إدغر موران: “يجب أن نُعلّم طلبتنا ماهية الكائن البشري”

إدغر موران: “يجب أن نُعلّم طلبتنا ماهية الكائن البشري”
المصدر: إرم- (خاص) من مدني قصري

يرى إدغر موران أن “مهمة التعليم الأساسية هي أن تُهيّئنا للحياة. والحالُ أننا نفتقد في التعليم، من الابتدائي إلى الجامعة، إلى المعارف الحيوية. وهكذا فنحن لا نُعلّم في مدارسنا وجامعاتنا ماهية الكائن البشري. لقد صارت المعارف مبعثرة، ومجزّأة إلى خاناتٍ موزعة ما بين العلوم الإنسانية والعلوم البيولوجية. صرنا نُدرّس الدماغَ في البيولوجيا، والعقلَ في علم النفس، فيما الدماغ والعقل شيءٌ واحد.

ويأمل موران في أن نلقّن التلميذ منذ المرحلة الابتدائية نظريةَ المعرفة (الإبستمولوجيا).”إننا نقدّم العلومات من دون أن نُعرّف المعرفة. فكل معرفة هي ترجمةٌ يعقبُها بناءٌ دماغيّ جديد، يتعرّض لخطرِالوقوع في الخطأ والوهم. ومع ذلك، فإننا لا نقدّر الخطأ، ونقلّل من شأنه في حياتنا الخاصة، وفي حياتنا كمواطنين على السواء. يا له من خطأ فادح! يجب أن نُلقّن طلابنا نصيبَنا من الوقوع في الخطأ والأوهام، المرتبطة بالمعرفة. فلهذا التلقين دلالةٌ كبيرة، منذ المدرسة الابتدائية. فهذا مطلب مهمٌّ وضروري، ويمكننا فعله، انطلاقًا من أخطاء التلميذ وإيضاحاته.”؟

وفي سياق متصل، يضيف موران قائلا: “وظني أنّ مُعلّم الابتدائي، بحكم تعدّد تخصصاتِ كفاءته، يُعتبر أكثرَ قابلية للتأثر والتفاعل مع المعلومات والمعارف، من أستاذ الثانوي، أو الجامعي، المنغلق داخل “غيرته على سلطته التخصصية”.

ويرى موران أيضًا “وقد أهملنا أيضًا تدريس فهْم الآخر، وفهْم أنفسنا، وهو أمرٌ حيوي أيضًا. ناهيك عن مواضيع أخرى يمكنني ذكرُها، كموضوع مواجهة الآفاق البشرية التي باتت غامضة، أو العولمة.”

لكن، هل يعني هذا أن إدغر موران ينظر إلى التعليم نظرة قاسية؟ “لا، يقول موران. لكنها نظرة حزينة. فالتعليم في أيامنا لا يُهيّئنا لمواجهة مشكالنا الأساسية والشاملة، بينما نستطيع أن نغْرف من التخصصات المكتسبة معلوماتٍ مفيدة جدا. التخصصاتُ جد مفيدة، لكن انغلاقها على نفسها بات أمرًا مشؤومًا! الفصل ما بين المعارف يخلق جهلا جديدًا. ولذلك فإن ربط المعارف فيما بينها يتطلب تعليمًا معرفيًا يستجيب لتحديات تعقّد العالم الاجتماعي والكوني الذي نحيا فيه.”

وعن الوسيلة الملائمة لجلب اهتمام التلاميذ – الذين يشعرون بالتأكيد بهذا التعقيد – يقول موران “لا يملك التلاميذ من وسيلة سوى الاهتمام بكل ما يُغلِق عليهم في داخل العالم الفيزيائي والبيويولوجي، والاهتمام بكل ما يمكِن أن يحثهم على اكتشاف التعقد البشري. فالآداب لا تحتوي على الفن فقط، ولكن أيضًا على المعلومات التي ترتبط بحياتنا الذاتية والملموسة. فالرواية، مثلا، تمتلك التفوق على العلوم الإنسانية التي لا تتناول الواقع البشري إلا بصورة مجزأة ومُمَوْضَعَة، كواقعٍ خارجٍ عنا. فالروايةُ هروبٌ إلى الخيال، ولكنها أيضًا وسيلة لمعرفة الذاتية البشرية. فكما قال الكاتب الأرجنتيني الكبير إرنستو ساباتو “الرواية اليوم هي المرصدُ الوحيد الذي يمكن أن نرصد منه التجربةَ البشرية في شموليتها.”

وعن الكيفية التي يمكن أن نطلق بها هذه الثورة التعليمية يقول موران “لا بد من الاعتماد بلا انقطاع على طليعة فاعلة. لا يوجد أبدًا إجماعٌ مسبق حول الإبداع والابتكار. إننا نتقدّم إنطلاقًا من ولَعٍ إبداعيّ. فكل إبداعٍ مجدِّد هو أوّلا انحرافٌ عن المألوف. كان ذلك شأن البوذية والمسيحية والإسلام، والعلوم الحديثة، والاشتراكية. فهي تنتشر لتصبح توجّهًا، ثم قوةً تاريخية. نحن بحاجة إلى ثورة تربوية تعادل الجامعة الحديثة التي وُلدت في برلين في القرن التاسع عشر. فهذه الجامعة التي انتشرت اليوم في كثير من بلدان العالم هي التي ينبغي علينا تفعيلها، مع الاحتفاظ بمكتسباتها، ومع إدراج المعرفة المعقدة،المرتبطة بمشاكلنا الأساسية، فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث