سر صمت مشعل!

سر صمت مشعل!

سر صمت مشعل!

عمان ـ (خاص) من شاكر الجوهري

 

يواجه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خمسة اشكالات رئيسة، منذ إعادة انتخابه لولايته الأخيرة، بموجب النظام الداخلي للحركة، وقد تفاقمت هذه الاشكالات مؤخرا على نحو غير مسبوق وذلك منذ تولى المنصب التنفيذي الأول في الحركة بعيد اعتقال الدكتور موسى أبو مرزوق في سجن مانهاتن الأمريكي منتصف 1995.

 

تتمثل هذه الإشكالات في:

أولا: اخفاقه في معالجة حالة العزلة العربية التي تحيط بحركة المقاومة الإسلامية، جراء رفض الحركة الإنخراط في عملية التسوية السياسية.. وقد تم الإصرار على أن يشغل ولاية أخرى وأخيرة رئيسا للمكتب السياسي باعتباره الأكثر قدرة على معالجة العلاقات الخارجية للحركة.

 

ثانيا: تحميله مسؤولية تأزم علاقات “حماس” مع كل من سوريا وإيران، بسبب قراره خروج قادة “حماس” من دمشق.

 

ثالثا: بروز طموحات غير معروفة لدى اسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، كما تجلى ذلك في الخطاب الهام الذي القاه فور انتهاء عطلة عيد الأضحى، وتضمن مبادرة سياسية هامة إزاء حركة “فتح” ورئيسها، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

 

رابعا: بروز أدوار قادة آخرين في الحركة يعملون على استعادة العلاقة مع طهران، الممول الرئيس لـ “حماس”.

 

خامسا: تعرضه لانتقادات علنية غير مسبوقة من قبل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، بسبب تصريحات صدرت عنه فهم منها أن مشعل بدأ عملية غزل مع نظام بشار الأسد.

 

 

“لا مع إمي بخير، ولا مع ستي بخير”

 

بلغة أخرى.. إن مشعل بات يحظى في الوقت الراهن بانتقادات وغضب عموم الأطراف المنغمسة في الصراع في سوريا، وأصبح ينطبق عليه المثل الشعبي “لا مع إمي بخير، ولا مع ستي بخير”.

 

وتضيف مصادر “حمساوية” مثلا آخر “جبناك يا عبد المعين تعين لقيناك بدك مين يعينك”..!

الظروف السابقة مجتمعة هي التي تقف وراء صمت مشعل وعدم تعامله مع الإعلام طوال الأشهر التي أعقبت إعادة انتخابه رئيسا للمكتب السياسي، ولولاية أخيرة في الأول من أبريل/ نيسان من العام الجاري.

هذه الإشكالات الخمسة مجتمعة تضع مشعل في حالة شخصية شديدة القساوة، تمثل خطرا جديا على امكانية انهائه سنوات ولايته الأخيرة، خاصة وأنه بات يعاني من حالة تقوقع في العاصمة القطرية (الدوحة)، يبدو معها وكأن جميع أبواب التحرك باتت مغلقة في وجهه، مماثلة للحالة التي سبقت اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مسموما في 11 تشرين ثاني/ نوفمبر 2004.

 

 

يتأكد صحة ما سبق في ضوء تولد أزمات اضافية لمشعل تأسست على الأزمات الرئيسية..

أبرز الإشكالات المتولدة عن الإشكالات المؤسسة للأزمة التي يواجهها مشعل حاليا هي:

 

أولا: بروز قادة حمساويين أكثر فاعلية في معالجة علاقات الحركة الخارجية.

فقد تأكد أن كلا من الدكتور موسى أبو مرزوق، العضو الأقدم في المكتب السياسي للحركة، والدكتور محمود الزهار، والمهندس عماد العلمي، إلى جانب اسماعيل هنية هم الذين لعبوا ويلعبون الآن ادوارا مهمة في استعادة العلاقات مع طهران، وبالتالي شيئا من الدعم الإيراني، الذي قطع نهائيا في مرحلة ما، وبدأ يعود بشكل تدريجي في الوقت الحاضر.

وقد استدعى الأمر مؤخرا صدور نفي رسمي عن “حماس” لاحتمال قيام مشعل بزيارة طهران.

 

ثانيا: بروز طموحات غير مسبوقة لدى اسماعيل هنية.

الخطاب السياسي الهام الذي ألقاه هنية مؤخرا، سبقه مؤشر آخر على طموحات رئيس حكومة غزة في تولي قيادة الحركة.. ذلك أنه في أواخر آذار/مارس الماضي نافس كلا من مشعل وأبي مرزوق على رئاسة المكتب السياسي للحركة.. وقد حقق مشعل فوزا مجهدا في الجولة الثانية، على هنية.. بعد أن تعثر عليه الفوز في الجولة الأولى.. وهو الذي كان يشترط تحقق الإجماع عليه ليقبل الترشح للولاية الأخيرة.

 

 

أما الخطاب الذي ألقاه هنية فقد لوحظ أن إعلام غزة قدمه بصفتيه الإثنتين: رئيس الحكومة، ونائب رئيس المكتب السياسي.

 

وأن يتحدث هنية بإسم “حماس” في قضايا مفصلية، بوجود رئيس عتيد للمكتب السياسي، يعني بأكثر من شكل.. أنه بات يقفز عن المرتبة التنظيمية الأولى.. مذكرا بحالات سجلها التاريخ السياسي لشخصيات قوية تفوق حضورها على الرأس الأول في الحزب أو في الدولة.

 

حدث ذلك في أحزاب ودول عربية وغير عربية..

الخطاب نفسه، الذي تحدث فيه هنية باعتباره صاحب القرار، تناول عددا من المبادرات الإيجابية حيال عدد من الأطراف الفلسطينية والعربية في محاولات لإصلاح ما أخفق مشعل في إصلاحه:

1 ـ التحدث عن الدور التاريخي لمصر (الشقيقة الكبرى)، وجهاز المخابرات المصري الممسك بملف فلسطين والعلاقات مع مختلف الأطراف الفلسطينية.

وانتهز هنية الفرصة قائلا “فرصة للتأكيد على موقف حركة حماس الأصيل تجاه مصر في كل عهودها وفي كل المراحل والظروف وحرصها على مصالح مصر واستقرارها وأمنها القومي”. وقال “نحن قدمنا كل ما نستطيعه كحركة وكحكومة في غزة من أجل التجاوب مع حاجات ومطالب الأشقاء في مصر بما يخدم الأمن القومي المصري”.. وأكد “لسنا طرفاً في أية حوادث جرت أو تجري في سيناء ولا في غيرها”.

 

2 ـ دعوة “شعوب أمتنا العربية والاسلامية البدء بالاستعداد لانتفاضة الاقصى الكبرى من طنجا الى جاكرتا”.. وهي دعوة غير متوقع أن تصدر عن غير الرجل الأول.

 

3 ـ إشارة هنية إلى عدم حصر “حماس” علاقاتها في الساحة العربية مع الإسلاميين وحدهم “بل انفتحنا وأقمنا علاقات مع مختلف القوى والتيارات والأحزاب، كما أننا لم نتدخل في شأن أي دولة ولم نكن طرفاً في أي أحداث أو حراك ولا في خلاف أو صراع داخلها، فهذا شأن داخلي لكل دولة”.

4 ـ مخاطبة محمود عباس باعتباره نده في حركة “حماس”.. إذ دعا “الأخ الرئيس أبو مازن والإخوة في حركة فتح والسلطة في رام الله إلى التعاون المشترك والعمل معاً من أجل تخفيف معاناة اللاجئين الفلسطينيين (في سوريا ولبنان ومصر) مبديا الإستعداد لاستيعاب البعض منهم في غزة ممن يرغب في ذلك.

 

 

هنية يغازل مصر ما بعد مرسي

ولوحظ أن خطاب هنية جاء ليؤكد أن المتحدث هو رجل ثورة ودولة في ذات الآن.. فهو من جهة يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تحرير كامل ترابه الوطني، مع امكانية.. بل ضرورة المواءمة ما بين الكفاح المسلح والعمل السياسي.

كما أنه، وهو يغازل مصر الإنقلاب، لم يفته أن يؤكد تمسكه بفتح معبر رفع، وحق الغزيين في شق الأنفاق لتأمين مستلزمات الحياة.

المآلات الراهنة للأوضاع الداخلية لحركة “حماس” تنذر بنتيجتين لم تخطرا على بال أحد طوال عقدين مضيا:

الأولى: المطالبة بإنهاء مبكر لولاية مشعل على رأس المكتب السياسي، أو على الأقل اعتماد صيغة جماعية للقيادة.. تحد، إن لم تضع حدا للقيادة الفردية.

الثانية: إغلاق الباب نهائيا دون أي أمل بفتح النظام الداخلي للحركة مجددا أمام تعديل يضمن تجديد آخر لولاية مشعل.. خاصة بعد اخفاقه فيما تم التجديد له من أجل انجازه.. فك طوق العزلة عن الحركة.

 

بطبيعة الحال فإن كل ما سبق لا ينتقص من قيمة ومكانة وكفاءة وقدرة مشعل القيادية.. ذلك أن الظروف الموضوعية هي التي تغيرت واختلت..

يؤكد ذلك قول ملهم الدروبي القيادي السوري في تنظيم الإخوان المسلمين، إن تقلبات “حماس” حيال الموضوع السوري هو بمثابة نتيجة طبيعية للظروف الدولية والإقليمية والعربية التي يمر بها الفلسطينيون عادة التي تدفعهم إلى الانتقال من مركب إلى آخر وفق المستجدات التي تطرأ”، وإن طالب مشعل بالتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية السورية.. وهو ما أكد عليه كذلك جيش الإسلام، الذي وجه انتقادات حادة لمشعل.

 

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث