اتاتورك المصري

اتاتورك المصري

تاج الدين عبد الحق

في مفارقة غريبة، يبدو أن تركيا، كانت هي النموذج الذي حاول “الإخوان المسلمون” في مصر الايحاء بأنهم يحاكونه، ويتمثلونه، كما أنها كانت في نفس الوقت، المثال الذي ضربه البعض لتوصيف، أو تبرير الدور المتنامي للمؤسسة العسكرية المصرية، والذي بدأ بصياغة خارطة الطريق السياسية، وتوج بالاستفتاء على الدستور، معتبرين ذلك الدور محاكاة للنموذج الذي لعبه الجيش التركي، قبل قرن من الزمان، عندما قاد عملية التحديث وخلصها من إرث تقليدي، كان يبعدها عن محيط الحداثة الاوروبي، ويفقدها القدرة على الاحتفاظ بعمقها التاريخي وحدودها الجغرافية.

الإخوان عندما وصلوا إلى الحكم في مصر، تطلعوا إلى الإسلام التركي كنموذج يسوقون من خلاله مشروعهم السياسي. وخطابهم الإعلامي. حاولوا الايحاء بأنهم يسعون لاستنساخ نموذج النجاح التركي، لكنهم لم يستنسخوا إلا اسم الحزب الذي انبثق عنهم، وهو حزب الحرية والعدالة الذي ارادوه نسخة مصرية من حزب العدالة والتنمية التركي.

الإخوان في سعيهم ذاك، إعتمدوا الفهلوة المصرية المعروفة، واعتقدوا أن محاكاة الاسم التركي، ستغطي اختلاف التجربة الجوهري، ولذلك تجاهلوا كل النصائح، حتى النصائح التركية منها، ومضوا بعيدا في الاستئثار بالسلطة كما لو أنها كانت وعد الله لهم، وبشارته التي خصهم بها، واعتقدوا تحت تأثير نصر لم يصنعوه لوحدهم، أنهم قادرون على تسويق مشروع الأخونة، “بصنعة لطافة” كما يقول ظرفاء المصريين، وجهارا نهارا، وعلى عينك ياتاجر، دون الالتفات إلى نصح الحلفاء ولا إلى غضب الخصوم، وفاتهم أنهم بصنعة اللطافة تلك كانوا كمن يبيع الماء في حارة السقايين، فالمصريون أذكى من أن تنطلي عليهم الحيلة، إذ سرعان ما أدركوا أن أداء الإخوان في عام، أخرهم سنوات، وأن كل يوم كان يقضيه الإخوان في السلطة، يزيد من معاناتهم المعيشية، ويقربهم من ديكتاتورية دينية، أين منها كل الديكتاتوريات التي عانوا منها طوال تاريخهم.

في 30 يونيو تبدل الموقف، بعد أن دخل الجيش على الخط، لا كمراقب بل كلاعب، وضابط إيقاع للحركة السياسية كلها. هذا الدور نظر إليه البعض كالدور الذي لعبه الزعيم التركي كمال اتاتورك، الذي هاله فساد الطبقة السياسية التركية بعد الحرب العالمية الأولى، فبدأ سلسلة من الخطوات الإصلاحية، التي كان من أبرزها إعلان علمانية الدولة، وإنهاء الخلافة الإسلامية التي كانت قد أصبحت في ذلك الوقت خلافة شكلية، وضعيفة، خاصة بعد تنامي الحركات القومية في الأقاليم التي كانت تخضع للدولة العثمانية.

وجه الشبة بين الدور الذي لعبه أتاتورك قبل ما يقرب من قرن من الزمان وبين الدور الذي لعبه الجيش المصري لترشيد الحياة السياسية المصرية حاليا، هو نجاحه في رعاية جهد سياسي دؤوب، لإنجاز دستور يبعد الدين عن المسرح السياسي، ويمنع الاستئثار به من قبل جماعة أو فئة، كجماعة الإخوان، التي حاولت حصر الدين في إطار رؤية سياسية خاصة استبعدت منها الجميع، حتى القوى الإسلامية المنافسة أو المعتدلة.

المؤشرات حتى الآن تبدو مبشرة، فالسيسي المرشح الأوفر حظا في سباق الرئاسة المقبل، رغم خلفيته العسكرية، لا ينتقل من قيادة الجيش إلى رئاسة الدولة، على ظهر دبابة ، بل في إطار الدستور الذي تم التوافق بشأنه، والاستفتاء عليه. وهذا يعني أن السيسي، لن يكون فوق الدستور، بقدر ما سيكون حارسا له، ساهرا على تطبيقه . فهذا الدستور ليس من صنعه، كما كان الحال في التجارب العسكرية السابقة، التي كانت رئاسة الدولة تنتقل فيها، للجيش وفق إجراءات دستورية شكلية، مشكوك في نزاهتها، ومطعون في شعبيتها.

الانتخابات المقبلة قد تحمل عسكريا جديدا للسلطة، لكنه لن يكون كالعسكر السابقين، فالنجاح هذه المرة هو نجاح لتطبيق دستور يحظى بشعبية أكبر من شعبية الأشخاص ورسوخ أقوى من رسوخ السلطة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث