حركة “حماس” ومقامرة خاسرة

حركة "حماس" ومقامرة خاسرة

حركة “حماس” ومقامرة خاسرة

عدلي صادق

لطالما تكفلت الأيام والوقائع، بكشف أكاذيب “الإخوان” من جميع حلقاتهم في البلاد العربية، وإظهار بُهتان توصيفاتهم لمنافسيهم أو حتى للحكومات التي يناوئونها. فمنذ أقل من شهرين، لم يكن هناك على ألسنة الناطقين باسم “حماس” في غزة، سوى إنكار تدخل حركتهم في الشأن المصري الأمني الداخلي، واتهام “فتح” بالدسيسة وبالتحريض عليهم، ذلك على الرغم من محاولات البعض الوطني، الدفاع عن “حماس” حيال اتهامات الإعلام المصري بالتدخل، على قاعدة أن كثيراً من الإخوة المصريين يلتبس عليهم الأمر، ولا يفرقون بين “حماس” والشعب الفلسطيني، وبالتالي يكون الفلسطينيون جميعاً خاسرين.

 

وللأسف، بدل أن تسعى “حماس” لدحض التوجه الإعلامي المصري بسلوكها، رأيناها توفر البراهين على تدخلها وانحيازها لجماعة “الإخوان” ضد إرادة الغالبية العظمى من الشعب المصري.

 

وفي الوقت الذي كانت البراهين تترى على تدخلها، ظلت هذه الحركة تتهم غيرها بمحاولة الإيقاع بينها وبين الحكومة المصرية.

 

 ففي مكتب “فتح” في شارع عدلي وسط القاهرة، وهو المكان الذي شهد تاريخاً، وكان مقصد أجيال من الفتحاويين على مر عشرات السنين؛ التقيت صديقي “أبو رجب” أمين سر الإقليم، وكان من بين الموضوعات التي أردت تبيان حقيقتها، مسألة اتهامات “حماس” لحركة “فتح” بالتحريض عليها في مصر، واستناد اتهامها الى ما سمته “وثائق” ورسائل من مراكز المسؤولية في الحركة والسلطة، الى الكادر الفتحاوي في مصر، تحمل تعليمات بممارسة الدسيسة ضد “حماس” لدى الإخوة المصريين وإعلامهم.

 

وقد شملت تلك الاتهامات كوادر متقدمة في سفارة فلسطين. وبالطبع، لا يقبل العبد لله هكذا توجهات، في حال وجودها، لأن “فتح” أنزه وأكثر وطنية وأنضج رؤية، من أن تسلك مسلكاً سيكون مردوده النهائي، إساءة بالغة للشعب الفلسطيني ككل.

 

 طلبت من أخي “أبو رجب” أن يصارحني إن كان ثمة من أخطأ في مراكز المسؤولية الفتحاوية، واعتمد هكذا أسلوب، ووعدته أن أتعرض لهذا الأمر إن وقع فعلاً، وأن أوضح مخاطره في الدورة المقبلة للمجلس الثوري.

 

 غير أن أخي أمين سر إقليم حركة “فتح” تأثر وأبدى أساه لهذا الظلم التزويري الذي وقع، وممن؟ من حركة ترفع شعار الإسلام الذي هو جمّاع كل القيم، ومن بينها الصدق وتحاشي رمي الناس بالباطل، حتى وإن كانوا من خصومهم السياسيين.

 

 وسرعان ما بدا أن “أبو رجب” قد جمع ما سمته “حماس” الوثائق، وهي بعض الذي نشرته وكان له أساس، وأكثر ما نشر كان مفبركاً ولا أساس له.

 

ففي الرسائل والتعميمات، التي لها أساس، وضع “أبو رجب” الوثيقة الأصلية، وبجانبها تلك التي طالها التزوير، فاستطالت وزادت بنودها وأضيفت اليها أسماء. ففي تعميم للأخ عضو “المركزية” مُفوّض الساحات، هناك حث على تنشيط العمل وأداء الواجبات الطبيعية، وجاءت التعليمات ببنود مرقمة تنتهي عند الرقم 5. وللأسف ارتضى الحمساويون زيادة البنود، كذباً وبهتاناً وتزويراً، ليكون ثمة توجيه حركي، بممارسة التحريض ضد “حماس”.

 

وللأسف مرة أخرى، كانت وثيقة كهذه، وهي عبارة عن تعميم، قد وصلت الى “حماس” فتكفلت بالإضافة عليها. وبأم عيني رأيت الوثيقتين، الأصلية والزائدة. غير أن اتهاماً كهذا، لا يدحضة الفارق بين الوثيقتين وحسب؛ وإنما يدحضده كذلك المنطق السياسي.

 

 فما هي الفائدة، التي ستعود على “فتح” من جعل “حماس” شريكة في التآمر على الأمن القومي المصري، وهي في النهاية، حركة فلسطينية، سيكون أي فلسطيني في موضع الاشتباه لدى عامة المصريين، بأنه ينتمي اليها؟ وهل ستكون ثرثرات شبان صغار، حين يُكلفون بالتحريض، هي من يرشد المصريين الى حقائق العمل الأمني وميادينه؟

 

والأهم من ذلك، ما الذي ستجنيه “حماس” من هكذا تزوير؟. كأن “حماس” لا تعلم الحقائق الجديدة في المجتمع المصري وفي الدولة، مثلما يتعامى “الإخوان” كعادتهم، عن الحقائق الكبيرة، ويتغذون على ما يسمعونه داخل القوقعة. هكذا هم، لدرجة أن وسائل إعلامهم ما تزال تتعامل مع الحدث المصري، وكأن هناك ثورة يشعلها “الإخوان” ستنتصر حتماً. وهؤلاء لا يرون المجتمع المصري ولا يسمعون إلا أصداء ما يقال بلسان أبعدين،. فالأبعدون يناورون بالكلام، وهم في الحقيقة لا يريدون سوى الظفر من الغنيمة بالإياب،  أي مقايضة أمن كبارهم بسكينة الصغار. فالدولة المصرية حسمت أمرها، والدم الذي سُفك، له عندها محرضون. والكذب وادعاء السلمية، تكذبه الأشرطة.

 

 ثم إن قناة “الجزيرة” تؤدي دورها المشبوه من بعيد، وهي مستريحة، فلا هي على حدود مصر، ولا يتوقف مصير حركتها وحياتها وأمرائها على معبر معها، مثلما هو حال غزة. ويرتكب أي طرف فلسطيني خطأ حياته، إن هو تبنى موقفاً مضاداً للدولة المصرية يتعلق بشأنها الداخلي، وإن هو توهم أن الطرف نقيض الدولة، هو الذي سيفلح.

 

 فـ “الإخوان” عاجزون عن ابتلاع بلد صغير  حجمه أقل من كسر عشري من حجم مصر التي لن يتمكنوا من ابتلاعها بممارسة الإكراه ضد مؤسسات الدولة. ولم يعد ثمة مجال لممارسة الخداع، والإصرار على أن محازبي “الإخوان” لم يهاجموا أقسام الشرطة والكنائس ومحال الأقباط، ولم يحملوا السلاح ولا الزجاجات الحارقة، ولم يقتلوا ولم تنطلق أفواههم بأقذع الألفاظ، التي كتبوا بعضها على الجدران. فكل شيء مسجل بالصوت والصورة. وفي هذا الخضم، يكون من الحماقة التماشي مع منطق “الجزيرة” عبر شاشات ذات رمزيات فلسطينية!

 

نحن لا نتمنى إطلاقاً، أن تُتهم “حماس” بأية مخالفة ضد أمن المصريين واستقرارهم. لكن بعض الشاشات ذات الرمزيات الفلسطينية، كأنها تقول إننا ضالعون. بل إن واحدة منها، استضافت حمساوياً من جيران العبد لله ومن أصدقاء ما قبل التحزب، وما قبل قيامتنا؛ فإذا بالأخ يُكيل المديح لمدينة “الكرداسة” ويباهي بتمردها، ويفترض أن حصوله على الجنسية المصرية، سيجعله حريصاً على امتلاك بيت في “الكرداسة”.

 

كنت أتمنى الافتراض أن يبقى فلسطينياً وأن يحلم ببيت في القدس. ويباهي الأخ بأن عبد الناصر عجز عن تطويع “الكرداسة”، علما بأن مشكلة الدولة في الستينيات كانت مع مروجي بانغو، ومشكلتها الآن مع نفر قليل، اقترف جريمة ذبح رجال الشرطة بعد الإمساك بهم تعذيبهم!

 

في السياق العام، إن “فتح” لا ولم ولن تحرض. ولو فعلت ذلك فإنها لن تحرض بحكايا شبان صغار، من الطلاب أو من المقيمين، لتضليل دولة بحجم مصر. التحريض الحقيقي، ضد “حماس” هو ما تقدمه الشاشات متنسمة خطى “الجزيرة”. وهذه الأخيرة، بعيدة، ويدها في الماء، وتلعب بالبيضة والحجر. أما نحن فقريبون، ويدنا في النار، ولا يحتمل وضعنا مزاحاً ولا مقامرة!

 

adlishaban@hotmail.com

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث