أنفاق غزة حفراً وردماً

أنفاق غزة حفراً وردماً

أنفاق غزة حفراً وردماً

عدلي صادق

ربما يكون الجانب الأمني المصري، قد أجهز الآن على أنفاق الحدود بين قطاع غزة وسيناء. هناك جانب يُحال الى ذكرى الأعمال الفلسطينية الإعجازية، في مواجهة مصاعب الحياة والحصار، لا سيما عندما يزيد عدد الأنفاق، في مرحلة ما، عن الألف، أو يتسع لكي يصبح طريقاً للسيارات، وأن تتخلله آليات نقل، وسكك حديدية، وتهوية، وإضاءة، ومنظومة اتصالات.

 

ملحمة الأنفاق هذه، بدأت مع بدء انتفاضة الأقصى، وكانت متنفساً لمجتمع يقاتل. غير أن السياق، اختلط منذ الشهور الأولى، بكل ما يُحال الى الجانب السلبي من هذه التجربة المدهشة، إذ اختلط نقل المستلزمات الضرورية، بالكماليات، وبما يلبي جشع التجار، ليشتمل حتى على نوع من العصافير التي يبتاعها الطرف الإسرائيلي بأثمان مجزية.

 

وبإحالة الأنفاق الى إرشيف الحكايات، يطوي الفلسطينيون والمصريون على الجانب الآخر، هذه التجربة التي ينبغي أن تُختتم بعبرتها واستنتاجاتها السياسية والأمنية. فقد حُفرت الأنفاق في عهد مبارك، وترُكت الشاحنات تنقل كل ما يريده “المستوردون” على مرمى ومسمع من الأجهزة الأمنية المصرية. ولما اشتكت إسرائيل للدولة المصرية، رد مبارك سلباً على المحتلين، بطريقة كاريكاتورية: “لكل نفق فتحتان، فليغلقوا هم الفتحة التي من عندهم”!

 

غير أن الدولة التي رأت من واجبها غض الطَرْفْ، وهي ملزمة بتعاقداتها مع إسرائيل ومع الأطرف الدولية، فيما يتعلق بالمعابر؛ وجدت نفسها متأذية من الأنفاق، علما بأن الواجب، على الطرف الفلسطيني، كان يقتضي الجمع بين مصلحة قطاع غزة في الحصول على مستلزمات السكان، ومصلحة الطرف الآخر المتغاضي تماماً عن موضوع الأنفاق.

 

 وللأسف حدث العكس، بل عندما واجهت الدولة المصرية الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وحاولت التذرع بصعوبة السيطرة من الناحية الفنية، وعرض الأمريكيون نظاماً لضبط الوضع على شريط الحدود؛ تماشى المصريون مع العرض مدركين أنه غير فعال، ولن يستطيع الإجهاز على الأنفاق. في تلك الفترة، هاج وماج الإسلامويون لمجرد الإعلان عن النبأ، علماً بأن “التطمين” كان متاحاً.

 

وتكفل الشيخ القرضاوي بالفتوى التي أهدرت دم الدولة المصرية والقائمين عليها، وصارت المعزوفة تركز على “جدار حديدي” وتلك تسمية أجّجت مشاعر الأبعدين، لأنها “الديماغوجيا”. فلم يكن الأمر يتعلق بجدار حديدي ولا ما يحزنون.

 

كان عبارة عن مجّسات تسجل الحركة في باطن الأرض، وتحيلها الى غرف يسيطر عليها المصريون الذين يعرفون فتحة كل نفق، ووجهة كل شاحنة، ويتغاضون. وظل القرضاوي مع “الجزيرة” و”حماس” يلعلعون، كأنها مظلومية تخنقهم وتعطل تحرير القدس. أما الأقربون، والمعنيون بمعرفة الحقيقة، فقد تأكدوا أن لا جدار حديدياً ولا اسمنتياً، بل إن القاطع الذي غُرست فيه المجسّات، كان هو الأنشط حركة.

 

وظلت الشاحنات تنقل كل شيء، وتقوم بتجريف سوق الأسماك في العريش صباح كل يوم، فيما القرضاوي يعلن عن إهدار الدم!

المصريون من جانبهم، واجهوا الرياح العاتية بالصمت. إذ كيف سيجد ناطق رسمي مصري، الصيغة التي يدفع بها الفتاوى الحمقاء و”الديماغوجيا” اللئيمة، بينما ليس في وسعه، البتة، أن يعلن عن أمر نقيض، يُكذب الكاذبين؟ هل يقول الناطق المصري ــ مثلاً ـ إن الأنفاق بخير، وإن الحركة منها واليها نشطة وسليمة، ونحن لا نعطل شيئاً؟!

 

حركة الأنفاق، انتجت مليونيرات على جانبي الحدود. ومثلما كظم الناس في غزة، غيظهم من الجبايات والرسوم ومن قرارات “وزارة الأنفاق” في حكومة هنيّة ومن ظهور شريحة مليونيرات؛ فقد كظم المصريون السيناويون غيظهم من نمو شريحة مليونيرات أخرى، من عناصر عندهم، لم يكن الواحد فيهم يحلم بركوب حمار هزيل، أو امتلاك عنزة، فإذا به يقود سيارة من ذات الدفع بالعجلات الأربع ويشتري قطعان الماشية والأراضي ويعمر القصور. هنا أيضاً اشتغلت الكيديات، واختلط الحابل بالنابل، وظهرت عناصر لبيع الخدمات لطارئين ومخدوعين، ممن انتموا للجهادية السلفية، وتفشت المخدرات، وانفلت الأمن، لأن المجتمع الذي هو على تماس مع الأنفاق، ظن أن الدولة ضعيفة، وأنها تتغاضى بسبب ضعفها وليس بسبب تعاطفها. ولما وصل د. محمد مرسي الى الرئاسة، التزم سياق تأمين المعونة من تحت الأرض، وكان كمبارك تماماً ــ أو حتى أقل تغاضياً ــ لأن تدبير حركة النقل، من فوق الأرض، وفق معطيات المرحلة والواقع، ليست قراراً مصرياً وحسب!

 

ظاهرة الأنفاق كلها، باتت عبئاً على المصريين في هذه المرحلة العسيرة. والتجربة كلها، تقتضي الفلسطينيين العودة الى مربع الخيار بين أمرين طرحهما الاحتلال على مصر، منذ أن نفذ انسحابه من غزة، من طرف واحد، مع الاستمرار في محاصرة المنطقة: إن فتحتم المعبر المصري مع غزة، دون الأخذ باتفاق 2005 (وهذا ما كان الاحتلال يريده) سنغلق اتصال غزة بالضفة الغربية، وسنُخرجها من الغلاف الجمركي الذي يجمعها بالضفة، وستكون حدودنا الشرقية والشمالية مع قطاع غزة، مغلقة تماماً. !

 

هنا، كان للسياسة كلمتها، وهي أن إغلاق غزة من الشمال ومن الشرق، وفصلها عن الضفة وعن غلافها الجمركي، من شأنه أن ينتج أمراً واقعاً، تتحول بمفاعيله، مع الأيام، الأرض التي نريدها ذات وحدة تمامية جغرافية وسياسية، الى منطقتين لكل منهما سماتها السياسية والاقتصادية، ما يعني الإجهاز على مشروع الدولة الفلسطينية!

 

اختار المصريون الإغلاق نظرياً، لحين العودة الى تنفيذ اتفاق 2005 مع الفتح عملياً، تحت عناوين الضرورات الإنسانية. ووفق هذه المعادلة، تكاثرت الأنفاق وتناسلت، لتغطي النقص الناتج عن شرط إدخال البضائع، عبر منفذ “كرم أبو سالم” تحت مراقبة الاحتلال. وفي السياق، أوفت الأنفاق وكفّت، حتى أدخل الإسلاميون مصر نفسها، في حال الانفلات الأمني، لنصبح أمام تطور آخر، تُهدم فيه الأنفاق!

adlishaban@hotmail.com

 

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث