الموساد يكشف سراً من أسرار النكبة

الموساد يكشف سراً من أسرار النكبة

الموساد يكشف سراً من أسرار النكبة

القدس – (خاص) من ابتهاج زبيدات

سمحت الرقابة العسكرية الاسرائيلية في الكشف عن إحدى قصص المخابرات الرهيبة بعد النكبة، التي تدل على مدى بشاعة ممارساتها تجاه الفلسطينيين واليهود على السواء. فقد تبين من هذه القصة أن المخابرات زرعت 9 عملاء يهود لها في صفوف الفلسطينيين، اثنان منهم تزوجا من فلسطينيتين، واحدة مسلمة وأخرى مسيحية، وأنجبا أطفالا، بينما أصيب السبعة الباقون بأمراض وعقد نفسية واضطرت المخابرات إلى سحبهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.

 

وقد تمت هذه العملية البشعة في إطار خوف إسرائيل من ثورة ينظمها ضدها المواطنون العرب الذين لم يبرحوا الوطن سنة 1948، وهم الذين عرفوا فيما بعد بـ “فلسطينيي 48″، وكذلك الخوف من تنظيم أعمال عدائية لاسرائيل بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين الذين برحوا إلى الدول العربية بسبب النكبة وأهوالها. وقد تمكن هؤلاء من الانخراط في صفوف الفلسطينيين بشكل كامل وأقنعوا الفلسطينيين بانهم منهم.

 

وسبب هذه النجاح يعود إلى انتهاجهم خطا سياسيا متطرفا قوميا ودينيا. وقد نقلوا صورة مطمئنة إلى إسرائيل بأن الفلسطينيين لا يخططون لثورة. فقررت سحبهم. لكن اثنين منهم طلبا البقاء، إذ عشق كل منهما فتاة فلسطينية. وفي سنة 1964، عادت المخابرات الاسرائيلية لتحتاج إلى نشاطهما، إثر تأسيس حركة التحرر الفلسطينية “فتح”. وراحت تخطط لاغتيال زعيميها المرحومين، ياسر عرفات وخليل الوزير (أبو جهاد). ولكن العميلين انكشفا عند زوجتيهما. فتوقفت العملية.

 

تفاصيل القصة

وتعود هذه القصة إلى سنة 1948، عندما قامت إسرائيل بموجب “قرار تقسيم فلسطين”، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، القاضي بإقامة دولتين يهودية وعربية. فكما هو معروف، لم تقم الدولة الفلسطينية واحتلت اسرائيل غالبية المساحة المقررة لها وتشرد معظم أبناء وبنات الشعب الفلسطيني، إما طردا قسريا أو هربا من الحرب وجرائمها. وبقي في القسم الذي أقيمت عليه اسرائيل حوالي 155 ألف فلسطيني.

 

وحسب أرشيف وحدة “قيساريا”، شعبة العمليات الخاصة في جهاز المخابرات العامة الاسرائيلية آنذاك، توقعت إسرائيل أن ينتقم العرب الفلسطينيون من إسرائيل بسبب هذه النكبة. فقررت زرع عملاء لها في صفوفهم، أولا داخل اسرائيل (في صفوف فلسطينيي 48)، وثانيا في صفوف اللاجئين في لبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. وقد اتبعت لذلك عدة أساليب، قسم منها ما زال محظورا نتشره حتى اليوم، رغم مرور 65 سنة. وقسم منه نشر وينشر تباعا.

 

ومن هذه العمليات، تقرر تشكيل وحدة خاصة تنفذ ما سمي “مشروع يوليسيس”، سلمت قيادتها إلى ضابط المخابرات أوري يسرائيل، الذي توفي مؤخرا، ونائبه الذي أعطي الاسم الرمزي “يتسحاق”، ولا تزال الرقابة العسكرية تحظر نشر اسمه.

 

أعضاء الوحدة، التي أشرف عليها رئيس جهاز المخابرات بنفسه، إسرائيل هرئيل، وجعلها منفصلة عن بقية الوحدات وتابعة مباشرة إليه، اختيروا من بين اليهود من أصول عربية الذين كان لهم نشاط مميز إبان الأعداد للهجرة من الدول العربية التي عاشوا فيها. وخضع هؤلاء العملاء لتدريبات قاسية جدا وصفها أحد مدربيهم قائلا: “كانت المهمة وحشية، فما أن وقعوا على التجنيد والانضمام إلى الوحدة وبعضهم كان دون سن الـ20 عاما، حتى فصلوا انفصالا تاما عن عائلاتهم وعاشوا في شقق خفية في يافا لفترة تأهيل بلغت نحو عام ونصف العام، وفي هذه الفترة تدربوا على فهم التقاليد العربية وتعاليم الدين الإسلامي والدين المسيحي وأسس الصلوات وطرق الزواج والطلاق والعلاقات العربية الداخلية والفوارق ما بين القرية والمدينة وبين الفلاح والبدوي والمدني، إلى جانب مهن التجسس والتعامل مع المتفجرات والأسلحة”.

 

ويقول قائد الوحدة، سامي موريا، الذي كان قد ولد وترعرع في بغداد وييتجاوز عمره اليوم 91 عاما: “كانت أقسى اللحظات عندي، حينما كنت أجلب البريد منهم إلى العائلات وكانت إحدى الأمهات تستجدي، دعني أراه حتى ولو لدقيقتين ولو في الشارع، ولو من بعيد، كي أعرف أن ابني بخير. دعني فقط ألمحه. وكانت تبكي بغزارة. ولم أستطع الموافقة على طلبها. فمثل هذه الخطوة كانت ستعرقل عملية تبلور هويتهم الجديدة”.

 

لقد جرى اختبار مئات الأشخاص لهذه المهمة، لكن 14 شخصا منهم وجدوا صالحين. وخلال التدريبات تم إسقاط خمسة آخرين، فبقي منهم تسعة فقط تراوحت أعمارهم ما بين 18 و22 عاما. وتم زرعهم في البداية في صفوف اللاجئين من المواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48). اثنان منهم مثلا ألبسا ملابس ممزقة واتخذا صورة لاجئين فلسطينيين اجتازا الحدود من الأردن إلى منطقة أم الفحم، ودخلا إلى كشك عربي وطلبا القهوة، فيما كان فريق من المخابرات يراقب من بعيد. وبعد نحو نصف ساعة أحاطت ثماني سيارات من الشرطة المكان وجر أفراد الشرطة المتسللين إلى الخارج وضربوهما ضربا مبرحا باللكمات والعصي”.

 

وعندما خرجا من السجن، كان اعتقالهما أفضل وسيلة للتغطية على كونهما عميلين للمخابرات. واندمجا بسهولة في صفوف أهالي أم الفحم، وصارا من أشدد المتطرفين في مسجد أم الفحم ضد اليهود. وعندما تغيب إمام المسجد ذات يوم عن إلقاء خطبة الجمعة، حل محله أحدهم. ثم أرسل الثاني إلى النقب، حيث عين مدرسا للديانة الاسلامية في المدرسة الابتدائية هناك، عميل آخر منهم، وقع في مظاهرة أرضا وأصيب بجراح. فأدخلوه إلى بيت عائلة مسيحية في يافا. وبقي تحت العلاج فيها بشكل سري طيلة شهر، باعتبار أنه شاب وطني فلسطيني. وقد عالجته ابنة العائلة مريا.

 

عميل رابع زرع داخل قرية مجد الكروم في الجليل. الغطاء الذي اختير له أنه ابن عائلة مشردة من يافا. وفي بيت عزاء أقيم في القرية، ذات يوم، سأله المختار عن أصله وفصله. وعندما قال له إنه من يافا وذكر له اسم العائلة تبين أن المختار صديق لها. ويعرفها فردا فردا. فراح يستجوبه عنهم، وهذا يرد عليه بدقة. وعبر الاختبار وتحول إلى أحد الوز الوطنية في القرية، بعدما كان يتناول السماعة ويخطب في المظاهرات ضد الاحتلال الصهيوني.

 

وهكذا حصل مع الجميع. تسعة عملاء يهود يعملون بحرية في التجسس على الفلسطينيين في الداخل والخارج بلا أية شكوك. وكانت تقاريرهم تؤكد بالإجماع أنه لا يوجد أي خطر لثورة فلسطينية ضد إسرائيل في أي موقع. وفي سنة 1956، تقرر حل المجموعة. لكن اثنين منهم طلبا أن يستمرا وأن يتاح لهما الزواج. الأول هو الذي عشق ماريا، البنت اليافاوية التي عالجته. والثاني هو ذلك “الوطني” من إحدى قرى النقب. وبعد جدل وبحث واعتراضات شديدة وافقت المخابرات على طلبهما، بشرط أن يعيشا في الخارج. فتزوجا وأنجبا الأطفال، أحدهما استقر في ألمانيا والثاني استقر في بيروت.

 

وفي النصف الأول من العام 1964 بلغ العميلان لأول مرة عن تشكيل حركة فتح. فأخبرا أن “شبكة فلسطينية جديدة، على رأسها شخص يدعى خليل الوزير وآخر يدعى ياسر عرفات (أبو عمار)، تعمل بين الطلبة الجامعيين في ألمانيا. وكان العميل أوري يسرائيل أو باسمه السري عبد القادر، يقيم علاقات مع الطلبة الفلسطينيين بتشجيع من زوجته ويمول مصاريف الشقة لبعضهم. وذات مرة وصل إلى إحدى هذه الشقق قادة فتح، وبينهم المرحوم هاني الحسن،  وخططوا كيف سيشطبون إسرائيل من الخريطة ويقيمون فلسطين بدلا منها، وكان رجال المخابرات الاسرائيلية يسمعون كل شيء عبر الميكروفونات التي زرعوها في الجدران.

 

وفي حزيران/يونيو 1964 توجه رافي ايتان، رئيس مكتب الموساد في أوروبا إلى رئيس الموساد، وطلب منه أن يأمر عناصر وحدة “قيسارية” باقتحام الشقة وقتل كل من فيها، وكتب رسالة أن للوحدة قدرة وصول لا تتكرر إلى الهدف ويمكن التنفيذ بسهولة وأنه “يجب قتل هذا المارد وهو صغير في القمقم”، لكن ذلك لم يحدث. وفي هذه الأثناء قررت المخابرات إعادته. فترك زوجته وولديه منها واختفى.

 

وأما العميل الثاني في بيروت، ففي أثناء بث رسالة إلى المخابرات في اسرائيل، دخلت زوجته ماريا عليه وكشفت الأمر. وبلا تردد طويل، قرر أن يقول لها الحقيقة: لست فلسطينيا وطنيا يؤيد فتح، بل يهودي وأكثر من ذلك جاسوس للموساد”، وقد صعقت من الكشف، لكنها في الوقت نفسه فاجأته هي الأخرى بسر خطير، فأخبرته بأنها تقيم علاقات غرامية مع أحد الزعماء الفلسطينيين. فاتفقا على الطلاق. فغادر واختفت آثاره. وأولاده الثلاثة لا يعرفون سره حتى اليوم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث