الفرار من الموت إلى الموت

اللاجئون السوريون عجزوا قبل أن يصلوا إلى القارة العجوز

الفرار من الموت إلى الموت
المصدر: إرم – (خاص) من آلجي حسين

في الوقت الذي تشير فيه تقارير أممية إلى غرق وموت نسبة لا يُستهان بها من السوريين في بحر إيجة وغيرها من الممرات المائية التي تفصل تركيا واليونان عن أوروبا، يضع السمسار “المهرب” مبلغاً معيناً لقاء إيصال زبائنه بمختلف الطرق والأشكال الغريبة.

بين مَن يهرب إلى القارة العجوز بالسفن ومَن يصلها بالطائرات، ثمة الكثير من القصص تُروى عن حياة لاجئين سوريين يعيشون الأمرّين هناك بعد رحلة أين منها رحلة الموت.

ففي قاع المتوسط، تختبئ الكثير من حكايات السوريين الهاربين من الموت في بلادهم إلى حيث المجهول، تبدأ بجوازات سفر مزورة، وتمر بقوارب متداعية وتسلل خطر، ولا تنتهي عند تحقيق صحفي أجرته صحيفة ديلي تلغراف عن “وجود شبكة متخصصة بتهريب النخبة تمتد من لبنان عبر تركيا إلى وجهات أوروبية، مثل باريس وستوكهولم ولندن”، علماً أن هذه العمليات تكلف مئات آلاف الدولارات.

كونترول الميناء اليوناني

عنتر، شاب كردي كثيراً ما كان يسمع بصعوبة الوصول إلى أوروبا، ولكنه لم يشعر بها إلا حين قرر السفر إليها. ولأن حظه لم يفلح للذهاب بالطائرة لأسباب أهمها “المادية”، فقد قرر المغامرة بطريق آخر “قررت الذهاب بالشاحنات الطويلة المخصصة لنقل البضائع، وكان الاتفاق أن نجلس عند السائق، ولكن الواقع لم يكن هكذا، فقبل أن نصل معبر أدرنة بين تركيا واليونان، طلب منا السائق النزول إلى أسفل السيارة حتى نستطيع تجاوز المعبر”.

يضيف عنتر بكثير من الألم: “جلسنا على الحدائد التي تصل طرفيْ الشاحنة القريبة من الإطارات وتمسكنا جيداً وقلت لرفيقي في رحلني لا تقلق إنها مجرد ربع ساعة من الألم، خمسة كيلومترات فقط كما قال السائق.. انتظرنا أكثر من 21 ساعة، لأن السيارة كانت تسير من مترين إلى خمسة أمتار كل نصف ساعة ونحن على أعصابنا، فعمال النظافة من جهة وموظفو الأمن من جهة أخرى”.

في هذه الدوامة، كان لا بد لعنتر أن يتحمل، ولكنه كثيراً ما حاول الرجوع إلى أسطنبول؛ حيث هرب إليها من سوريا، لكن كيف وهو على أعتاب دخول دولة أخرى، ولكن ما إن “وصلنا إلى الطرف اليوناني حتى عدنا إلى نفس الموضوع لنخرج من مكاننا ونسلم أنفسنا للشرطة اليونانية، فربما لو تعرضنا للإهانة والضرب لكان أفضل من أن نُصاب بالشلل تحت الشاحنة.. لقد مر الوقت وكأنه شهر، وحينها تيقنت من صحة النظرية النسبية لإيزنشتاين”.

لكن لم تنتهِ قصة عنتر بعد، فأمامه حاجز آخر بصعوبة حواجز الأمن السورية، إن لم يكن أصعب كما يقول، وهو “محاولة التخلص من كونترول الميناء اليوناني، فنزلنا مرة أخرى إلى أسفل الشاحنة قبل أن نصل الميناء بحوالي ثلاثة كيلومترات، ثم دخلنا حرم الميناء ببطء، وكنا نرى أقدام رجال الأمن، فبقينا مرة أخرى في مخبئنا السري أكثر من ست ساعات”.

ومن الحوادث الطريفة التي حدثت لعنتر: “أطلق موظفو الميناء عدة كلاب مهمتها الكشف عن أشياء غريبة ومنها المخدرات، اقترب أحد الكلاب من الشاحنة ودخل أسفلها حتى رأيته واقفاً قربي لأتيقن أن كل شيء انتهى، لكن القدرة الإلهية أعمت الكلب عن رؤيتي وشمي”.

بعدها، صعد عنتر الشاحنة الباردة طوال خمسة أيام لم يأكل خلالها إلا القليل من التمر، ولم ينتهِ عذابه فقد انطلقت الشاحنة عبر الأراضي الأوروبية أكثر من 70 كيلومتراً قبل أن يتركه السائق في أرض خالية وقبل أن يصعد المترو ويتجه إلى سويسرا، ليسأله صديقه عن سبب تفتيح لون بشرته وتغيرها، ليجيبه: “طبعاً، لأن كل الشحم على جسم الشاحنة نظفته ببشرتي ويدي وملابسي”.

تعلُّق ملابسه بالشجرة أنقذه

لحكاية الشاب كانيوار علي قصة أشبه بفيلم التايتانيك، إذ توجه قاربه الصغير “البالوني” من تركيا إلى اليونان وهو لا يحمل أكثر من 5 أشخاص قاطعاً نهراً بين تركيا واليونان، ولكن “انفجار السفينة جعلنا نسبح 12 متراً في سفرة تكلفت مبلغ 11 ألف يورو، وغرق معنا 3 أفغانيين، ولولا تعلق ملابسي بالشجرة لما كنت حياً الآن”.

ويضيف كانيوار سرد حكايته: “بعد وصولي إلى الجانب الآخر من النهر، مشيت خمس ساعات لأصل إلى قرية يونانية، ومن أثينا حصلت على تصريح بمغادرة البلاد خلال شهر، وبجواز سفر مزور تعرضت للاعتقال 3 مرات والضرب أيضاً من قبل أمن المطار”.

ووصل كانيوار إلى هولندا حيث يقيم الآن عبر مطار فرعي صغير في إيطاليا حيث إلى هولندا. ولحسن الحظ تحسنت أوضاع السوريين في هولندا مؤخراً كما يقول.

السويد وكثرة الطلب عليها

يعتقد الناشط الحقوقي شيار عيسى أن “السويد من أفضل الدول، إن لم نقل الأفضل على الإطلاق، في مجال التعامل الإنساني والقوانين الناظمة للتعامل مع اللاجئين بشكل عام و السوريين على وجه التحديد”. ويحيل عيسى أسباب تفضيل السويد إلى أنها “تقدم لطالب اللجوء الرعاية الصحية والتعليمية والسكن الملائم ومبلغ مالي، ويتم استقبال اللاجئين الجدد في مراكز استقبال مهيئة بشكل جيد، يبقى فيها اللاجئ من يومين إلى خمسة أيام لفرزه بعدها إلى سكن دائم.

وقد أصدرت وزارة الهجرة السويدية في الفترة الأخيرة قانوناً يقضي بمنح حق الإقامة الدائمة لكل شخص سوري يقدم طلب اللجوء في السويد، وهي بذلك تسجل سابقة في هذا المجال أوروبا”.

وفي الحديث عن تجربة العيش في أوروبا عموماً، والسويد خصوصاً، حيث الدولة الأكثر رغبة للسوريين، يحلل شيار الحالة الاقتصادية والسكانية فيها: “تعيش المدن السويدية حالة من الضغط السكاني تنذر بانفجار وشيك، حيث أدت الهجرة السكانية المتزايدة من الريف إلى المدن إلى تغييرات ديموغرافية مخيفة، فضلاً عن تهديد فعلي للزراعة في الريف، وهذه المشكلة تؤدي إلى إجبار الحكومة السويدية إلى فرز اللاجئين إلى أماكن ريفية بعيدة عن مراكز المدن، ليكون من الصعب على اللاجئ التأقلم مع ذلك الواقع، لأسباب عديدة منها انعدام فرص العمل في تلك المناطق وكذلك عدم وجود خدمات بشكل عام، بالإضافة إلى انغلاق المجتمع السويدي على نفسه اجتماعياً، وانعدام فرص العمل”.

ويورد شيار عيسى مثالاً مهماً: “سائقو الباصات وسيارات الأجرة في السويد هم الأكثر ثقافة بين نظرائهم في العالم، لأن أغلبهم من الأكاديميين المهاجرين من الشرق الأوسط، ممن لا يجدون فرص عمل تناسب اختصاصاتهم”.

ألا توجد إيجابيات للجوء؟

يجيب شيار عيسى: “طبعاً إيجابيات اللجوء إلى السويد كثيرة، ومنها الأمان والديمقراطية واستقلالية الجهاز القضائي الذي ينعم بها المجتمع السويدي، ونظام الضمان الاقتصادي والاجتماعي والصحي، إذ تتكفل الدولة بمصاريف المعيشة في حالة عدم الحصول على فرصة عمل، أو في حال فقدان العمل أو المرض، وكذلك بمجانية التعليم والرعاية الصحية للأطفال والمراهقين ما دون سن 18، حيث يدفع البالغون مبالغ رمزية للعلاج الطبي، فضلاً عن دعم الدولة لمؤسسات حماية ورعاية الأطفال والمرأة عند تعرضهم لانتهاكات، دون نسيان المستوى المتطور للجامعات السويدية، التي تعتمد في مناهجها على أحدث الدراسات و الطرق التعليمية في العالم، وتمكّن اللاجئ الذي يختار الدراسة أن يكتسب خبرات ومهارات عملية متقدمة”.

أرقام كبيرة

ألمانيا هي أكبر دولة تستقبل اللاجئين السوريين مع السويد، حيث استقبلت ألمانيا والسويد نحو ثلثي اللاجئين السوريين القادمين إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وتشير مصادر من وزارة الداخلية الألمانيةإلى أنه قدم أكثر من 19 ألف سوري منذ عام 2011 طلب لجوء إلى ألمانيا، وأنه “في الأشهر التسعة الأولى من عام 2013 وصل عدد السوريين الذين قدموا طلباً للجوء في ألمانيا إلى نحو 7700 لاجئ وبذلك أصبحت سوريا في المرتبة الثانية لعام 2013 من بين الدول التي يقدم مواطنوها طلباً للجوء في ألمانيا: 1- روسيا (13492) 2- سوريا (7846) 3- صربيا (6432) 4- أفغانستان (5532)”.

ومنذ بداية عام 2013، غرق نحو 200 لاجئ في زوارق محملة باللاجئين في طريقها إلى سواحل الدول الأوروبية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث