النسور يغرق في البحر الميت

بالوثائق.. مها الخطيب تسقط ورقة التوت الأخيرة عن عورة الحكومة الأردنية

النسور يغرق في البحر الميت
المصدر: عمّان ـ (خاص) من شاكر الجوهري

أصبحت حكومة الدكتور عبد الله النسور تتقلب على صفيح ملتهب استعدادا للرحيل، بعد أن استهلكت صفقة أراضي البحر الميت كل ما أبقته لها سياسة رفع الأسعار من رصيد شعبي لهذه الحكومة.

ومن يتابع تعليقات الأردنيين على صفحات موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” لا بد أن يكون لفت نظره “بوست” مواطن أردني طالب الملك صراحة بأن يخلص الأردنيين من “حكومة الثورة البيضاء”، قبل أن يخلصوا أنفسهم بأنفسهم من هذه الحكومة بثورة حمراء.

الوثائق التي نشرتها مها الخطيب، لم تبق للنسور “ستر مغطى”.. بل إنها أسقطت ورقة التوت عن عورة هذه الحكومة.. مثبتة على الرئيس وعلى حكومته تهمة الفساد من العيار الثقيل.

استقالة الخطيب

كان يمكن لاستقالة الخطيب من رئاسة هيئة مفوضي المناطق التنموية والحرة، بقدر أقل من الصخب والضوضاء لو أو النسور التزم الصمت وامتنع عن التعليق والتعقيب.. عملا بحنكة الفساد الأردنية الأشهر “أذن من طين وأخرى من عجين”.. غير أنه ارتأى أن يجرب مهاراته اللفظية في التصدي للوثائق الدامغة، دون جدوى.

الخطيب تقدمت باستقالتها فور خروجها من اجتماع صاخب لمجلس الوزراء دعيت لحضوره الأحد في محاولة لإفهامها بعدم جدوى الإصرار على عدم الرضوخ لإرادة الفساد الطاغية، طالما أن وزيرا واحدا فقط تحفظ على الضغوط الحكومية، المؤيدة لتمرير صفقة بيع قطعة أرض على شاطئ البحر الميت بثلث قيمتها السوقية، لمحمد السعودي رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب، لكنها ظلت مصرة على موقفها القانوني، وتقدمت باستقالتها قبل أن يتم طردها من قبل الرئيس الذي عينها في هذا المنصب قبل فقط أربعة أشهر.

وأفصحت الخطيب لدى تقديمها استقالتها عن أقل قدر ممكن من المعلومات الشفوية المتصلة بالصفقة. وقالت إن سبب استقالتها هو خلاف مع رئيس الوزراء على بيع قطعة أرض في البحر الميت، أراد الرئيس أن يتم بيعها لرئيس لجنة برلمانية بسعر 75 ألف دينار للدونم الواحد، وأن مساحة القطعة تبلغ 44 دونما، في حين أنه تم تقدير سعر الدونم بـ 250 ألف دينار!.

النسور لم يلتزم الصمت، بل إنه حاول أن “يلبس” السيدة الشريفة المسؤولية عن الصفقة، والزعم أن الحكومة هي التي جمدتها”، وأمام جلسة مجلس النواب الثلاثاء وصف النسور “أي عمل من هذا النوع برديف الخيانة وهو لا يقل عن الخيانة مهما كانت الذرائع”، وقال “طلبوا (الهيئة) 18 ألف دينار ولم يقبل (المستثمر) واستكثر هذا المبلغ، ومرت سنتان وطلبوا منه 50 ألفا ومن ثم طلبوا من المقاول 75 ألف دينار، وجاء يقول قبلت”، وشدد النسور “تابعوا الأوراق إن كان صحيحا وإن لم يكن كذلك فلي حساب عندكم”.

وثائق مذهلة

الخطيب من فورها، فتحت أدراجها، وأفرجت عن وثائق مذهلة.. تؤكد تعرضها لضغوط، تتضمن نبرة شديدة، من قبل رئيس الوزراء ووزير اقتصادي ونائب حالي ومسؤولين آخرين للموافقة على بيع أراض في منطقة البحر الميت التنموية بسعر أقل بكثير من قيمتها الحقيقية، وأكدت الخطيب، بالوثائق، أن “رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور هو من عرض عليها خطيا التفاوض مع المستثمر/ النائب على سعر 75 ألف دينار للدونم، مع إمكانية التقسيط، وذلك بعد أسبوعين من تعيينها في المنصب، وبحسب كتاب صادر عن رئيس الوزراء”.

وأشارت الخطيب إلى أن “تدخل” رئيس الوزراء عبر تحديد سعر الأرض لم يكن مناسبا، ووصفت الكتاب الصادر عن رئيس الوزراء بأنه “خطأ” ولم يكن من المناسب صدوره في ظل وجود آلية واضحة لتقدير أثمان الأراضي في المنطقة، حيث هنالك لجنة مكونة من مندوب عن هيئة المناطق التنموية والحرة، ومندوب عن شركة تطوير البحر الميت، ومندوب عن دائرة الأراضي والمساحة.

وأكدت الخطيب أنها تعرضت لضغوطات من جهات مختلفة، حكومية، من بينهم وزير اقتصادي حالي (حاتم الحلواني وزير الصناعة والتجارة.. شقيقه شريك في المشروع)، يطلب منها الموافقة على بيع الأرض بسعر 75 ألف دينار للدونم، لافتة إلى أن الوزير زارها في مكتبها لهذا الهدف.

وشرحت الخطيب أنه سبق أن عرضت الهيئة على المستثمر النائب بيعه قطعة الأرض في سنة 2008 بسعر 17 ألف دينار للدونم، غير أنه رفض، وفي العام 2009 تم عرض بيع الأرض البالغة مساحتها 44 دونما على نفس المستثمر مقابل 50 ألفا للدونم الواحد لكنه رفض الأمر.. كما رفض في العام 2010 عرضا ثالثا بعد ارتفاع سعر الدونم إلى 250 ألف دينار.. ليأتي في نهاية 2012 يطلب شراء الأرض وفقا لعرض 2010 أي بقيمة 75 ألف للدونم، الأمر الذي رفضته الهيئة.

واسترسلت الخطيب، بالشرح مقدمة وثائق، تؤكد أقوالها، إنه قبل نحو شهر تلقت “الهيئة” كتابا آخر من رئيس الوزراء فيه “نبرة شديدة يطلب من الهيئة إعطاء المستثمر حقه دون مماطلة وفي الحال”، ووصفت الخطيب كتاب رئيس الوزراء بـ”السيئ قانونيا”، سيما أنه “يتخذ موقفا قانونيا، لأنه يعترف ضمنا بأحقية المستثمر (النائب) للأرض، وأن هنالك جهات (تسلب) هذا الحق وأن الهيئة تتعمد مماطلة المستثمر في إعادة حقه له، مشيرة إلى أن الهيئة لا تماطل في اتخاذ الإجراءات إلا إذا كان الشيء غير قانوني”.

وبينت الخطيب أنها قامت بالرد على كتاب رئيس الوزراء بالقول إن “الهيئة لا تماطل وإن موقفها القانوني صحيح”.

الرد الحكومي

وتمثل الرد الحكومي بتحويل القضية إلى لجنة التنمية الاقتصادية في مجلس الوزراء، وعلى إثرها طُلبت إلى اللجنة خلال الأسبوع الماضي، حيث تم شرح القضية، أمام اللجنة التي كان يرأسها وزير الصناعة والتجارة والتموين، بدلا من أمية طوقان وزير المالية الذي لم يكن موجودا، (راج مؤخرا أنه تقدم باستقالته من الحكومة على خلفية خلافات مع وزراء في الفريق الاقتصادي)، إضافة إلى وزير التخطيط والتعاون الدولي، بحضور وزير السياحة، ووزير الطاقة، وخلال النقاش أبدى وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تحفظه على الموافقة على بيع الأرض بسعر 75 ألف دينار، وتم تسجيل تحفظه.

واتخذت اللجنة، وفق الخطيب، قرارا بالتنسيب إلى مجلس الوزراء للموافقة على بيع الأرض رغم إصرار ورفض “الهيئة” بيع الأرض بسعر 75 ألف دينار للدونم.

وقال الخطيب “في يوم الأحد ذهبت إلى مجلس الوزراء، وتمت مناقشة القضية الأولى والانتهاء منها والمتعلقة بتوسعة مناطق البحر الميت التنموية، بعدئذ تم التطرق إلى مناقشة القضية الثانية، ولم يكن هناك مجال للتحفظ من قبل الوزراء، وطُلب مني إعطاء شرح عن القضية، فأعطيت وجهة نظري، ولكن كان عند دولة الرئيس وجهة نظر مغايرة، وكان يطالبني بإيجاد حل للقضية، ويقول لي “أنت حليها”، قلت له “لا حل لدي، ما لدي هو عقد يجب أن نلتزم به”..

وأضافت “عندها أشار رئيس الوزراء إلى “ضرورة عدم تعطيل الاستثمار”، فأجبته إلى أن ما يجري ليس تعطيلا للاستثمار، وهذا عقد إذا أردتم تغييره فغيروه، وإذا لم تعجبكم آلية التقدير فغيروا العقد، ونجعل آلية تقدير الأراضي في منطقة البحر الميت التنموية بيد رئيس الوزراء، أو وزير المالية، أو عند أي كان، لكن ضمن العقد المعمول به حاليا لا يمكن التصرف بغير ما يجب أن نقوم به قانونيا”، قلت رأيي بصراحة، والرئيس لم يكن مسرورا، بعدئذ فُتح باب النقاش بالموضوع بشرط، أن لا يتكلم من يعارض قرار البيع، فيما أتاح فرصة الحديث فقط لمن يؤيد قرار البيع”.

وكشفت الخطيب أنها غادرت مكان الاجتماع المشحون والمتوتر.

وقالت الخطيب “قبل خروجي بلحظات تقدم وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء، الدكتور أحمد زيادات، بمداخلة قانونية، وهو شخص متمرّس بالقانون ومحام، وذلك تفاديا لتسرع الرئيس باتخاذ القرار، لأن الرئيس حينها كان يلخص القضية تمهيدا لاتخاذ قرار بالقضية، وقال زيادات، في مداخلته، أعتقد أننا من الضروري أن نتمهل، لأنه ليس من صلاحيات رئاسة الوزراء اتخاذ مثل هذا القرار، لكن الرئيس لم ينصت لمداخلته”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث