مع “سحرة الأرض” انتقلنا من فنّ عالمي إلى عولمة الفن

مع “سحرة الأرض” انتقلنا من فنّ عالمي إلى عولمة الفن
المصدر: إرم -(خاص) من مدني قصري

في العام 1989 اشترك مركز بومبيدو وقاعة فيليت، بباريس، في تقديم “سحرة الأرض” وهو معرض مميز وغير مسبوق كان الهدف منه هو التأكيد على أن الإبداع الفني المعاصر ليس مقتصرًا على الغربيين دون سواهم. لقد عُرضت أعمالُ نحو خمسين فنانًا من خمس قارات، إلى جانب أعمال فنانين من المسرح المعاصر، أمثال مارينا أبراموفيك، وكريستيان بولتانسكي، ولويز بورجوا، ودانييل بورين، وبربارا كروجر.

هذا المعرض الذي عرَف صدى واسعًا في تلك الفترة ما لبث أن ظهر مع الوقت كواحد من الأوقات المؤسِّسة لصيرورة عولمة الفن المعاصر. وقد رغب مركز بومبيدو في أن يكرس الذكرى الخامسة والعشرين لهذا الحدث الرائد، بتنظيم سلسلة من اللقاءات خلال هذا العام.

وقد أجرت إيمانويل جاردونيت حوار مع آني كوهن سولال، المحافظ العام لمجموع الفعاليات التي تم تنظيمها في إطار هذه الذكرى، نشر في صحيفة لوموند الفرنسية.

* كيف وُلد هذا المشروع ليسجل مرور 25 عامًا على معرض “سحرة الأرض”؟

– لقد شاهدت المعرض العام 1989، قبل أن يتم تعييني مستشارة ثقافية في الولايات المتحدة الأميركية. لقد حملت المشروع معي في حقائبي عند ذهابي إلى هناك، بعد أن رأيت فيه تطبيقًا لأفكار جون بول سارتر الذي نشرتُ سيرته توًا. كان مدّاح تصفية الاستعمار هذا يُنبئ بتحوّل مركز العالم منذ أربعينات القرن الماضي. ومع هذا المعرض أخرجت جون هوبر مارتين إلى النور ثقافةً غير مرئية. وبالنسبة لي كان المعرض مؤشرًا لميلاد مرحلة تاريخية، نشهد فيه ميلاد ثقافة عالمية جديدة. فالفن يستحوذ دائما على المجتمع. وفي الوقت نفسه، في نيويورك، قلب صاحبُ الغاليري الفني ليو كاستيلي، التاريخ الاجتماعي للفنان رأسًا على عقب، حيث نقله من وضْع الشخص المنبوذ إلى وضع البطل. معرض “سحرة الأرض” عبارة عن “معرض عتبات” إذ يفتح عهدًا جديدًا في العالم. ففي العام 2008 التقيتُ ألان سيبان (الذي عُيّن في تلك اللحظة رئيسًا لمركز بومبيدو) في نيويورك، وتحدثنا كثيرًا عن هذا المعرض، في حوار انتهى بنا إلى هذه الإرادة في تكريس هذه الذكرى، بسلسلة من المبادلات والحوارات.

*كيف تفسّرون صدى هذا المعرض عبر الزمن؟

– اعتمد ذلك المعرضُ على نوعٍ من الحدس السليم. لقد واكب سقوطَ حائط برلين، وتيانانمين، والتمييز العنصري، قبل ظهور قوى الجنوب الكبرى بقليل. وكان آخرَ معرضٍ كبير ينظَّم خارج عهد الإنترنيت. لقد طرح هذا المشروع الرهانات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جاءت لتنبئ بميلاد عولمة الفن. فيما لم يكن يتحدث في الفن حتى تلك اللحظة سوى مؤرخي الفن والأنتروبولوجيين والمؤرخين. وقد طُرح أيضًا دور النقد، ومكانة الفنان ومكانة المحافظ، وحتى مكانة المتحف. وهكذا تم الانتقال من عالمية الفن، برؤية الفيلسوف والروائي الفرنسي أندريه مالرو،للحداثة الغربية من ناحية، والإنثونوغرافيا من ناحية أخرى، إلى عولمة الفن: فنّ معاصر يوضَع كل واحد فيه على المستوى نفسه. لقد صار معرض “سحرة الأرض” بالفعل موضوعَ أطروحات، وجدل، لأنه طوّر نظرة الناس حول الفن المعاصر. .

*وقد كان أيضًا موضوعَ انتقادات كثيرة…

– ليس الأمر مرتبطًا بالترويج لهذا المعرض، بقدر ما هو مرتبطٌ بإعطائه بُعدًا نقديًّا، وتحديد الجوانب التي جعلت منه معرضًا مُهمًّا وأساسيًا. والأمر بلا شك، مدهش كثيرًا، لأنه، في النهاية، لم يذهب لرؤيته سوى عددٍ محدود من الأشخاص. حوالي 300 ألف شخص لا أكثر، توزّعوا ما بين مركز “بوبورغ ومركز “فيلات”. ومع ذلك الجميعُ تحدث عنه. لقد أخِذ عليه على الخصوص نقصُ الانسجام في طرق اقتناء الفنانين بحسب البلدان أو القارات. ففي الصين، مثلا، ذهب فريق “جون هوبر مارتين” للبحث عن فنانين في مدارس الفن التي كانت فضاءً للتآمر. وفي إفريقيا، في المقابل، قدّر أعضاء هذا الفريق أن مدارس الفن تحاكي القوانين الغربية في الفن، وذهبوا يبحثون عن فنانين متآمرين في أماكن أخرى، في أكثر الشبكات ريفيةً. ولهذا كان هذا التنافر صدمةً للجميع، إذ شعَر الأفارقة أنه يتم اتخاذ القرار بالنيابة عنهم، وليس بالتعاون معهم. وقد أدى هذا إلى إنشاء معارض للفن المعاصر تنظَّم كل سنتين في إفريقيا، لأنّ العديد من الفنانين أصيبوا بالرعب، لأنهم لم يتلقوا دعوةً للمشاركة في المعرض.

* قريبًا ستُصدرون كتابًا حو ل” سحرة الأرض”، فما الذي يميّز هذا الكتاب عن كاتالوج الفترة الماضية؟

– لقد قرّرنا في هذا الكتاب ألا نحتفظ إلا بأشياء الكاتالوج الأصلي، الذي سرعان ما أصبح مفقودًا. إنّ ما كان يهمّنا كثيرًا هو إبرازُ الفاصل ما بين المعرض في السابق وبين ما حقّقه من تحوّلٍ عميق. لقد طلبنا من كل الفنانين الأحياء أن يشهدوا ويشرحوا ما الذي غيّرته التجربة في نظرتهم الخاصة للفن. لقد كان الكاتالوج في شكله الأصلي عبارةً عن أطلس أختير له غرافيك مميز: كان الأصل الجغرافي لكل فنان يشار إليه على خريطة، يظهَر فيها هذا الفنان في كل مرّة وكأنه في مركز العالم. ففي عالم ما بعد تصفية الاستعمار لم يعد “الأخر” مجرد “شيء” بل صار يتصف بصفة الموضوع. ونظرًا لهذا التأثير الحاسم الذي فرضه هذا المعرض الفرنسي في الخارج فإننا نتمنى أن يترجَم هذا الكتاب (الذي سيصدر في شهر حزيران القادم) إلى اللغة الإنجليزية، حتى يصبح متاحًا للمهتمين بهذا المعرض خارج فرنسا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث