“بدايات” أمين معلوف: بحث في أرشيف العائلة

“بدايات” أمين معلوف: بحث في أرشيف العائلة
المصدر: أبو ظبي ـ (خاص) من إبراهيم حاج عبدي

مثل بطل أسطوري خارج من صفحات إحدى الملاحم الإغريقية، يصغي أمين معلوف إلى الصدى القادم من الزمن الغابر متسلحاً بقلم رشيق، ومهتدياً بلهفة تغلي بين الجوارح ليبحر في الذاكرة الحالكة لسلالة قلقة، باحثا في ثنايا هذا الماضي البعيد عن الدروب لا عن الجذور، “فالجذور تتوارى في التربة، تتلوى في الوحل، تنمو في الظلمات، تبقي الشجرة منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز “لو تحررتِ، تموتين!” ولأن معلوف لا يطيق القيود بل يتنفس النور، ويطمع في السماء، فهو يسلك الدروب المشرعة على المدى، يقتفي في تعرجاتها آثار خطوات من رحلوا، ليرتحل هو الآن على تلك الدروب التي تقوده من القرى الصغيرة المتناثرة على سفوح الجبال اللبنانية مثل “عين القبو” حيث ولد العام 1949، و “المَشرَع”، و”كفريقدا” إلى زحلة، وبيروت ومنها إلى دمشق، وحلب، والقاهرة، واستنبول، وباريس، ونيويورك، وهافانا…محاولا إعادة تجميع ما تشظى وتفكك من الصور والمشاهد، والوقائع، والأحداث لعائلة معلوف ليوثقها في كتابه الجديد “بدايات” الصادر عن دار الفارابي (بيروت)، بترجمة نهلة بيضون.

أمين معلوف الذي كتب قبل سنوات كتابا بعنوان “الهويات القاتلة” والذي أبرز فيه نزوعه الإنساني الخالص، ورفضه لكلمة “الهوية” الماكرة، فكل شخص دون استثناء ـ حسب قوله ـ “يتمتع بهوية مركبة، ويكفيه أن يطرح بضعة أسئلة ليستخرج كسوراً منسية، وتشعبات لا شك فيها، وليكتشف انه مركب وفريد ولا يستبدل”، يسعى في كتابه “بدايات” إلى تأكيد هذا المنحى. فهو لم يشعر يوماً بانتماء ديني حقيقي، ولم يحس يوما بانتساب كامل إلى أمة من الأمم، لكنه يتماهى بسهولة مع مغامرة أسرته الكبيرة تحت كل السماوات. فمعلوف ينتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون “مواطننا واحات نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ وسفن”. رنين الاسم فحسب هو الذي يجمع كل هذه التواريخ، واللغات، والأجيال، والوقائع. اسم بدأ في مكان ما جنوب الجزيرة العربية وتاهت آثاره في ليل الأساطير، وها هو يحيي هذه التواريخ لأن “إعادة إحياء الزمن الغابر توسع آفاق الحياة” كما يرى صاحب “موانئ الشرق”.

ليس سهلاً على امرئ ينتمي إلى عائلة تقدس السر، ويعاب عليها الإفراط في الصمت ونزعة التكتم ـ حسب وصف الكاتب لعائلته ـ أن يدوّن كل هذه الصفحات بمنتهى الصفاء، والشغف والحنين، وبتلك الروح التي لا تعرف الملل، فيغوص في تاريخ أسلافه، وينقب في أرشيف العائلة الذي علاه الغبار، ويفتح دفاتر الذاكرة البعيدة ليقرأ في سطورها تراجيديا حزينة عاشتها عشيرة “بني معلوف” التي ينتمي إليها الكاتب. يستحضر صاحب “صخرة طانيوس” الأموات، والأحياء، والأطياف يستنطقهم كما لو انهم يمتثلون أمام محكمة التاريخ، إذ يجبرهم معلوف على البوح، والمكاشفة. يزيل عن وجوههم الأقنعة، يرصد تحولاتهم، وآراءهم، ومشاعرهم، وعداواتهم كأنما يعيد ترتيب الحياة التي عاشوها وانقضت. وهو إذ يتقصى أحوالهم وأقدارهم، يجد نفسه سارداً لقصص وحكايات وتواريخ أخرى موازية لهذا السفر العائلي. فيتحدث عن نهايات الإمبراطورية العثمانية، وظهور جمعية “الاتحاد والترقي”، ويشير إلى مذبحة الأرمن على يد الأتراك في بدايات القرن العشرين واصفا إياها بـ”الرهيبة”، كما يتحدث عن الحركة الماسونية، وعن المذابح الطائفية في جبل لبنان العام 1860 التي راح ضحيتها آلاف الأشخاص في ظروف قاسية، وينقل صورا مروعة عن المجاعات التي حلت بقرى جبل لبنان وما خلفته من مرارات في النفوس وفي القيم، فآثر الكثير الرحيل إلى بلاد الاغتراب التي لم تكن أكثر رأفة من الوطن الأم فيتناول معلوف معاناة هؤلاء المهاجرين في البلاد النائية، يصور خيباتهم وأحلامهم غير المحققة، ويتحدث ـ فضلاً عن عائلته ـ عن التجار، والقساوسة، والمتدينين…عن الحالمين، والعشاق، والمعتوهين ليرسم بذلك خارطة لوطن وحيد لا يعرف معلوف سواه هو مسار هذه السلالة الصاخبة والمتشعبة.

يجمع معلوف مادة كتابه من مئات الوثائق والرسائل التي يدرج بعضا منها بحرفيتها في الكتاب، كما يستند إلى الصور التي خلفتها العائلة يراقب ألوانها الباهتة وشخصياتها الغارقة في اللحظة الغامضة والأبدية. يخالجه على الدوام إحساس بالضياع وسط كل هذه الرسائل غير المحددة الهدف، غير المقروءة، غير المؤرخة والموقعة في اغلب الأحيان، يتنفس وسط هذه الحيوات المتشظية في غبار الكلمات “فكان لا بد من التلمس، والتكهن، والخلط أحياناً” بين الخيال، والأسطورة، والسلالة، كما يعتمد على الأحاديث الشفوية التي جرت بينه وبين أقاربه الأحياء، يقارن، ويحلل، ويستنتج. وهو لا يكتفي بذلك بل يسافر إلى المدن البعيدة يقرأ شواهد القبور، ويلتقي مع من عرف أسلافه ويلوم نفسه على تلك اللامبالاة المفجعة إزاء أهله حتى هذا التاريخ، “لأنني تركت كل المسنين من أسرتي يرحلون الواحد تلو الآخر ولم أجشّم نفسي عناء استجوابهم”، فاقداً بذلك ثروة لا تقدر بثمن، رغم تميزه بطبعه المتفحص بحثاً عن اصل كلمة ما أو معرفة تاريخ مولد موسيقار تشيكي مثلاً، “كم ألوم نفسي على افتقاري للفضول، فوجود العجائز كنز نبدده بالملاطفات والثرثرة ثم نظل إلى الأبد في جهل ووراءنا دروب غير واضحة ترتسم لبرهة ثم تضيع وسط الغبار”. رغم ذلك، يقول الروائي؛ الحائز جائزة غونكور الفرنسية العام 1993، “الحقيقة قلما تكون مدفونة، بل هي تتوارى فقط خلف ستائر الخفر، والألم أو اللامبالاة ولا بد ان يرغب المرء بشغف إزاحة هذه الستائر”.

يخصص معلوف الصفحات الأكبر من كتابه لجده لأبيه بطرس وزوجته نظيرة جدة الراوي. فقد عرف عن بطرس على أنه شاعر، وخطيب، ومتمرد “كان يعتبر جملة واحدة مقتبسة من كتاب، أكان مقدساً أو دنيوياً، لا يستبدل حجة عقلانية، ولا يغني المرء عن التفكير بعقله”. وهو عارض الانتماء الديني للإنسان منذ الولادة “بل لا بد من البحث، والتأمل، والقراءة، والمقارنة ثم الانتماء بحرية إلى عقيدة إيمانية يختارها المرء انسجاماً مع مبادئه” وهو ما يعتبر ثورة حتى بمقاييس الحاضر. وسوف يسمي أولاده بأسماء توحي بصفات إنسانية أو بتطلعات سامية مثل “فخر”، “ضمير”، “رجاء”، “انتصار”، “كمال” ولن تلصق بهم أي هوية دينية. وكرس هذا الجد نفسه بالفعل لإصلاح البشر، وقهر الجهل، وصحوة شعوب المشرق. ولشدة إعجابه بمصطفى كمال يصر على تسمية إحدى بناته باسم كمال التي يهديها معلوف الكتاب مع آخرين. ويعرب معلوف عن استغرابه من سلوك جده الشاعر في الموالاة فهو مدح في قصائده السلطان عبد الحميد، وحين جاء شقيقه رشاد مدحه أيضا، كما مدح الضابط التركي المتمرد أنور الذي انقلب على السلطنة العثمانية ثم انقلب على الجيش الأحمر وتوفي في عام 1922 ثم يمدح الجد بطرس مصطفى كمال أتاتورك، وبعده يغازل السلطات الفرنسية ويطلب مساعدتها في دعم مدرسته في الضيعة. ولئن بدا هذا المزاج المتقلب لجده مستهجناً إلا أن معلوف لا يعلم الكثير من التفاصيل التي قادت جده لاستبدال مواقفه ليبرر للجد هذا السلوك بالقول المقدس مع التحوير: “ومن لم يبدل مواقفه، فليرمه بحجر”.

ويهتم كذلك بسيرة عمه الأكبر جبرائيل، شقيق بطرس، الذي عاش حياة تراجيدية إذ سافر إلى نيويورك والتقى هناك بمنفيين كوبيين فارتبط بهم، وتبنى لغتهم ونضالهم، ثم لحق بهم إلى هافانا وأسس شركة كبيرة وأصبح ثرياً لكنه مات في حادث سيارة مفجع في كوبا. ويسرد الكاتب في الصفحات الأخيرة شيئاً عن والدته أوديت ووالده رشدي قائلاً عن الأخير “أنا محظوظ بأب فنان كان يحدثني على الدوام عن مالارميه، ومايكل انجلو، وعمر الخيام” وسيلمع اسم والده في الصحافة والشعر “وكنت اكن له الإجلال مذ كنت طفلاً بحيث لم أفكر بممارسة مهنة أخرى غير مهنته: الصحافة والأدب”.

كان جده بطرس لا يريد أن يعامل بتسامح، “وأنا حفيده، لا أريد ذلك بدوري، بل أطالب بالاعتراف الكامل بحقوقي كمواطن دون اضطراري للتنكر للانتماءات المؤتمن عليها، وهذا حقي غير القابل للانتهاك، والمجتمعات التي تحرمني منه أشيح بوجهي عنها بتكبر وعلياء”. تلك هي النزعة التي تحرك مسار هذا الحفيد أمين معلوف الذي يقدم في هذا الكتاب تحية حارة إلى عائلة خلفت وراءها محطات كثيرة… سافرت، وارتحلت، وانتظرت على أرصفة الموانئ، و”رسمت خطوطاً في الرمال”، ولم تكن تعلم أن أحداً من أبنائها سيأتي ذات يوم ليعيد ترتيب هذه الحياة الصاخبة، المتناثرة بين المدن شرقاً وغرباً، المليئة بالخيبات، والأحزان، والصداقات، والأفراح، والانكسارات… وكأن صاحب “حدائق النور” قد حاول ترجمة ما يقوله غابرييل غارسيا ماركيز: “الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره، ليرويه”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث