الصوت الثالث يغيب عن مصر

الخوف من"التخوين" يدفع المعتدلين إلى الظل

الصوت الثالث يغيب عن مصر

القاهرة – أصبح الموقف الوسطي لا محل له من الإعراب في مصر؛ فمنذ عزل الجيش الرئيسَ الإسلامي محمد مرسي، صار كل من يرفض دعم أي طرف في الخلاف دعما مطلقا، خائنا في نظر الاثنين.

وأجبرت أساليب الاستقطاب القائمة على فكرة “إما معنا أو علينا” المصريين في المنطقة الرمادية على الاختفاء إلى حد كبير من المشهد السياسي، مما قلل من فرص حدوث مصالحة بين جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي والحكومة المدعومة من الجيش.

ويزيد هذا من خطر إراقة المزيد من الدماء مثلما حدث بعد عزل مرسي في تموز/ يوليو عقب احتجاجات حاشدة مطالبة بتنحيته، فيما يتمسك طرفا الخلاف بمواقفهما في فترة تعد الأكثر اضطرابا في تاريخ مصر الحديث.

وتكشف تجربة اثنين كانا في جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة التي تضم أحزابا ليبرالية ويسارية كيف تتعرض الأصوات الوسطية إلى هجوم لفظي أو حتى جسدي من المعسكر الموالي للجيش أو معسكر الاسلاميين.

كان الأول محمد البرادعي الذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية فترة قصيرة في ظل حكومة انتقالية مدعومة من الجيش لكنه استقال بعدما فضت قوات الأمن اعتصامين لمؤيدي مرسي يوم 14 آب/ أغسطس مما أسفر عن مقتل المئات.

لم يلق موقف البرادعي الذي حظي باحترام واسع النطاق في الخارج لتوليه منصب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية لأكثر من عشر سنوات الكثير من الاستحسان في داخل مصر لاعتراضه على العنف السياسي. ووصف الصحفي المصري مصطفى بكري استقالة البرادعي بأنها “طعنة في ظهر الشعب المصري”.

وكان الصوت الوسطي الثاني هو خالد داود المتحدث السابق باسم جبهة الإنقاذ الوطني الذي تعرض لما هو أسوأ هذه المرة لكن على يد الطرف الآخر.

وعلى الرغم من استقالته من جبهة الانقاذ المدنية لتأييدها للحملة على أنصار مرسي فإن داود تعرض للهجوم من موالين للاسلاميين طعنوه عدة مرات.

وقال داود الذي لم تشف يده اليسرى من الإصابة: “كانت محاولة اغتيال دون شك”.

وكان المهاجم قد طعن داود عدة مرات بعد محاصرته في سيارته أثناء مظاهرة.

وتوارت الأصوات الوسطية في وسائل الإعلام المصرية التي تمجد الجيش وقائده الفريق أول عبد الفتاح السيسي.

ودفع عدم وجود أحزاب سياسية ذات قواعد راسخة تشجع على مناخ سياسي تعددي السياسيين الوسطيين أيضا إلى الخلفية كما يدعم المواطنون الذين يخشون انعدام الاستقرار الجيش في “الحرب على الإرهاب”.

ويرفض داود أن تكون معارضته لفض الاعتصامين في آب/ أغسطس مؤشرا على تعاطفه مع الاسلام السياسي.

وقال: “أنا معارض قوي للإخوان المسلمين، إنهم على طرف النقيض لأفكاري لكنني لا أريد أن أقتلهم”.

وأضاف “لست ضد 14 آب/ أغسطس لأنني أحب الاخوان.. وإنما لأنني أخاف على وطني. عندما يقتل ما بين 400 و500 منهم سيكون لهم أقارب وأصدقاء وأبناء لا يرون حلا سوى الانتقام”.

وقال عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية إن وسائل الاعلام المصرية ضمنت إسكات الأصوات الوسطية.

وأضاف شاهين وهو أستاذ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة “إذا كنت ضد الانقلاب فأنت مع الاخوان. وإذا كنت مع الاخوان فأنت إرهابي. وإذا كنت تؤيد الديمقراطية فإنت طابور خامس. هكذا تحسب الأمور”.

وساطة فاشلة

عندما أطاحت انتفاضة مصرية بالرئيس الأسبق حسني مبارك في 2011 تطلع المصريون إلى عهد من الديمقراطية يجلب الاستقرار السياسي والاقتصادي لأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان.

وخاب أمل الكثيرين في مرسي الذي انتخبوه ليحل محل مبارك. واتهم مرسي باستغلال السلطة وسوء إدارة الاقتصاد واحتج الملايين على حكمه مما دفع الجيش إلى التدخل.

ومنذ ذلك الحين ربط الكثير من المصريين بين الجيش والاستقرار ورفضوا آراء الاخرين.

ويقول الإخوان إن القمع أسوأ مما تعرضوا له أثناء حكم مبارك الذي امتد عقودا وهم يخشون من التعصب.

واستنكر كمال أبو المجد وهو محام حاول بدء جهود وساطة ما وصفه بـ”موجة ترويع” ضد كل من يتخذ موقفا وسطيا في الأزمة التي أضرت كثيرا بالسياحة والاستثمار في مصر.

وقال أبو المجد: “هناك حاجة ماسة للأصوات الوسطية ويجب أن يكونوا شخصيات مستعدة للتضحية.. أسميهم شهداء على قيد الحياة. سيدانون وستوجه إليهم اتهامات من كلا الطرفين لكن يجب ألا يكترثوا على الإطلاق إذا كانوا مخلصين. إنها محاولة لانقاذ البلاد”.

لكن عدم تحقيق تقدم جدي في جهود الوساطة يثبط أيضا من عزيمة القلة التي حاولت إيجاد حل.

وقال أبو المجد إنه التقى باثنين من مسؤولي الإخوان خلال الشهرين الماضيين لإقناعهما بوقف الاحتجاجات التي تطالب بعودة مرسي للحكم. وأضاف “الرسالة واضحة جدا.. عليكم تقديم بعض التنازلات ولا يمكنكم التمسك بأسلوبكم الجامد”.

ووصف أبو المجد رد مسؤولي الإخوان بأنه “لم يكن سيئا” لكن كبار قادة الجماعة -ومعظمهم في السجون الآن- لم يوافقوا على ما يبدو.

واستمرت الاحتجاجات في الشوارع وكثيرا ما تنتهي باشتباكات دامية مع قوات الأمن ومعارضي الإخوان.

وقال أبو المجد الذي لم يجتمع بعد بمسؤولي الجيش إن قوات الأمن يجب أن توقف الاعتقالات التعسفية التي حذر من أنها ستتسبب في عداء “قطاع أكبر من الرأي العام”.

وتقول الحكومة المصرية إنها ملتزمة بالمصالحة وتتهم الإخوان بتقويض جهود حل الأزمة السياسية، فيما تقول الجماعة إن الحوار غير واقعي لأن معظم قادتها في السجون.

وبعد عقود من الركود السياسي في عهد مبارك ظهر على الساحة العديد من الأحزاب المدنية الجديدة لكنها فشلت في أن تمثل قوة قادرة على البقاء في وجه الإخوان الذين هيمنوا على الانتخابات منذ الانتفاضة.

وقال محمد منزة أمين المكتب السياسي لحزب مصر الحرية، وهو حزب ليبرالي برئاسة أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي: “غالبية المصريين لم يعتادوا بعد على تعدد المشهد السياسي”.

وأضاف “هذا النوع من التنوع والتعددية غير مرحب به بين الجماهير. ما لم تكن عندك قناعة بالوعي أو إيمان بأهمية الحوار بشأن الحقوق.. فإنك تتحالف بذلك إما مع الجيش أو مع الاخوان.”

فاشية دينية تقابل فاشية العسكر

وفي سياق متصل يتهم عبد المنعم أبو الفتوح – المرشح الرئاسي السابق الذي يقول إنه كان معارضا لحكم مرسي لكنه أراد تغيير الرئيس عبر انتخابات مبكرة – وسائل الإعلام بتجاهل آرائه المنتقدة للجيش.

وقال: “كانت 20 قناة تلفزيونية تطلب يوميا إجراء مقابلة، والآن لا يأتون وحتى إذا جاءوا فإنهم يلغون المقابلة في اليوم نفسه لذريعة أو أخرى”. وترك أبو الفتوح جماعة الاخوان في 2011 حتى يخوض انتخابات الرئاسة كمستقل وأسس حزب مصر القوية.

وأشار أبو الفتوح إلى الموقف من البرادعي بعد خروجه من مصر وقال: “توجه إلى مساحة من الصمت. ورغم خروجه وصمته رفعت قضية ضده تتهمه بخيانة الأمانة، أختلف معه لكن يجب ألا نغتاله معنويا”.

وقال أبو الفتوح: “إن حملة الجيش ستزيد من تطرف الإسلاميين.

وأضاف “إذا قلنا إنهم (الإخوان) مليون شخص فلكل منهم خمسة متعاطفين.. هل ستقوم بتطهير خمسة ملايين مواطن لتقضي على الحركة! لا نريد ترك الفاشية الدينية التي كان من الممكن أن تتحكم في مصر لنسقط في براثن الفاشية العسكرية”.

ويتهم بعض أصحاب النزعة القومية الاخوان بالسعي إلى إقامة نظام خلافة في الدول الإسلامية. وقال عقيد في الجيش: “هدف الإخوان هو الإمبراطورية الإسلامية في أي مكان. يمثل هذا الفكر خطرا كبيرا على الأمن القومي لأية دولة وهذا هو الحال في مصر”.

لكن أحمد ماهر أحد قيادي حركة 6 أبريل التي لعبت دورا بارزا في الانتفاضة المصرية ضد مبارك حذر من خطورة الآراء المتعصبة في الشارع المصري.

وقال إن الناس يكرهون بعضهم البعض ويقولون “دعهم يموتون”.

وأعرب ماهر عن خوفه من هذا وقال إن الشيء الوحيد الذي سيلم شمل هؤلاء هو إدراكهم لحجم الكارثة.

ومنذ الإطاحة بمرسي تخرج احتجاجات يومية تقريبا وتقع اشتباكات كثيرة بين أنصار الإسلاميين وقوات الأمن.

واستهدف إسلاميون متشددون يعتقد الجيش أنهم على تعاون وثيق مع الإخوان قوات الشرطة والجيش في شبه جزيرة سيناء.

ولا يترك هذا مجالا كبيرا للمناورة أمام الشخصيات الوسطية.

وقال داود: “نحن في موقف صعب للغاية. لست بطلا.. أنا شخص عادي. لا أطيق أن اتهم دائما بأنني خائن وعميل. هذا هو ما يمنعنا من المضي قدما”.

وأضاف داود أن تزايد هجمات المتشددين على قوات الأمن يزيد من صعوبة مطالبة الجيش بضبط النفس.

وأضاف “كلما زاد العنف كلما ضعفت أصوات الوسطيين. سأصمت سواء شئت أم أبيت”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث