دعم العرب للسيسي يهمش غياب الغرب

دلالات التمثيل في حفل التنصيب توجه بوصلة الدبلوماسية المصرية

دعم العرب للسيسي يهمش غياب الغرب
المصدر: عواصم ـ من فريق شبكة إرم الإخبارية**
يمكن اعتبار حفل تنصيب السيسي معيارا لقراءة توجهات السياسة المصرية في السنوات المقبلة، وبدا واضحا الزخم العربي، والخليجي بصورة خاصة، في حفل التنصيب الأمر الذي همش التردد الغربي إزاء التحولات السياسية الجديدة في مصر.

وجاء حفل تنصيب السيسي، كذلك، ليخلق حالة من عودة الروح للدولة المصرية التي اختطفت لمدة عام في عهد حكم جماعة الإخوان، وبدا الاهتمام العالمي واضحا بهذه المناسبة التاريخية، لا سيما وأن مصر شهدت، ولأول مرة في تاريخها، وثيقة تسليم وتسلم السلطة بين الرئيس المنتهية ولايته عدلي منصور وبين الرئيس الجديد.

وشهد الحفل حضور قادة ورؤساء وملوك بعض الدول، فيما لم يحضر آخرون لأسباب مختلفة.

الخليج أولا

بالنسبة لدول الخليج حضر أمير الكويت وملك البحرين وممثل عن السلطان قابوس، فيما أرسلت دولة الامارات وفداً رفيع المستوي ترأسه ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهو نفس الموقف الذي اتخذته السعودية التي أرسلت وفداً رفيع المستوى ترأسه ولي العهد السعودي سلمان بن عبد العزيز.

وهذا الحضور بالنسبة لهذه الدول كان متوقعا بعد مساندتها لمصر على مدار الفترة الماضية، بل دعت الرياض إلى عقد مؤتمر “أصدقاء مصر” لدعم الاقتصاد المصري.

لكن الأنظار لم تكن موجهة لممثلي الدول المساندة لمصر بقدر ما توجهت إلى الدول التي تختلف مواقفها عن الموقف المصري بخصوص ملفات المنطقة، إذ لم توجه مصر الدعوة إلى تركيا بسبب الدعم المستمر من أنقرة لجماعة الاخوان، وكذلك لم تتلق الدوحة دعوة رسمية للسبب ذاته، وكذلك إسرائيل لأسباب معروفة.

قطر.. حضور بلا دعوة

وكان لافتا حضور السفير القطري بالقاهرة في الوقت الذي نفت فيه وزارة الخارجية المصرية توجيه أي دعوة لقطر، وسط تأكيدات بأن حضور السفير القطري كان مفاجئاً للجميع، وهذا لم يكن وليد الصدفة إذ لايستطيع السفير القطري حضور حفل التنصيب دون إذن مسبق من الدوحة.

ولعل ذلك أعطت دلالات بأن قطر أيقنت عدم رجوع مصر للمرحلة السابقة، وهذا ما عكسته تغطية قناة الجزيرة القطرية التي وصفت السيسي بـ”الرئيس المصري الجديد”، وذلك على عكس سياساتها التحريرية السابقة، فضلا عن إرسال أمير قطر رسالة تهنئة للسيسي.

الرياض.. الحليف الأقوى

السعودية تعد أقوى حلفاء السيسي، وهذا ما عبر عنه مسؤولون سعوديون في أكثر من مناسبة، وكان العاهل السعودي أول المهنئين للسيسي لدى الإعلان عن نتائج الانتخابات التي أظهرت فوزه، وهذه التهنئة جاءت بمثابة رسالة دعم سياسي واقتصادي لمصر.

وبالنسبة للسعودية، فإن فوز “السيسي” يسدل الستار – في الوقت الحالي على الأقل- على صعود الإخوان المسلمين، ووصف الملك عبد الله في برقية التهنئة مثيري المشاكل بأنهم “أعوان الشيطان وجنده في الأرض”.

ولم ينس الملك عبد الله في رسالته الجانب الاقتصادي لمصر التي تعاني من متاعب اقتصادية جمة مع ارتفاع معدلات التضخم والبطالة والنقص في احتياطيات العملة الصعبة بسبب تراجع إيرادات السياحة والاستثمارات الأجنبية، حيث دعا الملك عبد الله إلى عقد مؤتمر للمانحين لمساعدة مصر في تجاوز أزمتها الاقتصادية، وحث الأطراف المعنية على الحضور.

وتربط السعودية، أغنى دولة عربية، ومصر، أكبر الدول العربية سكاناً، علاقات سياسية واقتصادية قوية، ويقدر حجم الجالية المصرية في السعودية بنحو مليوني شخص يمثلون أكبر جالية مصرية في الخارج، وتقدر تحويلاتهم المالية إلى مصر بنحو ثلاثة مليارات ريال سعودي (800 مليون دولار) سنوياً.

وتشير تقارير إلى أن السعودية تعد الدولة الأولى من حيث الاستثمارات والتبادل التجاري في مصر، حيث تبلغ القيمة الإجمالية للاستثمارات السعودية فيها حوالي 27 مليار دولار.

الكويت.. إدراك لخارطة التحالفات

كشفت مشاركة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح في حفل تنصيب الرئيس المصري الجديد عن التوجه العلني الجديد للبلد الخليجي الذي يعرف بدبلوماسيته الهادئة والمحايدة، ويحرص على البقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

لكن مشاركة الشيخ صباح في حفل التنصيب، اعتبرت بنظر المراقبين بمثابة إعلان لسياسة الكويت تجاه مصر والتي ظلت بعيدة عن الأضواء على حساب دعم سعودي إماراتي بارز قاد لإنهاء حكم الأخوان المسلمين في مصر وعزل مرسي.

ويبدو أن الساسة الكويتيين يدركون التغييرات الجديدة في خارطة التحالفات بالمنطقة، لذلك قرروا اختيار موقعهم بشكل علني إلى جانب المحور السعودي الأكبر في المنطقة.

وسيكون على الكويت خلال الفترة القادمة تقديم دعم مادي إضافي لمصر لمساندة اقتصادها المترنح رغم أنها كانت من أبرز الداعمين عندما قدمت لوحدها أربعة مليار دولار بينها مليار دولار كمنحة لاترد، وملياران من دون فوائد، ومليار على شكل مشتقات نفطية.

ويبدو أن السياسة الكويتية التي غضت الطرف لسنوات عن نشاط جماعة الإخوان داخل البلاد، قد تصطدم بمتطلبات التحالف الجديد، ولا تقارن المواجهة الكويتية المحتملة مع أنصار الجماعة في الداخل بالإجراءات التي اتخذتها السعودية والإمارات عبر إصدار تشريعات تعاقب المنتمين لها، حيث يتمتع تنظيم الإخوان في الكويت وهو التنظيم الأقدم والأسبق في المنطقة كلها، بنفوذ واسع، ويحتل أعضاؤها مناصب حكومية بارزة في البلاد، إضافة لتأييد عدد من كبار الدعاة والأئمة الكويتيين.

وشنت الصحافة الكويتية بدءا من اليوم هجومها على الجماعة عبر مجموعة من المقالات والتحليلات، بعد أن أفردت صفحاتها الرئيسية للحديث عن حفل التنصيب ومشاركة أمير الكويت فيه، وركزت على مقتطفات من خطاب السيسي الذي قال فيه إن أمن مصر من أمن الخليج.

السياسة المصرية ترسم بالدعوات

وكان التمثيل الغربي، خلال حفل تنصيب الرئيس المصري منخفض المستوى وهو إشارة واضحة على تردد الحلفاء الغربيين في دعم “السيسي” بسبب حملته على معارضيه.

وقال مراقب لـ شبكة “إرم” إن عدم حضور أي مسؤول كبير من الدول الغربية مقابل حضور قوي وكبير لدول الخليج ما هي إلا رسائل تحد خليجية للغرب.

ومن الواضح أن ملامح السياسة المصرية خلال الفترة القادمة ظهرت في حفل التنصيب وتوجيه الدعوات وأظهرت تفاصيل أكثر عن العلاقات بين البلدان، فقد أرسلت تونس ممثلا عنها رغم أن الرئيس التونسي المنصف المرزوقي يرى أن ماحدث في 30 يونيو انقلاباً ، وربما أعاد حساباته وتيقن من قيام الدولة المصرية الجديدة ليصبح مجبراً على التعامل معها لارادة شعبها واختياره للسيسي.

ولعل حضور رؤساء غينيا الاستوائية والصومال واريتريا وممثلي بعد الدول الأفريقية الأخرى يؤكد العلاقة الوطيدة بين مصر ودول أفريقيا، فيما توجهت الأنظار نحو حضور رئيس اثيوبيا تحديداً من عدمه ولكن ذلك لم يشغل المصريين كثيراً خاصة حينما قال السيسي أن مصر لن تتنازل أو تفرط في حقها المائي، فربما جاء عدم الحضور تخوفاً من الاحراج السياسي لرئيس اثيوبيا اذا ما قيلت هذه العبارة في حضوره.

صناديق بريد فارغة

تحت عنوان “السيسي أدى اليمين اليوم رئيسا ولكنهم في القاهرة يتساءلون متى سيبدأ الاحتجاج”، كتب المحلل الإسرائيلي “تسفي برئيل” مقالاً مطولاً تناول فيه العديد من الموضوعات الهامة المتعلقة بحفل تنصيب السيسي كسادس رئيس لمصر.

وقال إن صندوق بريد أربع دول ظل خالياً من دعوة حضور تنصيب السيسي، وشمل هذا النادي كل من إسرائيل وقطر وتركيا وسوريا المنبوذة طبعاً.

وأضاف: لننحي إسرائيل للحظة جانباً، لأن عدم تقديم دعوة لها كان متوقعاً، ولكن يبدو أن السيسي لم يستغل الحدث الاحتفالي للمصالحة مع خصومه الآخرين، مشيراً إلى أن رئيس وزراء تركيا “رجب طيب أردوغان” منبوذ لأنه حتى اليوم ليس لديه استعداد للاعتراف بأن مصر أصبح بها نظام جديد، بل أنه انتقد قبل ذلك على مدار العام ما أسماه احتلال الجيش للسلطة والاغتيال السياسي لحركة الإخوان المسلمين.

وتابع بأن هناك حساباً طويلاً وكبيراً مع قطر أيضاً، مشيراً إلى أن الأمر بدأ بالتغطية الواسعة التي منحتها شبكة الجزيرة – التي يحاكم بعض مراسليها حالياً بمصر- لاحتجاجات الإخوان المسلمين، مع توجيه نقد حاد لما تسميه حتى اليوم بـ “الانقلاب العسكري”.

وأشار إلى أن عداء السيسي لقطر لا ينبع فقط من تأييد تلك الدولة الصغيرة والمؤثرة، للإخوان المسلمين وحماس، وإنما أيضاً لأنه(السيسي) يعد بمثابة الآلهة نمسيس(الإله الحارس لأقدار الأشياء، وحامي الآلهة من رذائل البشر) بالنسبة للسعودية.

وتابع بأن قطر تعد حليفة إيران في الخليج، وتنتهج سياسات خارجية مستقلة لا تتماشى مع سياسات سائر دول الخليج، ومن ثم ليس بمقدور السيسي الجدل بعدما تبرعت لنظامه السعودية بأكثر من 14 مليار دولار بالتعاون مع دول خليجية أخرى.

وأضاف “برئيل”: “لكن هنا تأتي المفاجئة، فمن دعي تحديداً هو الرئيس الإيراني حسن روحاني، وعلى الفور فسرت القاهرة تلك الدعوة بأن إيران هي “دولة مهمة في كتلة دول عدم الانحياز”.. حجة ملائمة هدفها توضيح لماذا أن دعوتها كانت مهمة وفي نفس الوقت لتهدئة المخاوف من التقارب المبالغ فيه بين مصر وطهران.

وأضاف أنه لا عجب أيضاً في أن السعودية لم تعارض وربما تكون قد أيدت الدعوة، حيث أن المملكة نفسها بدأت بالفعل في شهر مايو ترديد أصوات جديدة تجاه إيران، عندما دعى وزير خارجيتها، سعود الفيصل، وزير الخارجية الإيراني “جواد ظريف” لزيارة السعودية.

وتابع بأن الزيارة لم تقم بعد، حيث أن ظريف على حد زعمه منشغل بإعداد جولة المباحثات الجديدة في الشأن النووي التي ستقام الأسبوع القادم، لكن الدعوة لازالت سارية، والأكثر من ذلك هي الزيارة المغطاة إعلامياً لحاكم الكويت، صباح الأحمد الصباح، لطهران، بما في ذلك عرض الوساطة بين إيران والسعودية.

وأردف الكاتب بأنه إذا لم تكن السعودية تتردد عن دعوة وزير الخارجية الإيراني، فمن حق السيسي أيضاً دعوة الرئيس الإيراني لمراسم التنصيب.

وأشار إلى أنه خلافاً لإيران، فإن تركيا تحديداً تبدو الخاسرة الكبرى من الثورة المصرية، حيث أن العلاقات الباردة معها، والتي شملت مقاطعة الرحلات الجوية لشركة “توركيش آيرلاينز” وتجميد جزء من الاتفاقات التجارية الموقعة خلال عهد مرسي، دفعت أنقرة لفقدان المزيد من الاتصالات بدول الشرق الأوسط، فقد انقطعت علاقاتها تماماً مع سوريا، والسعودية تتعامل معها بارتياب عدائي(لاسيما بسبب دعمها للإخوان المسلمين) والعراق يغلي بسبب أنبوب النفط الذي امتد بين كردستان وتركيا فضلاً عن شراء النفط مباشرة من الأكراد (على حساب العراق)، ناهيك عن اتفاقية التعويضات التي لم توقع بعد مع إسرائيل بسبب قضية أسطول (مرمرة) التركي والعلاقات الرسمية لازالت على المحك.

وخلص الكاتب إلى أن مبدأ “صفر المشاكل مع الجيران”، الذي طالب به وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو قد تحطم أشلاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** ابراهيم حاج عبدي وشوقي عبد الخالق وقحطان العبوش ومحمود صبري وريمون القس
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث