“إرم” ترصد أسباب تهاوي إخوان مصر

“إرم” ترصد أسباب تهاوي إخوان مصر
المصدر: إرم- (خاص) من محمود غريب

كان للسقوط المباغت لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، على المستوى السياسي، في أقل من عام، بعد عزل الدكتور محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة قبل توليه الرئاسة، أثره غير القليل على تماسك الجماعة ومستقبل الإسلام السياسي في مصر بل في المنطقة العربية، غير أن التهاوي السريع وغير المتوقع دفع إلى تساؤلات عديدة حول الأسباب التي أدت إلى وضع نهاية مشروع لم يبدأ بعدُ، قال الإخوان إنه سينقل مصر إلى عصر النهضة العالمية.

و لم يتوقع الخبراء الأكثر حكنة في الشأن السياسي، خاصة ملف الإسلام السياسي، أن يتهاوى تنظيم الإخوان المسلمين في مصر الذي تم إعداده رغم مرور ثمانين عاماً على تأسيسه.

قرار خوض الانتخابات

في اجتماع مطول، تفرَّق فيه سربُ الجماعة بين مؤيد ومعارض إنتهى بموافقة ما يزيد على النصف بقليل، على خوض الانتخابات الرئاسية، وهو القرار الذي لم يندم الإخوان المسلمون على شيء، قدر ندمهم عليه، وهو ما دعا كثيراً من الباحثين في ملف الإسلام السياسي بأن يتوجهوا لفصيل الإخوان وغيره من فصائل الإسلام السياسي بنصيحة أن القرارات السيادية والتي تؤثر في تماسك واستمرارية التنيظم يجب أن تعتمد بأغلبية المصوتين وهي الثلثين مقابل الثلث وليس بالنصف + 1 نظراً لخطورة القرار، لكن استكمالاً لسياسة الرأي الواحد تمادى الإخوان في سلك طريق لم يقدروا عواقبه.

ربما فكر الإخوان وأعدوا العدة طوال الثمانين عامًا لمرحلة التمكين – هكذا يسمونها- لكنهم نسوا أن يحددوا زمن التنفيذ وأدبياته، وهو ما جعلهم يندفعون إلى الرئاسة دون دراسة أدبياتها العامة وخطورتها على التنظيم.

مرحلة “الحكومة”

لم تقضِ جماعة الإخوان المسلمين في مصر سوى 6 سنوات من أصل 30 عامًا قد حددتها الجماعة لـ”مرحلة المجتمع” المتعارف عليها داخل التنظيم وهي تعني الإنصهار في المجتمع المصري وإتساع نطاق تحركاتها وتغلغلها في مفاصل الدعوة المصرية بالدعوة على أكثر حد، والسياسية قليلاً، حيث بدأت هذه المرحلة عام 2005، وكان قرار القفز إلى “مرحلة الحكومة” أو “التميكن” عام 2012 وهو ما شهد اعتراضاً شديداً من العديد من قيادات الجماعة لكنهم نزلوا على رأي الشورى وكان ما كان.

بدأت قصة التهاوي لجماعة الإخوان وحزبها السياسي منذ قدمت نفسها للشارع المصري في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وكما قلت من قبل نظراً لأنها دخلت المرحلة دون دراسة أو إعداد جعلها تتغافل عن ملفات في غاية الخطورة أتت ببنيانها مؤخراً.

الأداة الإعلامية

لم تمتلك الإخوان أداة إعلامية توازي تلك التي تعارضها أو على الأقل نصف إمكانياتها، فقد كانت صحيفة الحرية والعدالة نشرة دورية للحزب ومخاطبةً أعضاءه، متناسيةً أنها في هذه المرحلة تقود وعليها أن تخاطب الجميع وتتنازل عن بعض الأدبيات للوصول للجميع، ثم كان التمادي لقناة مصر 25 التي لم تختلف كثيراً عن الصحيفة، وأنا هنا لا أتحدث عن ميلها لفصيل الإخوان أو توجيهها فلا يوجد إعلام محلي أو دولي غير مُوجه، على الأقل من وجهة نظري، لكن هناك إعلام وصحافة موجهة بشكل مُغلف ينقل ما يريد أن ينقله للجمهور وفي الوقت نفسه يحافظ على كسب وتأييد المعارض قبل المؤيد.

فضلاً عما سبق، لم يمتلك الحزب أو الجماعة متحدثين إعلاميين قبل تعيين الثلاثي الشباب، وهو القرار الذي الأصوب منذ تقدموا للشارع السياسي، حيث كانت الكوكبة الصحفية والإعلامية تعاني من التعامل غير المهني من قبل القيادات والمتحدثين للجماعة والحزب معهم، وهو ما دفعهم أحياناً لكتابة تقاير من تلقاء أنفسهم على لسان القيادات، ثم ما كان من الجماعة إلا أن هاجمت الإعلاميين والصحافيين بدلاً من أن تعالج الأخطاء الداخلية أولا، فاتسعت مساحة الفرقة بين التنظيم والإعلام والذي هو مهيئ من تلقاء نفسه.

مقترح فشل

تقدم عدد من الباحثين والمهتمين بملف الإسلام السياسي ذات مرة لعدد من قيادات الجماعة بعدة مقترحات إذا أرادوا تخفيف الاحتقان الحادث في الشارع لاسيما من قبل بعض الشباب، وتضمن الاقتراح إستكمالاً لتصدير الشباب، أمثال أحمد عارف، للتعامل مع السادة الصحفيين والإعلاميين وترك الأمور التظيمية للقادة كبار السن، أن يتم تشكيل لجنة من قيادات الحزب وشبابه للاستماع للخصوم السياسية ومحاولة التقريب في وجهات النظر وشرح وتحليل المواقف الغامضة، وتوضيح تضليل الرأي العام والإعلام، إذا كانت ثمة نية للحل، ووقف مسلسل الهجوم، وتضمن الاقتراح أيضاً أن تضم اللجنة العامة عدة لجان فرعية فيتم تشكيل لجنة من الشباب لسماع الشباب ولجنة أخرى من السياسيين وثالثة من النساء وواحدة للاجتماع برجال الإعلام والصحافة، وذلك للإستماع لكل فئات الشعب من شباب وسياسيين وحزبيين والإعلاميين الذين يهاجمهون الحزب ويعترضون على سياسته، على أن ترفع هذه اللجان تقاريرها إلى الهيئة العليا للحزب ومكتب الإرشاد للاطلاع على نتيجة المناقشات، وقياس مدى تفاعل الرأى العام والشارع مع طريقة عمل الإخوان وحزب الحرية والعدالة، لتحديد أطر العمل، لكن يا ليتهم سمعوا.

“الأخونة”

السيطرة التي أرادتها الجماعة على كل مفاصل الدولة المصرية، وما سُمي وقتها بـ”أخونة الدولة”، دعم كثير من السياسيين أو الصحافيين حق كل فصيل وصل للحكم عن طريق الصندوق أن يرسم لنفسه سياسة يستطيع من خلالها تقديم ما لديه من مشروع تنموي أو نهضوي للبلاد، ومن ضمنها تشكيل كل دولاب العمل السياسي للدولة من شخصيات تابعة له أو على الأقل يرى أنها ستتجاوب معه في تحقيق مشروعه، وتمنع التضارب أو الصراع الذي من الممكن أن ينشأ بين أكثر من فكر أو أنظمة ذات أيديولوجيات مختلفة متواجدين فى إدارة تنفيذية واحدة، وفى النهاية سيكون الوطن هو الخاسر الأكبر والمواطن الفقير هو من سيجني النتيجة، لذا رفضت وقتها مهاجمة فصيل الإخوان على “أخونة الدولة” شريطة أن يرى المواطن الفقير والموظف المطحون تغيراً ملحوظاً في ظروف معيشته من عيش وحرية وعدالة اجتماعية.

ما فعله تنظيم الإخوان يمكن وصفه بالمثل المصري “الرقص على السلالم” فلا هو أخون الدولة، ولا هو تركها للفصائل السياسية كي تشارك فى الحكم، فقط ضمن لنفسه نسبة ظن أن بها – وتدريجياً – سيسيطر على كل الدولة، وترك البعض الآخر لمن خشي منهم الإنقلاب عليه وهم فلول النظام وبعض رجال الأعمال.

الأيدي المرتعشة

تحركت الجماعة بسياسة الأيدي المرتعشة، فقد كانت ترمي فعلاً للسيطرة على مفاصل الدولة، لكن على استحياء فهي تخشى رد الفعل الشعبي والسياسي، وفي الوقت نفسه تريد تحقيق هدفها المرجو، والأصول السياسية تقول إن من يريد العمل السياسي فى دولة “خارجة” من ثورة شعبية، وتقريباً كل البنية التحتية مهترئة وفي الوقت الذي لم يزول النظام الذي ثار المصريون عليه فى 25 يناير 2011، كان يستوجب عليه أن يكون أكثر جرأة وحزماً إما أن يعتمد على سياسة الحزم وينفذ ما يراه، على الأقل من وجهة نظره، صواباً حتى نستطيع أن نحكم على تجربته بالنجاح أو الفشل، أو اللين ويكون ما يكون، فكان الخطأ الأكبر والأهم لدى الجماعة والنظام الحاكم وهو سياسة الأيدى المرتعشة.

تضمنت تلك السياسية أيضاً في تعامل النظام الإخواني مع فاسدي نظام مبارك، وصل إلى حد التساهل معهم وعودتهم للعمل السياسي وعودة رجال أعملهم الذى ثار الشعب عليهم تحت غطاء التصالح مع رجال الأعمال، غير أنه لا مانع من التصالح مع رموز أي نظام سقط ما لم تلوث يداه بفساد، فلا تصالح مع فاسد.

فكانت لسياسة الأيدي المرتعشة دور في تساهل النظام السابق مع فاسدي نظام مبارك وصل لحد تقلُّد مناصب وصلت إلى وزارية فى عهد أول نظام ديمقراطي بعد ثورة شعبية، إزاء ذلك، ومع تطلع التنظيم الإخواني للسيطرة على مفاصل الدولة سواء التنفيذية أو التشريعية، تطلب ذلك من الإخوان عددًا ليس بقليل من القيادات التي ستشغل تلك المناصب.

ندرة الكفاءات والكوادر

ظهر جليًا ما عانته الجماعة من فقر للشخصيات القيادية والكوادر المعدة لشغل تلك المناصب، وهو السبب الرئيس لما ذكرته آنفًا من دخول المرحلة دون إعداد.

الندرة التي واجهتها الجماعة، بالإضافة إلى أسلوبها الخاطئ فى عدم الدفع بالشباب للمناصب السيادية والقيادية للاستفادة من قدراتهم والإيمان الكامل بأن العقل القديم هو الأصلح متجسدة فى مشايخ التنظيم، كل ذلك جعل القيادي الواحد يتقلد أكثر من منصب، بل وصل إلى حد أن يتقلد الواحد منصبين أحدهما تنفيذى والآخر تشريعي.

الأمثلة على ما ذكرته آنفاً تطول ولا يسع المقام لسردها بالتفصيل، لكن كنموذج لذلك، فإن صبحي صالح وجمال حشمت والبلتاجي والعريان مثالاً متجسدًا وواقعيًا.

صبحي صالح، كان نقيباً للمحامين بالإسكندرية ووكيلاً للجنة التشريعية بمجلس الشعب المنحل، وعضواً باللجنة التأسيسية لوضع الدستور، فضلاً عن منصبه بحزب الحرية والعدالة، هل يعقل أن يقوم شخص أياً كانت قدرته الذهنية بكل هذه الأدوار فى نفس الوقت، هل عقمت مصر أو الجماعة على أن تلد مثيلاً لصالح حتى يتقلد كل هذه المناصب فى آن واحد… وللحديث بقية

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث