نشوة النص الأول للمبدع.. كيف تولد ثانية ؟

نشوة النص الأول للمبدع.. كيف تولد ثانية ؟
المصدر: القاهرة- (خاص)

جرب أن تسأل مبدعا أو أديبا مشهورا عن أهم محطاته الإبداعية وأقرب نصوصه إلى قلبه وعقله ووجدانه, ثم ذكره عامدا بروعة نصه الأول حتى يفيض بشوق التذكر, ستدرك من عينيه كيف تتغير ملامحه وهو يتذكر قلق النشوة الأولى وهنا مكمن الفرح الحقيقي.

الأديب الراحل نجيب محفوظ، الذي كان على الدوام يتذكر بداياته الأولى فيقول عنها : ” في البداية جاءتني الكتابة هكذا مباغتة، ولم أفكر في خطة لها، لكني فجأة شعرت بأسر تلك الهواية، وبعد فترة بدأت أعي ما أكتبه وما أفعله، وأيقنت تماما أنني وأبناء جيلي في طريقنا لتأسيس فن الرواية العربية، كان الطابع الذي يسيطر علي كتاباتي عموما، هو الطابع الانفعالي، ولا أتذكر بالضبط العمل الأول الذي نشر لي، لكن أعتبر كتاباتي التاريخية “ليالي ألف ليلة وليلة”.

هكذا تبقى الكتابات الجديدة بمثابة جسر العبور بين أجيال متعاقبة ومتواصلة من المبدعين , ومع استمرارية الأجيال الأدبية، تظل قضية الانبهار بالنص الأول نشوة وروعة خاصة بالنسبة للكاتب.. إنها “لذة” تشوبها حالة قلق، لا يشعر بها إلا من مر بتجربة نشر النص الأول، الذي سيضع فيما بعد عجلة قاطرة المسيرة الإبداعية للكاتب عند بداية نقطة الشروع، وقد تستمر الرحلة، أوتتعثر عند محطات ما، أو تمضي لتكشف عن أماكن وعوالم لم تمر بها تجربة أديب آخر.

السطور التالية تحاول سرد مجموعة من الذكريات وردود الأفعال بعد نشر النص الأول من قبل مجموعة من الكتاب، ولاشك سيكون فيها حضور عدة تأثيرات واعتبارات فكرية وإبداعية فضلا عن تفاوت رؤية الأجيال لنصوص أجيال أخرى.

حجازي: مصر أسهمت بنصيب وافر بحركات التجديد

يقول الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: إن الكلام عن النص الأول، أو الكتابة الجديدة، التي مازالت تبني مشاريعها الخاصة يجبرنا على الإعجاب بالرؤى الإبداعية المتنوعة والثرية.. فمصر أسهمت بنصيب وافر ومؤثر في حركات التجديد المتوالية، ابتداءً من التجديدات الكلاسيكية والرومانتيكية حتى التجديدات المعاصرة، وهنالك العديد من الشعراء والمبدعين المجهولين، أوقن أنهم موجودون ومتحققون إبداعياً، ولكن للأسف لا تمتد لهم يد تقوّم خطاهم أو تساعدهم علي التقدم والظهور.

ويضيف: وبالنسبة لمن يكتبون نصوصهم لأول مرة، فأدعوهم إلى مزيد من الاهتمام باللغة؛ لأنها العماد الرئيسى للإبداع الكتابي سواء شعرا أم قصة.. كذلك عليهم عدم الرضوخ إلى المقولات النقدية الجاهزة، والاستمرار في كتاباتهم دونما الاستناد إلى المفاهيم المسبقة، وأيضاً عليهم الاهتمام بخلق الجمهور؛ لأن الكتابة الإبداعية تستلزم دائماً وجود المتلقي الذي من دونه تسقط العملية الإبداعية في فجوة اللاجدوى.

الغيطاني: “بداية أهل الورى” نصّي الأدبي الأول

عن تجربته الأولى، يتذكر الروائي جمال الغيطاني تلك الفترة، ولا يستطيع أن يحدد أول نص بالضبط، إلا أنه يتذكر علاقته القديمة بنجيب محفوظ، ودور “عبد الفتاح الجمل” في إظهار هذا الجيل، من خلال جريدة “المساء” التي كانت منبرا مهتما بقضايا هذا الجيل وإبداعه الأدبي.

ويروي الغيطاني الوقائع الأولى لقراءته وكتابته وأول عمل ينشر له، وهو “بداية أهل الورى لبعض ما جرى في المقشرة”، وهي عبارة عن إرهاصات تراثية أولى شكلت فيما بعد روايته “الزيني بركات”، وعن هذه الإرهاصة الأولى يقول: إن بدايتي كانت في جريدة “المساء” التي كانت تتبني معظم أبناء جيلي، وقد نشرت فيها بعض القصص، إلا أنني لم أشعر بجمال وروعة النص الأول إلا بعد نشر “بداية أهل الورى”، وقتها – فقط – شعرت بأن مجهودي في القراءة واسترجاع التراث، ورغبتي في إعادة كتابة هذا التراث في صورة قصصية أو عمل إبداعي يتوافق مع حالة العصر هي التي شكلت فرحة ظهور العمل الأولى لي، وهو خلاصة تجربة امتدت لسنوات طويلة من القراءة والكتابة، في عيون الأدب العالمي، وفي التراث العربي والإسلامي، لذلك كان وقع ظهور هذا العمل لأول مرة تتويجا وتحفيزا لموهبتي ولشعوري الداخلي بالحاجة للكتابة.

الخياط: نعيش الآن فترة ازدهار العمل الروائي

وبالنسبة للناقد والروائي إدوار الخراط، فإنه يضع نفسه في موقع المؤيدين والمعجبين بأي نص أدبي جديد يحمل معه مواقع اكتشاف جديدة؛ فيقول: “إننا لم نشهد حقبة ازدهرت فيها الحركة الإبداعية في الرواية والقصة والشعر، كما تزدهر الآن، بتنوع مدهش في الرؤي والصياغات وتعدد غني وشديد الثراء في الأصوات والمغامرات.. وهذا كله يجعل حفاوتي بالإبداعات الجديدة لا حدود لها وتأتي في السياق نفسه الذي أطلقت عليه “الحساسية الجديدة” أو “الكتابة غير النوعية”، وأهم ما يميز هذه الكتابة أنها مهما بلغت من الكفاءة والموهبة وحسن الصنعة فهي لا تثير اهتمامي أو إعجابي إلا بقدر دخولها في مجال المغامرة والتجريب الإبداعي، والسعي إلى كشف مناطق غير مأهولة، حتى وإن شابها بعض أوجه القصور؛ فالمغامرة تغفر لك ذلك.

الكفراوي: تشيكوف صاحب الأثر الأكبر بكتاباتي

بينما يعترف القاص سعيد الكفراوي بتلك الحالة الفضولية التي صاحبت نشأته الأولى ونهمه الشديد للقراءة.. مؤكدًا أن هذه المرحلة هي التي شكلت الوعي الكتابي الأول الذي اعتمد عليه فيما بعد.

ويضيف: ربما كان “أنطون تشيكوف” صاحب الأثر الأكبر في كتابتي عندما قرأت له إحدى المجموعات القصصية التي يتحدث فيها عن البسطاء والمهمشين وطبقة الشعب الكادح، ومن ثم أنجذبت إلى تلك المنطقة، ولكن من منظوري الخاص ومن معطيات بيئتي، ولم أنفصل عن القراءة أبدا خصوصا في بداية حياتي، وهذا الاتصال المستمر كان هو المحرك الأساسي الذي دفعني لإنجاز شيء يعبر عن تلك المنطقة المهملة، منطقة البسطاء والمهمشين، ومن ثم بدأت أتخذهم ركيزة لكتابتي، مستفيدا من كل معطيات التراث والأدب العالمي الذي تعاطيته منهم قبل بدء الكتابة وبعدها حتى استطعت إنجاز أول عمل قصصي كامل لي وهو “مدينة الموت الجميل”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث