علاقة روسيا بحماس..توازن المصالح

علاقة روسيا بحماس..توازن المصالح

القاهرة – على الرغم من أن روسيا قد استضافت في الماضي مسؤولين من حماس، إلا أن المكالمة الهاتفية التي جرت كانت أول محادثة رفيعة المستوى منذ شهور، فمنذ أيام قليلة جرى تواصل هاتفي بين سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، وإسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة حماس بغزة، حيث دعى لافروف إلى رفع حصار غزة وتخفيف الوضع الإنساني الصعب.

حماس. جماعة إسلامية ملتزمة بخيار المقاومة ضد إسرائيل، وتجنبت إلى حد كبير من قبل المجتمع الدولي بعد أن سيطرت على قطاع غزة عام 2007 من قوات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفشلت المحاولات المتكررة لتحقيق المصالحة بين الحكومتين.

كانت بالتأكيد مفاجأة أمام وسائل الإعلام الإسرائيلية عندما أعلنت سلطات حماس في قطاع غزة تعيين “إسراء المدلل” أول امرأة في منصب متحدث اللغة الإنجليزية الجديد للحركة، بهدف تحسين صورة حماس في الغرب، ولكن يظل مفتاح إعادة التأهيل تكمن في الواقع مع روسيا التي تتمتع بعلاقات جيدة مع الحركة الفلسطينية

تعتبر المرأة داخل الحركة المسلحة من الذين يتحملون التدريبات العسكرية وحمل السلاح، وأصبح “نساء حماس” مصطلحاً شاملاً وشرفاً لأي امرأة تنضم إلى الحركة، كونها تخضع لاختبارات قاسية بخلاف تمتعها ببنية جسدية قوية، كما تعد المرأة الحمساوية جزءاً لا يتجزأ من الكفاح المسلح ضد إسرائيل، حيث شاركت النساء مع حماس مباشرة طوال الانتفاضة الثانية، والهجوم على أهداف إسرائيلية أو مساعدة الفدائيين لشن هجماتهم ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن مشاركتهن بشكل غير مباشر كمعلمات ومربيات لتربية النشء على الشهادة.

إبراهيم الدراوي مدير مركز القاهرة للدراسات الفلسطينية قال: إن تعيين امرأة تبلغ من العمر 23 عاماً كمتحدثة باللغة الإنجليزية باسم حركة حماس يعتبر نقلة هامة في تاريخ الحركة، خاصةً وأن المدلل تنحدر من أسرة معروفة بغزة، وعاشت في إنكلترا لعدة سنوات، وتخرجت من جامعة برادفورد، ووظيفتها أن تظهر للعالم الوجه الحقيقي لغزة وليس حماس، والعمل على تغيير الخطاب الإعلامي، كون الغرب لا يفهم الخطاب الديني، كما يعد تعيين المدلل لفتة تهدف إلى تغيير نظرة الغرب لحماس باعتبارها منظمة إرهابية، مؤكداً أن حركة حماس تقوم بسلسلة من التحولات على مدى السنوات القليلة الماضية، بعد أن انتقلت إلى الحزب الحاكم الذي يريد البقاء على قيد الحياة، في حين كان عليه مؤخراً التعامل مع سقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والعداء الشديد للنظام المصري الجديد وتشديد الحصار على قطاع غزة بعد تزايد العنف والتفجيرات في سيناء ضد قوات الجيش المصري، ورغم أن حماس تستمع بشدة لنصائح روسيا كونها الصديق الدولي الأقرب لها، إلا أنه من الصعب التدخل لإزالة حماس من القائمة السوداء الأمريكية للمنظمات الإرهابية، حيث فشلت موسكو في جميع الاجتماعات السرية للعمل على هذا الهدف مع ممثلي الاتحاد الأوروبي، على أمل أنها الخطوة الأولى للاعتراف بحماس كحكومة شرعية في القطاع، لافتاً إلى أن حماس تشعر حالياً بخيبة أمل كبيرة من قبل قطر، بعد مجيء الأمير الجديد تميم بن حمد بن خليفة الذي لم يحرك ساكناً لخروج الحركة من عزلتها إلا ببضعة أموال، حتى أن تجديد العلاقات مع إيران لم تنجح بسبب المواقف المختلفة حول سوريا، بجانب رفض النظام السياسي المؤقت المصري عودة الوئام مع الحركة بعد دعمها المسلح للإخوان المسلمين واستهدافها قوات الجيش، ولذلك لم يعد أمام الحركة سوى أن تستمر إسرائيل في توفير المواد الغذائية والمواد الخام على أساس ثابت من خلال نقطة عبور كيرم شالوم، وبالتالي في هذه الأيام، حماس لا تمتلك العديد من الخيارات أو البدائل على الإطلاق، ولم يعد أمامها سوى إعادة كتابة الخطاب الدولي بمعاونة روسيا.

من جانبه أكد أشرف أبو الهول الخبير في الشأن الفلسطيني، أن حماس ستفقد سيطرتها على قطاع غزة في المدى الطويل، حيث فشلت الحركة حتى الآن في وقف الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل، ورغم كل شيء لم يكن هناك أي تحول في الرأي العام العالمي فيما يتعلق بالحركة، التي يتوقع أعضاؤها الحصول على اعتراف وشرعية دولية، لكنها ما زالت بعيدة عن إيجاد تسويات منطقية من شأنها أن نثبت أن الحركة في غزة ليست جماعة إرهابية، ولكنها حزب حاكم يتصرف نيابة عن السكان الفلسطينيين، على سبيل المثال ينبغي إقامة اتصالات دبلوماسية مع أصدقاء جدد في أوروبا، مثل فرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى صديقها التقليدي روسيا، بينما في نفس الوقت تستطيع التأثير على الرأي العام في تلك البلدان، نظراً لأنه من دون حملة إعلامية مناسبة لن تستطيع الحركة إخفاء المدافع والرجال الملثمين من كتائب القسام، لافتاً إلى أنه كان تعيين إسراء المدلل جزءاً من هذه الخطة، مما يدل على وجود تغير حقيقي تشهده الحركة في سياساتها، وإعادة تصويب الأخطاء الهائلة على مدى السنوات القليلة الماضية، منذ أن صعدت إلى السلطة، وكل مرة كانت تثبت أنها تقرأ المشهد بطريقة خاطئة، لا سيما وأن أوروبا ليست هي المفتاح الحقيقي لحركة حماس، وفي ظل عدم اقتناع باراك أوباما الرئيس الأمريكي بإزالة الحركة من قائمة المنظمات الإرهابية، يجب على حماس أن توجه انتباهها تجاه الرجل الأكثر نفوذاً في الشرق الأوسط اليوم، وهو فلاديمير بوتين الرئيس الروسي، ففي مارس 2006، مباشرة بعد فوز حماس في الانتخابات، ذهب خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إلى الكرملين، لاعتقاده أن أي اتفاق بين حركته وإسرائيل يمكن أن يأتي عبر موسكو، وفي الوقت الذي تريد فيه روسيا حالياً كسب موضع قدم من النفوذ في الشرق الأوسط، تحاول إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أما د. مصطفى اللباد مدير مركز الشرق للدراسات السياسية فيرى، أن موسكو من أكبر داعمي نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وقادة حماس أداروا ظهورهم على حليفها في دمشق، وبالتالي روسيا لا يمكنها تخليص حماس من هذا المستنقع، بعد أن أدار قادة الحركة ظهورهم إلى موسكو وتركوها بمفردها تدعم وتساند الأسد، وبالتالي فإن الأمر لن ينتهي بمجرد أن يبتسم قادة حماس مجدداً في أوجه قادة موسكو حتى يغفروا لهم خيانتهم، ولو رغبت موسكو في المصالحة فإن الأسد سيقف حائلاً ضد عودة هذه العلاقات مجدداً، إلا بشرط واحد وهو أن تشترك الحركة في الحرب الدائرة داخل سوريا وتدعم قوات النظام وحزب الله للتخلص من المتمردين، مؤكداً أنه ورغم ذلك فإن مجرد استقبال حماس من قبل دولة لا تزال تصنف على أنها قوة عظمى هو إنجاز ضخم، كونها ما زالت مدرجة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بأنها منظمة إرهابية، وبالتالي فإن هذه الزيارات أو حتى المكالمات الهاتفية تعطي بعض التوازن في نضال الحركة من أجل البقاء، بالإضافة إلى أن الحركة حريصة على كسب تأييد روسيا لإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2006، وموسكو ترغب في إزالة العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة على قطاع غزة منذ صعود الحركة إلى السلطة، ولذلك فإن روسيا حريصة على علاقات جيدة مع حماس والوقوف في وجه أمريكا من أجل السلام في الشرق الأوسط.

في حين أشار د. أحمد عبد ربه أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، إلى أن روسيا أكثر من أي بلد آخر، لديها قناعات أن حماس لاعب رئيسي في قضية السلام بين إسرائيل وفلسطين، وبدون جلوسها على الطاولة لن يتحقق أي تقدم على أرض الواقع، ونظراً لأن السياسة الأمريكية والإسرائيلية لم تنجح في القضاء على الحركة، فإن الأمر بات يتطلب المصالحة مع قادة حماس واختيار الأفضل للطرفين من إجل إقرار قيام دولتين، وتابع موسكو تدرك أيضاً أن العديد من القوى الدولية ليست داعمة تماماً لسياسة واشنطن تجاه حماس، لكنهم لا يستطيعون اتخاذ موقف من شأنه أن يضعهم في صراع مع الإدارة الأمريكية، ويبدو أن موسكو تحاول ملء هذا الفراغ وتشجيع هذه البلدان المترددة في قول مواقفهم بطريقة أكثر وضوحاً، مؤكداً أن فلسطين تعتبر منطقة خارج نفوذ الولايات المتحدة، وترى روسيا أن هذه فرصة لاستخدام حماس من أجل مواجهة المحاولات الدولية لتقليل نفوذها في هذه المنطقة، كما لو كانت روسيا تقول للعالم أنها لا تحيد عن موقف المجتمع الدولي، ولكنها لا تقبل أن يكون دمية في يد من أولئك الذين يسعون للسيطرة على كل شيء في الساحة الدولية، ويبدو أن واشنطن تحاول جاهدة منع هذا التقارب بين حماس وموسكو وتهدد بقطع المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية إذا تم تحقيق التقارب، ومع ذلك تحاول موسكو كسر الجمود القسري من قبل الأمريكيين لتحريك ملف المصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومعالجة الانقسام الفلسطيني الذي يفيد الدولة العبرية.

وفي السياق ذاته، أكد د.عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن روسيا تخطط لعقد مؤتمر للسلام يحضره الوسطاء في النزاع المتعلق بالشرق الأوسط، بمشاركة عدد من كبار المسئولين من روسيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وتحاول موسكو جاهدة عدم استبعاد حماس من المشاركة، كونها تعطي الحركة فرصة المواجهة المباشرة مع جميع الأطراف الرافضة لقبولها، وطرح فكرة تخفيف الضغط على حماس والحصول على دعم سياسي دولي في عملية السلام لإقرار الدولتين، موضحاً أن روسيا تدعم تسوية عادلة وشاملة للصراع العربي الإسرائيلي، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة قابلة للحياة تكون القدس الشرقية عاصمة لها، والأهم من ذلك أن موسكو تريد استكمال المفاوضات وفق ما تم التوصل إليه من الجانبين في الجولات السابقة، وترفض دعم استئناف المفاوضات من نقطة الصفر كما تطالب إسرائيل وتدعمها أمريكا، فضلاً عن أن الدولة العبرية لا تريد من روسيا أن تعتبر حماس ورقة رابحة في التنافس مع أمريكا، ولذلك قد يكون من المفيد أن تستثمر نتائج إيجابية في علاقة حماس مع روسيا لرفع الحصار عن غزة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث