الرياض تراقب تطورات العراق بصمت

الرياض تراقب تطورات العراق بصمت

إرم من ريمون القس وقحطان العبوش

تراقب السعودية الأزمة العراقية وتداعياتها بصمت مطبق حيث لم تعلن الرياض لحد الآن موقفها الرسمي تجاه ما يدور من تطورات كبرى ومتسارعة منذ عدة أيام في العراق الذي يفصلها عن “عدوها اللدود” إيران التي يبدو أنها استعادت من جديد زمام المبادرة في المنطقة مجدداً.

ومنذ أن سقطت الموصل، ثاني أكبر مدن العراق صباح الثلاثاء الماضي، بيد متمردين إسلاميين وبعثيين سابقين ومتابعة مسيرهم باتجاه العاصمة بغداد التي تقودها حكومة مدعومة من طهران، لم تعلن الرياض موقفها بوضوح من هذه التطورات التي من الممكن أن تغير الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط البالغة التعقيد والتي رسمتها وقسمتها الدول الأوروبية التي كانت تحتلها في مطلع القرن الماضي.

ويقول مراقب لـ “إرم نيوز” إن السعودية تتعامل بحذر شديد مع القوة الناشئة والمسيطرة في العراق والتي أظهرت أنه يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً، موضحاً أن “السعودية تشجع أي صراع في المنطقة كي يأخذ شكلاً طائفياً لأن أي صراع في أي بقعة من العالم عندما يتحول إلى صراع طائفي (سني/شيعي)، يدفع السعودية إلى أن تتزعمه نظراً لمكانتها الدينية والاقتصادية والسياسية معاً”.

ويوضح أن “السعودية تسعى إلى فرز القوى السنية التي سيطرت الأسبوع الماضي على مناطق واسعة في شمال العراق وهددوا باجتياح بغداد.. وهنا أقصد إبعاد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)” التي أدرجتها الرياض في مارس/آذار الماضي ضمن “قائمة المنظمات الإرهابية”.

وحمّلَ الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية السابق، خلال اجتماع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في روما قبل يومين، حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مسؤولية سقوط مساحات واسعة من أراضي شمال العراق بيد المتمردين، وقال إن بغداد أخفقت في وقف انضمامهم إلى صفوف المتشددين الإسلاميين والبعثيين من عهد صدام حسين.

وتكن الرياض العداء لبغداد التي تقودها حكومة مدعومة من قبل طهران. وقال الأمير تركي أيضاً إن “الوضع في منطقة الأنبار في العراق يغلي منذ بعض الوقت وبدا أن الحكومة العراقية ليست متقاعسة عن تهدئة الغليان هناك وحسب بل بدا أنها كانت تحث على انفجار الأمور في بعض الحالات”.

وهنا يقول المراقب نفسه لـ “إرم نيوز” إن “إيران مثل السعودية، وإن بشكل أقل، تدفع بدورها صراعات المنطقة لتأخذ أشكالاً طائفية ما يجعلها تتزعم العالم الشيعي بشكل دراماتيكي”.

وباستثناء تصريحات المسؤول السابق في المخابرات السعودية -التي تنشط بشكل كثيف في العراق وسوريا في السنوات الأخيرة- لم يبدر عن الرياض بعد أي موقف رسمي إلا أن الصحف السعودية -التي يقع على عاتقها الإشارة إلى موقف الرياض الرسمي في ما تشهده المنطقة من أحداث من هذا النوع- تناولت تلك التطورات الأخيرة من عدة زوايا تتحدث معظمها عن “الدور السلبي لنوري المالكي”، والخشية من “تدخل إيراني عسكري وشيك ما يفرض سيطرة أكبر لطهران في العراق”.

وها هو عبد الرحمن الراشد أحد أشهر الصحافيين السعوديين يقول في “الشرق الأوسط” أبرز الصحف السعودية “الحقيقة، لم يعد هناك بعث ولا بعثيون منذ حرب الكويت، فهي أسماء قديمة، تعبر اليوم فقط عن تجمع السنة العراقيين الغاضبين” في إشارة إلى المتمردين الذين حملوا السلاح في وجه الجيش العراقي، وبسطوا سيطرتهم منذ صباح الثلاثاء على مناطق واسعة في بلاد النهرين أهمها الموصل حاضرة محافظة نينوى.

وأضاف الراشد في المقال، الذي نشر الأحد، إن الأزمة الحالية “بدأت باعتصامات سلمية في الأنبار في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، استباقاً للانتخابات البرلمانية. حينها أعلن المعتصمون عن 17 مطلباً، معظمها عدلية تطالب بإطلاق سراح المتهمين ووقف عمليات الإعدام وإنهاء الملاحقات. مطالب وجدت كثيرين يتفهمونها، بمن فيهم قادة من الشيعة مثل مقتدى الصدر وعمار الحكيم. وبدل أن يفاوضهم المالكي، أو يدعهم لشأنهم وخيامهم، قام بحماقته المشهور بها، وكسر خلية النحل. وأرسل قوة كبيرة، اعتقلت أحمد العلواني، وهو نائب برلماني منتخب ومن عشيرة كبيرة، وقتلت أخاه، في خرق صريح للدستور والأنظمة، والرجل لا يزال معتقلا إلى اليوم. لتشتعل الأنبار إلى اليوم”.

ويتابع الراشد، وهو مدير قناة “العربية” السعودية، قوله إن “القوى المنتفضة، من عسكريين سابقين وعشائر، هي الأغلبية، وفي الوقت نفسه (داعش) موجودة أيضاً، وستكون -لاحقاً- عبئاً على الثوار العراقيين، وحليفاً أكيداً لقوات المالكي. وهذا يذكرنا بما يحدث في سوريا، حيث يوجد ثلاثة لاعبين أساسيين؛ قوات الأسد وحلفاؤه الإيرانيون، والجيش الحر وحلفاؤه، وثالثهم الإرهابيون من (جبهة النصرة) و(داعش). والعراق سيكون كذلك”، وهو إشارة واضحة للدعم السعودي الذي يتلقاه معارضون مسلحون للنظام السوري تحت اسم “الجبهة الإسلامية”، حيث تسعى الرياض إلى دعم “الجبهة” سياسياً لتنال القبول من القوى الغربية ولتحل مكان “الجيش السوري الحر” الذي كان يشكل علامة فارقة في الصراع السوري منذ أكثر من ثلاث سنوات ضد قوات الأمن والجيش السوري.

وحول الاصطفافات الطائفية، يقول الراشد إنّ “وجود (داعش) لن يغير من حقائق الأمور الكبرى في الصراع في العراق. لأن ثلث السكان يعاقبهم النظام لأسباب طائفية وانتهازية سياسية، ومن الطبيعي أن يثوروا ضده، وسيستمرون ضده كعشائر ومسلحين آخرين”.

وفي محاولة لتأكيد موقف الرياض من عدائها لتنظيم “داعش” المرتبط بتنظيم القاعدة، يقول الراشد إنّ “القاعدة وتنظيماتها لا تلتقي مع تطلعات الغاضبين من أهالي العراق، بل تعتبرهم، مثل النظام، خارجين على الملة دينياً”.

وختم الراشد مقاله قائلاً “يزيد سوءاً وخطراً على (داعش) و(القاعدة)، نوري المالكي، فهو شخص سيئ مستعد لارتكاب المجازر للبقاء في الحكم، مثل الرئيس السوري بشار الأسد. ومن أجل استقرار العراق لا بد من الخلاص من المالكي والقاعدة”.

وحول تنامي الدور الإيراني في المنطقة، لوّحت طهران باستعدادها لتوفير مساعدة عسكرية للعراق، من أجل التصدي لهجوم مقاتلي “داعش”، من دون أن تستبعد التعاون مع الولايات المتحدة، التي تصفها طهران بـ “الشيطان الأكبر”، وهو ما أربك السعودية، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، وجعلها في قلق من تقارب الدولتين على حسابها في المنطقة.

ودفع قلق الرياض من التقارب الأمريكي الإيراني الوشيك حول محاربة “داعش”، إلى الإعلان، الأحد، عن رعايتها اجتماعاً لوزراء خارجية الدول العربية خلال اليومين المقبلين لبحث “الأوضاع الخطيرة التي تواجهها العراق، والخطوات الواجب اتخاذها خاصة بعد سيطرة تنظيم.. (داعش) على العديد من مدنه، وتصاعد العمليات الإرهابية، والانفلات الأمني، واستهداف عددا من المدن”، في محاولة منها لمواجهة التطورات السريعة فيه.

وتسلط الصحف السعودية الضوء باستمرار، منذ سيطرة المتمردين على مدينة الموصل الثلاثاء الماضي، على القلق الذي يساور الرياض فيما يتعلق باتساع النفوذ الإيراني في منطقة الخليج العربية، حيث كتبت رائد درغام في صحيفة “الحياة” السعودية البارزة، الجمعة الماضي، أنه “قبل بضعة أسابيع، أرسل مقرّبون من المالكي إلى واشنطن رسالة طلب إغاثة فحواها أن الوقت حان لإيجاد وسيلة لإخراج المالكي من الحكم بلياقة وإلاّ فإن بقاءه سيؤدي إلى حرب أهلية دموية في العراق تنتهي بالتقسيم، إن لم يكن بالشرذمة، يُسفر عنها إنماء فظيع للتطرّف الإسلامي والصراع المذهبي المدمّر. واشنطن، كعادتها في زمن الرئيس باراك أوباما، أخذت وقتها للتمعن في التفكير البطيء لتزن انعكاسات أي خطوة تتخذها في العراق أو سوريا على مفاوضاتها النووية مع إيران”.

ومعبرة بوضوح عن القلق السعودي من المد الإيراني في المنطقة، قالت درغام في مقالتها التي جاءت بعنوان واضح يقول “إنجازات داعش في العراق وسوريا هدية للمفاوض الإيراني” إنّ “إيران لن تكتفي بإزالة خطر العراق الاستراتيجي عليها كما مثّلَه صدام حسين، إنها مصرّة على تدجين العراق في الحظيرة الإيرانية، وهي ترى أن نوري المالكي يضمن لها ما تريد ولا تود الاستغناء عنه طوعاً”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث