الصحن الذي قتل ياسر عرفات

الصحن الذي قتل ياسر عرفات
المصدر: إرم - خاص

قالت سهى عرفات أرملة الزعيم الراحل أبو عمار في حوار تلفزيوني أجراه وائل الابراشي على قناة دريم المصرية إن السم وضع للرئيس الراحل أبو عمار في صحن شوربة.

وأضافت سهى عرفات أن ابراهيم أبو النجا كان حاضرا وقت تناول أبو عمار للشوربة المسمومة وكشف عن تلك الحادثة.

وأوضحت سهى أنه حسب رواية أبو النجا: “قدمت الشوربة للرئيس الراحل أبو عمار ولكل الحاضرين على مأدبة الطعام وما إن تناول أبو عمار ملعقة واحدة وبلع الشوربة في جوفه حتى انتفض وكأنه أصيب بصعقة كهربائية.. رمى الملعقة على الطاولة لدقيقتين ثم قام مسرعا إلى الحمام”.

وقالت سهى إن شخصا ما وضع السم لعرفات في الشوربة دون غيره من الحاضرين، وإلا لتسمم الجميع أي أنه شخص قريب جدا من عرفات ولا أعلم شخصية القاتل ولا أعلم هويته.. هل كان مقيما في المقاطعة أم جاء من خارجها واستغل ربما علاقته بأحد الأشخاص المقيمين بها.

وحددت سهى عرفات تاريخ تسميم عرفات بتاريخ هذه الحادثة التي رواها أبو النجا وذلك في 12 تشرين أول/اكتوبر 2004 أي قبل استشهاد أبو عمار بشهر واحد،إلى نص مقال كتبه أبو النجا يشرح فيه ما جرى من تناول عرفات ملعقة الشوربة المسمومة:

كعادتنا قيادات فلسطينية فى كل مساء نثبت وجودنا في حضرة قائدنا ورئيسنا ومن أحبنا وأحب أبناء شعبه؛ لأننا كنا لا نقوى على عتبه إذا أطلنا عنه الغياب وحتى بعذر وجيه.

في تلك الليلة تواجدتُ بعد غياب أسبوع، كنتُ على رأس وفد من وزارة الزراعة، حيث كنت وزيراً آنذاك عائداً من مدينة حلب السورية بعد أن أنهينا زيارتنا لمنظمة “إيكاردا”، وهي منظمة عالمية تختص بالزراعة في المناطق الجافة من العالم، واتخذت من مدينة حلب مقراً لها، حيث الزراعة بأنواعها والمختبرات وإجراء التجارب، وتزويد الدول النامية بالتقاوي والدراسات والخبراء والإشراف على النهوض بالزراعة ، كان قد أُعد لنا برنامج مكثف للإطلاع على مكونات ومحتويات ومنتجات المنظمة كافة، المنظمة تضم أعداداً من الخبراء العالميين في مجال الزراعة والمياه والتربة والمبيدات وكل ما يخطر على بال أي شخص يُعنى بإنتاج الأرض.

لهذه المنظمة العملاقة رئيس ومعه معاونون كُثُر، والرئيس هو الدكتور مصطفى البلتاجي مصري الجنسية لا يمكن أن نفيه حقه مهما قلنا عنه، استقبال متميز، حفاوة غير محدودة، اهتمام يفوق التصور، استعداد تام لتبني أفكارنا ورؤانا وتطلعاتنا الفلسطينية؛ ليصبح منتجنا منتجاً منافساً لأكبر المنتجات الزراعية العالمية.

لقد كان لكل ذلك وقع كبير في نفسي وبدأت أتساءل ما سر ذلك ؟ صحيح أن قضيتنا عادلة وهي القضية المركزية للأمة العربية، وأننا تحت الاحتلال وفي حالة صدام وصراع وإثبات وجود، ونستحق أن يحنو علينا العالم، ولكن للمنظمات الدولية سقف لا تتعداه، دفعني ذلك رغم أنني لست فضولياً إلى الجلوس مع الدكتور مصطفى البلتاجي وأسأله: ألا ترى أن الخبراء الأجانب العاملين في المنظمة قد لا ترون لهم هذه المعاملة المتميزة لنا ؟ قال: بلى ولكن لا تنسى يا معالي الوزير أن رئيسكم صديقي ورفيقي في الدراسة، إنه الزعيم ياسر عرفات، وأمام ذلك فلا أخشى ملامة أو انتقاداً من أحد، وأعرف أنها مسؤولية ولكنني أقوى عليها من أجل صديقي ورفيق شبابي طيلة سنوات دراستي في كلية الهندسة، وأخذ يسألني عنه، ويدعو له بدوام الصحة وطول العمر وحملني تحياته وأشواقه وطلب مني أرقام هواتفه، فأعطيتها له ليصار إلى استرجاعهما لماضيهما الجميل.

ليلة مغادرتنا مدينة حلب أقام لنا الدكتور مصطفى البلتاجي حفل عشاء ووداع حضره الخبراء والمدراء والعاملون كافة من الجنسين، ألقى كلمة في وفدنا وكم كانت مؤثرة، وحمّلنا تحياته لرفيقه ياسر عرفات وتمنياته لشعبنا بالحرية والاستقلال، وتحقيق حقوقنا كافة.

كان عليَّ أن أبادله بكلمة اجترحت من العبارات ومفردات اللغة بحيث لم يستطع أحد أن ينقلها إلى اللغات المتداولة في المنظمة إلا هو شخصياً رغم أن هناك مترجمين متخصصين، حيث صعب عليهم ذلك، أما هو فقال: صحيح إنها لغة خطابة لم أسمعها منذ أمد، ولكنها أعادتني إلى عقود خلت، فشكراً لك معالي الوزير فأنا استرجعت ما كان قد تفلت بحكم السنين الطويلة.

في نهاية الحفل قدم علبة خشبية كبيرة نُقشت بل حُفرت بأيدي حلبية وبطريقة فنية يعجز الفنانون عن وصفها، وقال بداخلها حلوى حلبية أرجو أن تتقبلها مني، وطلب تغليفها بورق مخملي جميل وأحيطت بخيوط ذات ألوان جذابة، وعلق عليها بطاقته الحاملة لاسمه وأرقام هواتفه.

عودة إلى الليلة التي تواجدتُ فيها عند الزعيم الخالد “أبوعمار” وقد حملت العلبة الخشبية معي، دخلتُ وسلمتُ عليه وهنأني بالسلامة حيث كنت قد استأذنته في السفر وقال ما بيدك؟ فأجبته: إنها هدية من صديقك وزميل ورفيق كليتك الدكتور مصطفى البلتاجي.

ارتسمت السعادة كلها على محياه، وبدأ يمطرني بسيل من الأسئلة عن رفيقه، فحكيتُ له الحكاية كلها، وقلت هذه بطاقته كتب عليها، ترسل له رسالة شكر وتقدير.

جاء وقت العشاء فطلب من الحاضرين كافةً وهم أعضاء في اللجنة المركزية والمجلس الثوري والتشريعي ووزراء حتى امتلأت غرفته بالطعام، وهي في الوقت ذاته مكتبه ومكان استقباله لضيوفه.

أجلسني بجانبه وبدأ الجميع بتناول العشاء المكوّن من خبز وقطع من الجبن والحلوى وقليل من الفواكه، وأخذ كعادته يوزع بنفسه على الحاضرين قليلاً من معجون أسود على قطعة صغيرة من الخبز، أما هو فوضع في فمه ملعقة من الشوربة، وما إن دخلت إلى معدته أعادها، وكأنها جسم غريب طردها جسمه فوضع يده على فمه مع إطلاقة صوت يوشي بأن هناك شيئاً.

أصبنا جميعاً بوجوم وذهول وتوقفنا عن الأكل وأنظارنا كلها صوبت باتجاهه، قلت له: سيدي الرئيس أخشى أن يكون شيء من البرد قد ألم بك، سيما وكنت تجلس في الطابق الأعلى والشباك كان مفتوحاً وشهر تشرين في رام الله بارد، قال: معك حق أنا شعرت بالقشعريرة عندما كنت هناك وفتح قميصه، وقال: أنا لباسي خفيف، حيث لم يكن تحت القميص سوى غلالة قطنية خفيفة.

طلب أن يرفع الطعام من أمامه، وطلبنا منه أن يخلد إلى الراحة ولكن علامات الإعياء ظهرت بأسرع من البرق على وجهه حيث الشحوب والإصفرار، ولم تغادر يده معدته.

غادرنا جميعاً متخوفين متحسبين وغير معتادين من هذا الجبل الذي تحمل ما لا يطيقه كائن على ظهر البسيطة، ولكن لن نذهب بعيداً، جميعنا قال: إنها وعكة برد لا أكثر من ذلك.

صباح اليوم التالي غادرتُ إلى غزة بعد أن مررت على الوزارة في رام الله، وصلتُ مساءً في الليل، اتصل بي الأخ الدكتور رمزي الخوري مدير مكتبه، وسألني أين أنت، قلتُ: وصلت إلى غزة لأداوم صباحاً بمقر الوزارة وأطلع على شؤونها، قال الأخ أبو عمار سأل عنك يرجو حضورك صباحاُ، غادرت صباحاً وتوجهت فوراً إلى مكتبه، سلمت عليه وسألته عن صحته، قال استدعوا لي الأطباء أرجو أن تبقى في رام الله بين الوزارة ومكتبي ولا داعي للسفر الى غزة، أجبته أسأل الله لكَ الشفاء يا ختيار ولا تقلق فأنت بخير وسأكون بجانبك إن شاء الله، بقيت عنده حتى دخل عليه مجموعة من الأطباء فغادرت، ولكنني وآخرون كنا نجلس خارج المكان الذي يعاين فيه الأطباء الأخ الرئيس.

حلَ شهر رمضان، أرسل ليَ مع الأخ روحي فتوح بأن أتناول معه إفطار ذلك اليوم، وسأله من مع الأخ أبو وائل قال: اللواء فخري شقورة، فأخبره أنكم ضيوفي وسنتناول الإفطار معا، وكان صائماً رغم أن الأطباء تمنوا عليه أن يفطر من أجل أخذ الدواء في مواعيده.

قبل آذان المغرب تواجدنا عنده ثلاثتنا، وأحضر القائمون على إعداد طعامه طعام الإفطار حيث حان موعده، تناولنا حبات التمر أما هو فلم يتناول شيئاً، تمنيت عليه أن يأخذ ولو ملعقة صغيرة من اللبن الذي أمامه فتناول ملعقة صغيرة ولكنه لم يبلعها.

توقفنا عن الطعام فشعر أننا تأثرنا فألح علينا أن نكمل إفطارنا، واستأذننا وغادر ليصلي في غرفة نومه، أما نحن فقمنا إلى الغرفة المجاورة وصلينا المغرب، وما إن انتهينا حتى عاد ووجدنا لم نتناول شيئاً، فوجدنا حيث كنا نصلي، قال: أنتم ضيوفي لماذا لم تفطروا قلنا له: سيدي الرئيس أفطرنا والحمدلله، وأراد أن يجلس معنا، فطلبنا منه بإلحاح أن يعود إلى غرفته وقمنا وأخذنا بيديه وقلنا: نحن لسنا ضيوفاً، نسأل الله لك العافية يا والدنا.

بدأنا نتلمس من الأطباء بعض المعلومات التي تبعث الطمأنينة في نفوسنا، خاصة بعد أن استشعرت أن العد التنازلي قد بدأ ساعة أن طلب من الدكتور رمزي أن أحضر عنده وهي الليلة التي غادرته فيها المرة الأولى.

رغم تكتم الأطباء إلا أنني كنت عندما يغادره الأطباء أدخل عليه فلا أرى إلا ما يزيدني ألماً وحزناً وحسرة حتى صبيحة يوم نقله إلى فرنسا.

كنت أمامه ودموعي لم أسيطر عليها، نظر إليَ ومدَ يده وقبلته وسلمت عليه وكانت لحظة الفراق الأبدي.

عدتُ بعد أن أوصلناه إلى الطائرة وهو يرسل لنا ولمودعيه قبلاته، وكأنه يعرف أنها قبلات الوداع وهي كذلك.

وكم كانت قاسية الدقائق والساعات والأيام التي حالت دون رؤيتنا له حتى عاد إلينا محمولاً في طائرة، ليوارى في فلسطين التي أحب، ولكننا عاهدناه أن يوارى في القدس بعد تحريرها إن شاء الله، حيث ولد ومن أجلها استشهد.

تسع سنوات والألم يعتصر قلوبنا جميعاً، يعيش بيننا وفي تفاصيل حياتنا، ولم ولن يغيب عن ذاكرتنا لحظة واحدة، واليوم يحرم هذا العملاق العظيم من أن تُحيى ذكرى استشهاده فوق أول قطعة أرض من فلسطين وطأتها قدماه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث