موسى بن ميمون.. فيلسوف يهودي بعقلية إسلامية

موسى بن ميمون.. فيلسوف يهودي بعقلية إسلامية
المصدر: إرم- (خاص) من إميل أمين

لا يخلو تاريخ أية حضارة من المبادلات الأدبية التي تعد نتيجة حتمية لتواصل الحضارات فيما بينها خاصة وأن الحضارة لا تنشأ بمعزل عن سائر الحضارات الأخرى، وعند النظر إلى تاريخ الفكر اليهودي في ظل الخلافة العربية الإسلامية نجد أن احتكاك اليهود بالعرب كان له أعظم الأثر في ارتياد الثقافة اليهودية لآفاق معرفية حداثية شديدة التباين عن نتاجها الثقافي التقليدي.

وعند النظر إلى عالم بن ميمون نجد أنه بالرغم من أنه تبوأ منصب رئيس الطائفة اليهودية في مصر، واشتغل بتفسير الكثير من النصوص اليهودية المقدسة إلا أن عقليته كانت عربية إسلامية خالصة حيث أن نتاجه الفلسفي والديني سواء الذي كتبه باللغة العربية أو باللغة العبرية يتطرق إلى قضايا الذات والصفات الإلهية، وخلق الكون والإنسان، والنفس البشرية والجبر والاختيار، والبعث والخلود والسعادة الإنسانية، تلك القضايا التي كانت تمثل في مجملها محاور الفلسفة العربية الإسلامية.

مؤلفة هذا الكتاب أستاذ الفلسفة اليهودية بجامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية “البروفيسورة تامارا رودافسكي” ، تحاول بجدية علمية إظهار حقيقة فضل الثقافة العربية الإسلامية على فلسفة وفكر موسى بن ميمون، إذ لا يخلو فصل من فصول هذا العمل من الإشارة إلى أن فلسفته تعد تلخيصا أمينا ودقيقا لما أنتجه العقل العربي في العصور الوسطى.

هل من حجر زاوية في هذا الكتاب؟

بالقطع إنه صيحة مناهضة ومجافية لحديث صموئيل هنتغنتون عن صراع الحضارات، فتاريخ الفكر اليهودي في الأندلس خير دليل على تواصل الثقافات فيما بينها، إذ تأثرت الثقافة اليهودية في ظل الخلافة العربية الإسلامية بالأندلس بكل فنون الأدب العربي وبالفلسفة العربية الإسلامية، وكان تأثر الفلسفة اليهودية بالفلسفة العربية شاملا إلى الدرجة التي يروق فيها لبعض الباحثين الغربيين إطلاق تعبير الفلسفة المتأسلمة على كل ما أنتجه اليهود في المجال الفلسفي.

ماذا قال العرب والمسلمون عن موسى بن ميمون ؟

حظي الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون باهتمام الباحثين عبر كل العصور، حيث رأى أستاذ الفلسفة الإسلامية بالجامعة المصرية الشيخ مصطفى عبد الرازق في ثلاثينات القرن المنصرم، أنه ليس من الممكن التعامل مع ابن ميمون بوصفه يهوديا، فيقول: “إنني ممن يجعلون ابن ميمون من فلاسفة الإسلام، وقلت في كلمة ألقيتها في حفلة ابن ميمون بدار الأوبرا في أول نيسان/أبريل 1935، ما نصه … أبو عمران موسى بن ميمون فيلسوف من فلاسفة الإسلام”.

بمن تأثر ابن ميمون من فلاسفة العرب؟

من خلال تحليل كتابات ابن ميمون نكتشف أنه تأثر في أعماله شديد التأثر بالفارابي، ومن هنا فإنه كثيرا ما يوصف بأنه التلميذ الأمين لفلسفة الفارابي، ويستدل الباحثون على هذا التأثير بأحد خطاباته التي بعثها إلى مترجمه، والتي جاء فيها: “لا تدع كتب المنطق تشغلك كثيرا سوى تلك التي ألفها أبو نصر الفارابي، إن كل ما ألفه الفارابي يتسم بقدر كبير من الحكمة، وأن أفكاره تساعد المرء على فهم الحقائق، وأن الشك لا يرقى إلى حكمته”.

وكان للكشف عن هذا الخطاب الذي بعثه ابن ميمون إلى مترجمه، والذي أعلى فيه من شأن الفارابي أعظم الأثر في قيام كثير من الباحثين بالكشف عن مدى تأثره بكل ما أنتجه الفارابي.

كان موسى بن ميمون يحظى قبل وفاته في عام 1204 بشهرة واسعة بوصفه واحدا من أهم مفكري اليهود في كل العصور، وكان لتصنيف ابن ميمون للتلمود فضلا عن تفاسيره العديدة لكثير من الأعمال الشرعية ناهيك عن إسهامه الفلسفي أعظم الأثر في شغله لمكانة عظيمة في الفكر اليهودي حتى يومنا هذا.

لقب ابن ميمون بعد وفاته بمسمى “النسر الأعظم” نسبة إلى الفقرة الثالثة من الإصحاح السابع عشر من سفر حزقيال وهو أحد انبياء بني إسرائيل الكبار وأصحاب الفكر الريوي الهام ، ولا يشير هذا المسمى إلى تأثيره العظيم وتاريخه المتنوع بقدر ما يشير إلى تأثيره البالغ في كل الأجيال التي تلته في تاريخ الفكر اليهودي عبر الأجيال المختلفة وفي كافة أماكن الدياسبورا اليهودية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث