رؤية لاهوتية لقيام إسرائيل

رؤية لاهوتية لقيام إسرائيل
المصدر: إرم- (خاص) من إميل أمين

لعل التساؤل الذي لا يزال يثير جماعة اللاهوتيين غير المخترقين من جراء الأفكار “اليهو ـ مسيحية”، هل من العدل الإلهي والحق الإنساني طرد شعب من أرض استوطن فيها لآلاف السنين، لتحل محله جماعات غريبة من أجناس ولغات مختلفة وتقاليد بالية لا يربطها إلا اسم اليهودية؟

من المؤكد أن إسرائيل استندت في دعواها لإنشاء دولتها الصهيونية على ما ورد في سفر التكوين من وعد الله لإبراهيم “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”، والشاهد هو أن نسل إبراهيم يشمل العرب أيضا من ابنه إسماعيل.

وكان إسماعيل أبا لعدد كبير من القبائل العربية، كما أنه الابن الأكبر لإبراهيم من إمرأته المصرية هاجر، والوعد الإلهي بإعطاء إبراهيم ونسله من بعده أرض كنعان ملكا أبديا، كان من أيام إسماعيل، حيث أن إسحق لم يكن ولد بعد، ولهذا فإن تفسير الوعد بأنه يختص بإسحق دون غيره مغالطة دينية وتاريخية معا، خصوصا أن المنطقة كانت على الدوام تحت حكم العرب الذين هم من نسل إسماعيل.

والثابت أن اليهود أنفسهم -طبقا لما نشرته جريدة النيويورك تايمز في عددها الصادر في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1959- أعلنوا بلسان الدكتور أبراهام هيشيل، أستاذ التصوف اليهودي في كلية اللاهوت اليهودية في نيويورك، عن أن هذه النبوءة جرت في الماضي، وأن الصهيونية التي تدعو إلى قيام جهاز سياسي ومنظمة عالمية، لا صلة لها باليهودية.

ورفضت الكيانات المسيحية التقليدية العريقة هذه الأطروحة في بدايات إرهاصات الصهيونية وما بعدها، حيث رفضت فكرة قيام دولة إسرائيل شكلا وموضوعا.

وكانت حاضرة الفاتيكان في مقدمة الرافضين لقيام دولة إسرائيل منذ اللحظة الأولى، ففي عام 1904، رد البابا بيوس العاشر على تيودور هيرتزل الذي طلب دعم الفاتيكان، بالرفض المطلق لقيام تلك الدولة على حساب تهجير سكانها الأصليين من الفلسطينيين.

وبحسب المنطوق البابوي فإن قيام دولة إسرائيلية “لا يتسق مع العدالة الإلهية ولا ينسجم مع النواميس والشرائع الوضعية، لذلك لا نستطيع أبدا أن نتعاطف مع الحركة الصهيونية، ونرفض رفضا جامعا مانعا فكرة قيامها”.

ومما لاشك فيه أن الحركة الصهيونية مرت بأطوار مختلفة قبل أن تصل إلى مرحلتها السياسية الحاضرة، وكان أول أساس أرادت الصهيونية الارتكاز عليه هو ترويج فكرة وجود شعب يهودي وجنس يهودي وأمة يهودية متسلسلة من العبرانيين القدماء، إلا أن التاريخ يشهد بأن اليهود الحاليين لا علاقة لهم بسلالة العبرانيين.. كيف ذلك؟

بالرجوع إلى القراءات التاريخية التي لا ينكرها المنصفون من اليهود، فإن مدة ملك داود وسليمان لم تدم إلا 78 عاما، وحتى مملكتا يهودا وإسرائيل اللتان أسستا على أنقاض المملكة الموحدة لم تلعبا في تاريخ اليهودية إلا دورا محدودا وثانويا.

وإذا ألقينا نظرة على اليهود الذين نزحوا من البلاد المختلفة واستوطنوا في فلسطين، نجزم أنهم ليسوا من سلالة العبرانيين القدماء الذين سكنوا الأرض المقدسة، إذ اعتنق الكثير من الأوروبيين اليهودية في القرون الوسطى، إضافة إلى الذين اعتنقوا اليهودية في عهد الأتراك الذين سادوا على روسيا الجنوبية الشرقية، على رأسهم الملك “بولان” في عام 740 ميلادية.

وفي القرن الثامن عشر اعتنق الكثيرون اليهودية تحت تأثير اليهود البيزنطيين، وكثر عدد المعتنقين في القوقاز وانتشروا في أوروبا الوسطى وفي بروسيا وبولندا وروسيا وهاجر عدد وافر منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، منهم هؤلاء الذين نزحوا إلى إسرائيل ويديرون سياساتها الآن.

كما لا ننسى أنه لا يوجد يهود صفر وسود وملابار وأحباش وأشكيناز وسفارديم.. فهل يمكن بعد هذا أن يعتبر اليهود أمة حقيقية بينما الخلاف واضح في الجنس واللغة والأصل والتقاليد وحتى في المعتقد.

وأي وعد إلهي ينافي ويجافي أبجديات الحق والعدل؟

الحاصل أن تجمع إسرائيل الآن ليس من إرادة الله في شيء، لأن اليهود في سعيهم إلى ذلك لا يطلبون وجه الله وإنما هم مغمورون في جو قاتم من المؤامرات السياسية يتذللون للأمم الكبيرة في ضعف ومهانة يطلبون معونة يتطلعون من ورائها إلى السطوة وإلى الانتقام.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث