العراق يقترب من تكرار سيناريو 2010

العراق يقترب من تكرار سيناريو 2010
المصدر: إرم ـ (خاص) من أحمد الساعدي ومحمد وذاح ومدني قصري

يترقب العراقيون من الكتل السياسية التي فازت في الانتخابات البرلمانية الإسراع في حسم تشكيل الحكومة الجديدة من أجل تحقيق تطالعاتهم المتمثلة في تحسين الوضع الأمني ومحاربة الفساد وتوفير الخدمات للعراقيين.

ويشكك كثير من المتابعين للشأن السياسي العراقي إمكانية نجاح المفاوضات والمحادثات الجارية حالياً؛ الهادفة الى تشكيل الكتلة النيابية الاكبر التي سيقع على عاتقها مهمة تشكيل الحكومة المقبلة ضمن المدد المحددة دستورياً.

ويرى المراقبون أن التوصل الى خارطة تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب السيادية أمر غاية في الصعوبة، ولاسيما أن هناك توجهات عديدة للكتل السياسية، منها ما يسعى الى حكومة أغلبية يمثله توجه رئيس الحكومة المنتهية ولايته والفائز الأول نوري المالكي، وبين من يريدها حكومة شراكة التي يتمسك بها الحكيم والصدر وأسامة النجيفي وصالح المطلك وأطراف في التحالف الكردستاني.

ولا يستبعد البعض أن يتكرر سيناريو حكومة 2010، إذ انتظر مجلس النواب أكثر من تسعة أشهر قبل أن يتم التوصل الى حكومة توافقية تم الاتفاق عليها في مصيف صلاح الدين برعاية رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني.

سيناريوهات محتملة

شبكة “ارم” الإخبارية فتحت ملف التحالفات العراقية بعد ظهور نتائج الانتخابات، واستطلعت آراء بعض السياسيين، إذ يقول الكاتب والمحلل السياسي، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية واثق الهاشمي، إن “خارطة التحالفات ستمر بمخاض عسير جدا واعتقد أن الحكومة لن تتشكل قبل سنة”.

ويطرح الهاشمي أربع سيناريوهات لا خامس لها في مسألة تشكيل الحكومة الجديدة، ويقول أن “الأول أن يقوم المالكي بتشكيل أغلبية سياسية عبر تيار عابر للطائفية كما وعدنا، ولكنه سيصطدم باللاعب الخارجي، إيران والسعودية وقطر وتركيا وأمريكا التي لا تقبل بذلك”.

والسيناريو الثاني، وفق الهاشمي، “أن يقوم تجمع أربيل ٢ من المجلس والتيار والوطنية ومتحدون والكرد بتشكيل أغلبية ولكنهم سيصطدمون بالعامل الخارجي كما في السيناريو الأول”.

ويرجح الهاشمي أن يكون السيناريو الثالث هو “عودة ثلاث بيوت شيعية ممثلة بالتحالف الوطني الذي يراد إعادة تشكيله، وبيت سني ممثل باسم تجمع العراق، والثالث كردي، ويكون المالكي رئيسا لحكومة شراكة وطنية تعيدنا إلى المربع الأول”.

ويتابع المحلل السياسي واثق الهاشمي أن “السيناريو الرابع هو نفس الثالث، أي شراكة وطنية ولكن يجبر المالكي في نفس سيناريو ٢٠٠٥ الذي استبعد فيه الجعفري بأن يبدل المالكي بشخص من الخطوط الثانية لحزب الدعوة”.

وفيما يتعلق بلعبة الأرقام يطرح أكثر من سيناريو على طاولة المباحثات، فبعد حصول المالكي والكتل الداعمة لتوليه منصب رئيس الحكومة على ١١٥ مقعداً ، تتجه المفاوضات إلى إقناع كتل تؤمن بمرشحيها خمسين مقعداً إضافياً، للذهاب إلى أول جلسة يتم فيها اختيار رئيس الجمهورية، ليكلف الأخير رئيسا للوزراء بمدة لا تتجاوز الشهر، حسب الدستور.

حكومة الأغلبية السياسية

وبشأن مساعي تقريب التفاهمات بين الكتل السياسية، يقول مصدر من داخل التحالف الوطني، أن رئيس التحالف إبراهيم الجعفري، بدأ بالتحرك بغية إقناع المزيد من الكتل لتشكيل حكومة أغلبية سياسية.

وكشف المصدر، في تصريح لـ”ارم”، النقاب عن زيارة مرتقبة في الأيام المقبلة لوفد كردي يمثل الأحزاب الفائزة، من أجل التفاوض والتحاور مع أطراف التحالف الوطني لتشكيل الحكومة.

ويؤكد المصدر إن “التحالف الوطني الشيعي بجميع مكوناته لم يتفق حتى الآن على مرشح رئيس الحكومة”، مرجحًا أن يطرح ائتلاف دولة القانون “بشكل رسمي وعلني لجميع الكتل اسم مرشحه، نوري المالكي”.

لكن المصدر شدد على معارضة كتلة الأحرار وبشدة توجهات دولة القانون، معلنة عن مبادرة لحسم مرشح رئيس الحكومة، تقضي بتقديم جميع الكتل مرشحاً عنها ومن ثم الاتفاق على شخص يكون مرشحاً رسمياً للتحالف الوطني”.

وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، الإثنين الماضي، عن فوز ائتلاف دولة القانون بالمركز الأول بحصوله على 95 مقعدا، وائتلاف الأحرار بـ 34 مقعدا، والمواطن بـ 31 مقعدا في المركزين الثاني والثالث، فيما حل ائتلاف متحدون بالمركز الرابع بـ 23 مقعدا، وائتلاف الوطنية بقيادة اياد علاوي بالمركز الخامس بـ21 مقعدا.

الحكيم يتراجع

في غضون ذلك، وردت تقارير تفيد بتراجع كتلة المواطن التي يتزعمها رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، عمار الحكيم، عن موقفها الرافض لتولي رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، رئاسة الحكومة الجديدة.

وقال النائب عن كتلة المواطن، حسن وهب، في تصريح صحفي إن “كتلة المواطن لا ترفض المالكي في ان يكون رئيسا للوزراء في الحكومة المقبلة، وإنما ترفض تكرار فشل الحكومة الحالية”، مؤكدا أن “المالكي بالأصوت التي حصل عليها في الانتخابات ربما سيكون رئيسا للوزراء في الحكومة المقبلة”.

وأضاف وهب أن “الكردستاني ومتحدون يرفضون أن تكون هناك حكومة أغلبية سياسية ويفضلون حكومة الشراكة الوطنية”، مبينا أن “الحكومة المقبلة من الصعب تشكيلها وربما لا تكون خلال الفترة المقبلة، بسبب الخلافات المستمرة بين الكتل السياسية وبين إقليم كردستان وبغداد”.

وأشار النائب عن ائتلاف عمار الحكيم إلى أن “هناك مباحثات مستمرة في التحالف الوطني لاختيار الشخصيات المهمة وبعدها يتم تشكيل الحكومة”.

بدوره، نفى القيادي في ائتلاف الحكيم، ونائب رئيس الجمهورية السابق عادل عبد المهدي، أنباء أشارت إلى تشكيل جبهة مناهضة لمساعي رئيس الوزراء نوري المالكي لشغل المنصب لولاية ثالثة.

وقال عبد المهدي في بيان ورد لـ”إرم” إن وكالة محلية نشرت خبرا عن النائب الكردي حميد بافي، مفاده أن اجتماعا عقد في أربيل ضم رئيس الإقليم مسعود بارزاني ورئيس ائتلاف الوطنية أياد علاوي والقيادي في المجلس الاعلى الإسلامي عادل عبد المهدي، لتشكيل جبهة مناهضة لرئيس الوزراء نوري المالكي ومنعه من الوصول إلى الولاية الثالثة.

وشدد عبد المهدي على أن الخبر عار عن الصحة وانه ينفي حصول مثل هذا اللقاء في أربيل او غير أربيل.

الكفلة متعادلة بين الرافضين للمالكي والمؤيدين له

وفي سياق متصل، تقول كتلة النجيفي الرافضة لتسلم المالكي رئاسة الحكومة، أن الكفة الآن متعادلة ما بين الرافضين لتولي المالكي ولاية أخرى، والداعمين له، وهذا يعني ان نتائج المفاوضات التي بدأت فعلياً، هي الكفيلة بتسمية رئيس الوزراء.

ويقول عضو كتلة متحدون أحمد المساري لـ”ارم”، “بالنسبة لنا لن نؤيد تولي المالكي رئاسة الحكومة ولدينا بعض التفاهمات مع قائمة اياد علاوي وعمار الحكيم وكتلة التيار الصدري”.

وبشأن ما إذا كانت هذه التفاهمات ضد تولي المالكي الحكومة ستصمد، أجاب المساري “نحن لن نغير موقفنا وحتى الآن ما حصلنا عليه من إشارات تؤكد رفض القوى الشيعية والكردية لتولي المالكي رئاسة الوزراء”.

مساومة على تقاسم المغانم

بدورها، قالت عضو ائتلاف دولة القانون، عالية نصيف في حديث لـ”ارم”، إن المالكي بإستطاعته تشكيل حكومة الأغلبية السياسية وأن الرافضين له يساومون على مسألة تقاسم السلطة وتوزيع المناصب الحكومية.

وأضافت نصيف أن كتلا سياسية تبادر بالاتصال وتطلب ضمها لكتلة الأغلبية مع دولة القانون، مشيرة إلى أن الكثير من نواب القوائم الأخرى اتصلوا وأبدوا استعدادهم للالتحاق الفردي بائتلاف دولة القانون.

من جانبها، قللت النائب ندى السوداني (ائتلاف دولة القانون) من شأن اللقاءات التي تجري بين الكتل والائتلافات السياسية، مؤكدة أن من السابق لأوانه الحديث عن شكل الحكومة المقبلة، ولفتت الى أنه من الممكن عدم التحالف مع المجلس الأعلى والتيار الصدري.

الأكراد: “بيضة القبان”

ومن شمال العراق حيث يتموضع الأكراد الذين مثلوا في الفترة السابقة بيضة القبان، يرى عضو في التحالف الكردستاني “ان الكتل الفائزة ستعود لخرق التوقيتات الدستورية الخاصة بتشكيل الحكومة واختيار رئيس الجمهورية”، منوهاً بأن “هذه المدد دائما تكون مثار جدل واسع، فجميع الحكومات السابقة لم تشكل إلا بعد مرور أشهر عدة، وكان آخرها تشكيل حكومة المالكي في ولايته الثانية التي كلفت مجلس النواب تسعة اشهر”.

من جانبه، أكد القيادي في التحالف الكردستاني محمود عثمان، أن “القوى الكردية الفائزة بالانتخابات ستكون قريبة من التحالف مع من ينسجم مع مطالبها المشروعة في عملية تشكيل ائتلافات داخل البرلمان لتسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة”.

وقال عثمان لـ”إرم”، إن “التحالفات السابقة ستكون هي اللاعب الأساسي في عملية تسمية رئيس الوزراء المقبل ورئاسة الجمهورية والبرلمان”، لافتا الى أن “تشكيل الحكومة ستسبقها تفاهمات بين القوى السياسية ممن فاز بالانتخابات البرلمانية من اجل وضع الأسس لمجلس وزراء توافقي يضم ممثلين عن جميع تلك الكتل”.

وأشار عثمان الى أن “الحكومة الجديدة لن تستغرق كثيرا كسابقاتها وقد تتشكل في غضون الأشهر القليلة المقبلة”.

ويتطلب تشكيل الحكومة وتنصيب رئيس الوزراء، أن تحصل الكتلة أو الائتلاف الذي يرغب في ذلك، على تأييد 165 عضواً في البرلمان المقبل من أصل 328 عضواً، لتضمن منح مرشحها لرئاسة الوزراء الثقة، والمضي بإجراءات تشكيل الحكومة.

المالكي متمسك بولاية ثالثة

الانتقادات التي وُجّهت إلى المالكي عديدة وساحقة: الاستيلاء على السلطة، والتعصب الأعمى، والفشل في إيقاف دوامة العنف، وعدم القدرة على استعادة مدينة الفلوجة (60 كم عن بغداد) من سيطرة المتمردين السنة، والفساد المستشري في إدارته.

وفي تحليل حول سعي المالكي لبناء تحالف من أجل الحصول على أغلبية، تقول صحيفة لبيراسيون الفرنسية “تعتبر النتائج انتصارًا شخصيًا لرئيس الوزراء (الشيعي ) المنتهية ولايته، نوري المالكي الذي يبحث عن ولاية ثالثة. فبحصوله على 95 مقعدًا ، فهو يتقدم بكثير على خصومه في القوائم الأخرى، الشيعية والسنية والكردية. ولكن هذا لا يعني فوزه النهائي في المعركة: فالبرلمان يتشكل من 328 مقعدًا، ولذلك عليه أن يشكل منذ الآن حكومة ائتلاف مع بعض الأحزاب المهزومة. وهذه مهمة شاقة جدًا. لأن “المشكلة الحقيقية، كما يراها أحد خصومه السياسيين، والعضو في البرلمان، أمير الكناني، من تيار مقتدى الصدر، هو بناء تحالف. ولتحقيق هذا التحالف لا بد من معجزة”. لذلك يتوقع العراقيون أشهرا من المساومات الشاقة في أكثر الأوقات مأساوية، مع تسلل المتمردين إلى ضواحي الشمالية من بغداد.

وتضيف الصحيفة “ومع ذلك، فهذا التهديد الأمني يفسر جزئيًا شعبية المالكي، الذي يرى الناس فيه رجلا قويا، حتى وإن لم يطلق بعدُ يد الجيش لاستعادة الفلوجة ومحافظة الأنبار المضطربة.

“لولا المالكي لحدثت فوضى عارمة قد تدوم عشرات السنين”، يقول إحسان الشمري، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بغداد.

“صحيح أنه لا تزال هناك سيارات مفخخة، ومدن مضطربة مثل الفلوجة وجزء من الرمادي التي ما زال جزء منها بين أيدي المتمردين، ولكن شتان بين الآن وسنوات 2006 و2007″، يقول العضو في مجلس النواب العراقي عن الحزب المسحي الآشوري، يونادم كنّا.

وترى الصحيفة أنه “إذا كان من الصعب جدًا بناء تحالف، فذاك في المقام الأول لأن العراق منقسم إلى ثلاثة أقسام: الشيعة والسنة والأكراد. ولذا يتعيّن على رئيس الوزراء أن يسعى للحصول على حلفاء في هذه الطوائف الثلاث.

“علينا ألا ننسى العوامل الخارجية، يقول أمير الكناني، النائب الصدري في البرلمان. ما من رئيس وزراء لم يتلق تأييدًا من إيران أو من الولايات المتحدة. وبعد ذلك، عليه أن يقنع السنة، أي السعودية ودول الخليج، التي لها تأثير كبير عليهم”. وأخيرًا هناك الأكراد الذين لديهم وزنهم في تشكيل الائتلاف.

وهنا يؤكد الكناني “فإذا قال الأكراد بوضوح أنهم لا يريدون المالكي، فساعتها لن ننضم إليه. يربطنا بالأكراد تاريخ طويل من النضال المشترك، منذ زمن صدام حسين. فخير لنا أن نخسر المالكي من أن نخسر الأكراد”.

وتخلص الصحيفة إلى القول إن “طهران بلا شك سوف تفرض ثقلها وبشكل كبير على نتائج المفاوضات. فقبل الانتخابات، توجه قادة الأحزاب الشيعية، علنًا أو سرًا إلى إيران، بمن فيهم المالكي نفسه. ناهيك عن زيارات منتظمة قام بها مسؤولون إيرانيون إلى بغداد. فبعد مرور ثماني سنوات من الاحتلال الأمريكي، لا تزال هذه الجارة تظهر كمُوجّه رئيسي لرئيس الوزراء. وهي بالتالي الفائز الحقيقي في الانتخابات.

وتبقى جميع الاحتمالات مفتوحة ومطروحة تبعاً لتقاسم المناصب بين القوى السياسية التي تشارك في الحكومة الجديدة، فالجميع يريد أن يكون في السلطة لا في المعارضة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث