عامان على رحيل شنوده الثالث.. بابا العرب

عامان على رحيل شنوده الثالث.. بابا العرب
المصدر: القاهرة- (خاص) من إميل أمين

في الخامسة والربع من غروب يوم السبت 17آذار/ مارس 2012، أغمض البابا شنودة الثالث عينيه ورحل إلى عالم الخلود، تاركاً وراءه رصيدا عريضا من الإنجازات الدينية والمواقف الوطنية.

في وقت مفصلي من تاريخ مصر، رحل البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، رحل بعد أكثر من أربعة عقود جلس فيها على عرش الكنيسة المصرية، وفي قلوب الأقباط، بل ولا نغالي إن قلنا في قلوب الكثيرين في العالمين العربي والإسلامي.

البابا شنودة، البطريرك المسيحي الوحيد الذي خطب في المسجد الأموي الشريف بدمشق أمام 20 ألف مصلّ، وقد كانت العظة عن وحدانية الله وعبادته، ولهذا أطلق عليه مفتي لبنان”بابا العرب” لأنه كان يحمل هموم الوطن العربي كله .

صمام أمان بين الحكومة والأقباط

والشاهد إن الحديث عن البابا شنودة أمر في حاجة إلى مؤلفات بذاتها لدراسة البابا ألـ 117 في تاريخ الكنيسة القبطية، لاسيما وانه بالفعل ظاهرة مثيرة للتفكر وطنيا وعروبيا وعالميا .

طوال أربعة عقود جرت في نهر الحياة المصرية القبطية،مياه كثيرة اختلطت في بعض الأحايين بالدماء، دماء الأقباط والتي سالت للمرة الأخيرة في ماسبيرو، تلك الحادثة المؤلمة الشهيرة،غير إن البابا شنودة، كان وعن حق وبشهادة الجميع -مسلمين ومسيحيين- صمام أمان.

كان بحق جسرا وقنطرة بين الحكومة والأقباط ، ولهذا فقد اصطبغت بابويته بمسحة سياسية، وصلت في ذروة اشتعال بعض المواقف إلى سحب الرئيس السادات، قرار التصديق على انتخابه كبابا للكنيسة ومن ثم عزله في خطاب 5 أيلول/ سبتمبر 1981 الشهير.

والمؤكد أيضا أن هذا العزل، ولاحقا قرار الرئيس مبارك في كانون ثاني / يناير 1985 بفك الحصار عن بابا الأقباط وعودته الى ممارسة منصبه ومباشرة مهام البابوية من جديد، أضفى على البابا شنودة ملمحا زعاميا، ووجد فيه الأقباط لزمن طويل خير من يمثلهم سياسيا أمام الدولة، لاسيما وإن الحضور القبطي كان ولا يزال حضورا شكليا في الحكومات المصرية طوال عقود خلت.

“مصر ليست وطنا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا” .. هكذا تكلم البابا شنودة عن مصر التي عرفها أول ما عرفها في جارته المسلمة التي أرضعته طفلا صغيرا، بعد أن فارقت والدته الحياة قبل أن يكمل يومه الأربعين.

البابا شنودة والسادات

هل كانت إسرائيل هي السبب الرئيس وراء قرار السادات تنحية البابا شنودة؟

يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل،. فقبل أن يضحى الرجل بطريركا ، وفي ستينات القرن الماضي، عندما كان يشغل منصب أسقف التعليم في عهد سلفه البابا كيرلس السادس، ألقى الأنبا شنوده محاضرة في نقابة الصحفيين المصريين حول إسرائيل، وهل يهود اليوم هم شعب الله المختار أم لا ؟

و أكد على أن العهد مع الشعب العبراني انتهى، بظهور الأنبياء لاحقا، وأن ما يقولونه اليوم فرية لا مراء .

ومع ذهاب الرئيس السادات إلى القدس ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد، أخذ البابا شنودة موقفا من زيارة الأقباط إلى القدس، إذ رفض أن يدخلها الأقباط منفردين دون إخوانهم المسلمين، وأوقع بالفعل حرومات كنسية حادة وجادة على الذين ذهبوا إلى هناك.

و كانت وجهة نظره أبدا ودوما انه لن يدخل القدس بتأشيرة إسرائيلية، في رفض واضح للاحتلال الجاثم على صدر المدينة المقدسة .

كان موقف البابا شنودة مزعجا للسادات الذي راهن على الأقباط كورقة، من ضمن أوراق التطبيع مع إسرائيل، لكن الراهب المقاتل أفقده هذه الورقة.

عاش البابا شنودة، هادئا متسامحا مثقفا، كانت حياته سرا من الأسرار.. يعشق العزلة والاغتراب … يهوى حياة الجبال والمغارات .. يعيش في الفيافي والمفازات .. يعشق التأمل والتفكير .. سريع الخاطرة يحب الفكاهة والمزاح.

ذهب البابا شنودة بجسده وبقيت روحه خالدة بيننا، وبقي شعره الذي يمثل تأملاته الفكرية العميقة ..بقي شعره ليؤكد أن الشعر باق مهما توارت عن الأعين الأجساد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث