نطاق الصراع مع التشدد يتسع في مصر

نطاق الصراع مع التشدد يتسع في مصر

القاهرة- إن كانت هناك بقايا أمل في أن تخفف مؤسسة الدولة في مصر من حملتها على المعارضة بعد عزل الرئيس الإسلامي المنتخب محمد مرسي، فقد ذهبت أدراج الرياح عقب التفجير الانتحاري الذي استهدف مديرية أمن الدقهلية الثلاثاء وأوقع 16 قتيلا ونحو 140 مصابا.

مصر اليوم تستقبل عاما جديدا بانقسامات أعمق ودماء أغزر مما شهدته في أي مرحلة خلال تاريخها الحديث. ومع كل تفجير وكل اعتقال تزداد ضآلة الديموقراطية المأمولة.

وتقول الحكومة المدعومة من الجيش إنها ستعيد البلاد إلى طريق الديموقراطية وتشير إلى أن الدولة تغلبت على المتشددين الإسلاميين حين أطلقوا موجة هجمات دامية في التسعينات. غير أن الساحة تعج هذه المرة بسلاح أكثر عددا وأيديولوجيات أشد تطرفا إضافة إلى تجربة ديموقراطية مريرة مما يدفع كل طرف للتشدد في موقفه.

كان تفجير مديرية أمن الدقهلية هو الأشرس بين موجة الهجمات التي تلت عمليات المتشددين في التسعينات. كما أن أسلوب استهداف قوات الأمن بتفجيرات انتحارية هو أقرب للعراق أو سوريا منه إلى مصر التي كانت رغم ما شهدته من موجات تشدد من الدول العربية الكبرى القليلة التي لم تذق مرارة الحرب الأهلية في عصرها الحديث.

وأعلنت جماعة أنصار بيت المقدس ومقرها شبه جزيرة سيناء مسؤوليتها عن تفجير الدقهلية بعد أن صعدت هجماتها على أهداف حكومية في الأشهر الأخيرة ونفذت محاولة لاغتيال وزير الداخلية في أيلول / سبتمبر.

وبعد تفجير الثلاثاء الماضي هاجمت حشود متاجر ومنازل وعربات أناس يعتقد أنهم من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي لها الرئيس المعزول.

وقال محمد هيكل وهو أحد نشطاء جماعة الإخوان في مدينة المنصورة التي شهدت تفجير الثلاثاء “بعد تشييع جنازة الشهداء حطم أناس غاضبون صيدليتي ومحل أخي… لا علاقة لنا بما حدث.” ووصف التفجير بأنه هجوم إرهابي.

والخميس قال متحدث باسم وزارة الداخلية لرويترز إن أربعة أشخاص أصيبوا في انفجار قنبلة قرب حافلة في القاهرة وإنه تم إبطال مفعول قنبلة أخرى. وأظهرت لقطات بثها التلفزيون المصري نوافذ الحافلة وقد تهشمت.

بات الحديث عن المصالحة ضربا من الأوهام في ظل تأييد شعبي ضخم لدعوات الحكومة لاقتلاع جذور الإخوان. ولا يرى محللون فرصا كثيرة إن كانت هناك فرص أصلا لاتفاق سياسي يشيع الاستقرار في بلد تتقاذفه الاضطرابات منذ تنحي حسني مبارك تحت ضغط شعبي قوي في 2011.

وعلامات التصعيد كثيرة. فقد أحيل مرسي وقيادات أخرى بارزة في جماعة الإخوان للمحاكمة باتهامات يمكن أن تصل عقوبتها للإعدام. فهم متهمون بالتخابر مع جهات أجنبية لتنفيذ مخطط إرهابي يستهدف مصر.

وأعلنت حكومة رئيس الوزراء حازم الببلاوي رسميا الأربعاء جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية متهمة إياها بأنها وراء هجوم الدقهلية.

من ناحية أخرى، يشير تكرار الهجمات إلى أن المتشددين يتوغلون في مركز الحركة الإسلامية مما يقلص الآمال في التوصل لمصالحة مع المعتدلين فيها ويقوي شوكة الصقور بالحكومة.

ومما قد يترتب على هذا زيادة فرص الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة لأن يتولى رئاسة البلاد.

ولم يعلن بعد القائد العسكري الذي عزل مرسي بعد احتجاجات شعبية حاشدة على حكمه ما إن كان سيرشح نفسه للرئاسة أم لا. ورغم أن فوز السيسي بالرئاسة يكاد يكون في حكم المؤكد إن هو قرر الترشح، وذكر مصدر عسكري أنه متردد في اتخاذ هذا القرار لأسباب منها جبل المشاكل الذي سيقع على عاتق الرئيس القادم.

لكن المحللين يقولون إن تصاعد وتيرة العنف يقلل من ثقة السيسي ومن حوله بأحد غيره في سدة الحكم.

وقال مايكل وحيد حنا الخبير في مؤسسة “ذا سينشري فاونديشن” للأبحاث في نيويورك “كلما تأزم الموقف تضاءلت قدرة أي مرشح مدني على الإمساك بزمام الأمور… هذا التدهور سيزيد الضغوط على السيسي للترشح.”

أكبر عدد قتلى بين الجنود منذ حرب 73

رفعت الحشود التي تجمعت خارج مديرية أمن الدقهلية بعد هجوم الثلاثاء صورة السيسي. ومصر لم تكن على مدى عقود بمعزل عن العنف حتى أن الرئيس أنور السادات اغتيل في احتفال عسكري عام 1981 وضربت هجمات على مواقع سياحية في التسعينات الاقتصاد المصري بقوة.. لكن دائرة العنف بلغت الآن مستوى غير مسبوق.

والتقديرات المتحفظة لأعداد القتلى منذ عزل مرسي تشير إلى سقوط ما يزيد عن 1500 قتيل معظمهم من مؤيديه. كما سقط ما لا يقل عن 350 قتيلا من أفراد الأمن في تفجيرات وإطلاق رصاص.

وعانى الجيش أكبر خسائره البشرية منذ حرب عام 1973 وسقط معظم قتلاه في سيناء حيث يتمركز أشد الإسلاميين تسليحا.

وأعاد المشهد إلى الأذهان ما حدث في الجزائر التي انزلقت عام 1991 في صراع امتد عشر سنوات بعد أن أجهز الجيش على تجربة ديموقراطية وليدة كاد الإسلاميون أن ينتصروا فيها.

لكن البعض لا يقر هذا التشبيه ويرى أن إخفاق المتشددين في مصر من قبل سيثنيهم عن السير في نفس الدرب.

غير أن المخاطر تزداد مع اتساع دائرة الهجمات لخارج شبه جزيرة سيناء وبخاصة مع تهريب كميات كبيرة من السلاح من ليبيا بعد سقوط معمر القذافي 2011 في حرب وضع فيها المعارضون لحكمه أيديهم على مخازن السلاح.

وقال مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: “هذا الحدث بالذات يظهر أن الجماعة التي عملت بالمنصورة منظمة جيدا ومجهزة جيدا وقادرة.”

وأضاف كامل “هذا يشير إلى صعوبة الوصول لأي نوع من التسوية بين الحكومة والجماعات الإسلامية.”

الحريات في خطر

لا يفتأ الإخوان في ترديد دعوتهم للمقاومة السلمية وينفون تحولهم إلى العنف. والتي تشجع حملة احتجاجات بالجامعات يشتبك فيها أنصارها عادة مع قوات الشرطة.

لكن مع فشل هذه الاستراتيجية في ترك الأثر المرجو يلوح خطر أن يتمكن التيار الراديكالي من مؤيديها مما يهدد الجماعة نفسها.

ويعتقد المحللون أن المؤسسة الأمنية تتحكم بقوة الآن في مسار الحكومة وباتت تملك من جديد هيمنة سياسية انحسرت بقوة بعد ثورة 25 يناير كانون الثاني 2011. ويرى نشطاء أن الحريات التي كانت من مكتسبات هذه الثورة في خطر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث