العراقي المضطرب بما يتوافق مع طموحات خصوم الولايات المتحدة وحلفائها.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان إن كيري سيزور الأردن وبلجيكا وفرنسا لإجراء “مشاورات مع شركاء وحلفاء حول الطريقة التي يمكننا فيها المساهمة في أمن واستقرار العراق وتشكيل حكومة جامعة فيه”.

وفي عمان سيلتقي كيري نظيره الأردني ناصر جودة ليبحث معه “التحديات على الصعيد الأمني في الشرق الاوسط”، ويتوجه كيري بعد ذلك إلى بروكسل لحضور اجتماع وزاري لحلف شمال الاطلسي قبل قمة الحلف في أيلول / سبتمبر.

وأخيراً، سيزور كيري باريس، حيث يبحث مع “شركاء إقليميين أساسيين وحلفاء في الخليج التحديات الأمنية في الشرق الاوسط وخصوصاً في العراق وسوريا”، بحسب مصادر أمريكية.

ولم تطلب الولايات المتحدة رسمياً استقالة نوري المالكي، لكنها لم توفر انتقاداتها لرئيس الوزراء العراقي المتهم بالطائفية، وهي لا تنوي التدخل العسكري مجدداً في العراق، إذ اكتفت بالإعلان عن خطة لإرسال 300 مستشار عسكري لمساعدة الجيش العراقي، بل تشدد على ضرورة أن يقيم العراق نظاماً ديموقراطياً مفتوحاً لكل المجموعات، السنة والشيعة والأكراد.

ومثل هذا التصور الأمريكي، الذي تشاطره فيه فرنسا، يعيد الكرة العراقية دائماً إلى مرمى اللاعبين الإقليميين، والمقصود، بالدرجة الأولى، السعودية وإيران، وإلى حد ما تركيا التي تعاملت مع تطورات العراق بحذر شديد.

ويبدو الحذر التركي مفهوماً، فحزب العدالة والتنمية حريص على عدم إرباك المشهد السياسي الداخلي وسط استعداداته للانتخابات الرئاسية في 10 آب / أغسطس المقبل والتي ستشكل معركة حاسمة بين الحزب الحاكم وخصومه.

يُضاف إلى ذلك حيرة أنقرة في كيفية دعم مطالب العراقيين السنة دون الظهور بمظهر الداعم لداعش والإرهاب ودون الصدام من إيران، وكيفية التعامل مع تطلعات الأكراد إلى دولة مستقلة قد تغير خرائط الشرق الأوسط وتركيا جزء منها في النهاية.

موسكو من جانبها لم تأبه كثيراً بالمستجدات في العراق، فهي منهمكة بتداعيات التطورات في أوكرانيا، وجددت موقفها التقليدي في دعم حكومة المالكي لمواجهة “الإرهاب”.

بحثاً عن بديل للمالكي

وفق ما تقدم، فإن الأزمة العراقية تختزل في جانب كبير منها في إيجاد بديل للمالكي، إذ يعارض التيار الصدري وائتلاف الحكيم والتحالف الكردستاني والكتل السنية توليه لولاية ثالثة، ناهيك عن انتقادات غربية لأدائه السياسي خلال الولايتين السابقيتين.

وتقول تقارير نشرتها صحف أمريكية، إن أوباما يتعرض لضغط من مشرعين أمريكيين لإقناع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالتنحي بسبب ما يرونه فشلاً في القيادة في وجه تمرد يعرض بلاده للخطر.

وفي السياق ذاته، اعتبر الرئيس الإيراني الأسبق، رئيس تشخيص مصلحة النظام، هاشمي رفسنجاني، أن مشروع تشكيل حكومة جامعة في العراق هو مشروع جيد يساعد على اللحمة والوحدة الداخلية، وهو ما يتوافق نسبياً مع الموقف السعودي.

والسؤال، هنا، من هي الشخصية العراقية التي من الممكن أن تحظى بقبول داخلي وبتوافق إقليمي ودولي؟.

– عادل عبد المهدي (72 عاماً)، النائب السابق للرئيس العراقي جلال طالباني. استقال في العام 2011 ليبعد نفسه عن حكومة المالكي العاجزة. تدرج في كثير من المناصب خلال حياته المهنية. وهو خبير اقتصادي درس في فرنسا وكمعتدل، ودعا الشيعة والسنة في العراق للعمل على دعم بعضهم البعض ضدّ الإرهاب.

– إياد علاوي (69 عاماً) عيّن رئيساً للوزراء في الحكومة الانتقالية المؤقتة في العراق المدعومة من الولايات المتحدة بعد إطاحة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. طبيب أعصاب تخصص في بريطانيا. شيعي علماني يحظى بدعم الشيعة والسنة الساخطين في جميع أنحاء العراق، لكنه غير مقبول من قبل إيران.

– أحمد الجلبي (70 عاماً) الزعيم السابق لـ “المؤتمر الوطني العراقي” المعارض الذي تلقى دراسته في بريطانيا. هو أحد المفضلين عند المحافظين الجدد الذين دعوا لغزو العراق في العام 2003. بعد خلاف مع واشنطن حول مصادر استخباراتية وهمية، يحاول السياسيون الأميركيون التقرّب منه مجدّداَ.

– باقر جبر الزبيدي هو وزير داخلية سابق. متّهم بتحويل قوات في الشرطة العراقية إلى “فرق موت”.

– حاكم الزاملي، غير معروف، لكنه ينتمي إلى الكتلة السياسية الموالية لرجل الدين مقتدى الصدر المناهض للولايات المتحدة الأميركية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث