اللبنانيون يُنشلون في وضح النهار

النشل يتفشى في لبنان والجهات الأمنية تتجاهل الموضوع مما يضعف هيبة الدولة اللبنانية.

اللبنانيون يُنشلون في وضح النهار

بيروت -(خاص) من هناء الرحيّم 

كانت زحمة السير خانقة عند دوار السفارة الكويتية في العاصمة اللبنانية بيروت، فاطمة فتاة في الثلاثين من العمر كانت تنتظر في سيارتها، واذا بباب سيارتها اليمين يفتح فجأة، فتى على دراجة نارية تناول حقيبتها عن المقعد الجانبي ولاذ بالفرار. ذهلت فاطمة، تركت سيارتها وسط الطريق وانطلقت خلف السارق على امل ان تعيد ما سرقه منها.

لم تنفع صرخات فاطمة واستغاثاتها في إيقاف السارق، أما المراقبون فكانوا يتابعون المشهد من دون حول أو قوة استمرت المطاردة بين فاطمة والسارق لدقائق قليلة جداً كان السارق يتسلل كالماء من بين المسافات الضيقة بين السيارات، وظل كذلك إلى أن وصل إلى مخيم صبرا وشاتيلا هناك توارى عن نظر فاطمة وكل الأنظار، ذاب كما يذوب الملح في الماء. وقفت فاطمة أمسكت قلبها الذي كاد ان يتوقف من التعب ثم استسلمت إلى حافة الطريق جلست في صمت وحيرة.

كان لبنان يشتهر بجمال طقسه وسياحته العلاجية واليوم أصبح يعرف بظاهرة النشل والسرقات التي بدأت تغزو شوارعه وخصوصاً في العاصمة بيروت وضواحيها.

ظاهرة عجزت معها في كثير من الأحيان حتى القوى الأمنية في (المخافر) من مطاردة ومعرفة السارقين واسترداد حقوق الناس. 

وهذا ما حصل مع فاطمة التي عندما عجزت من اللحاق بالسارق قررت الذهاب إلى اقرب مخفر أمني من مكان حصول السرقة في بئر حسن، للابلاغ عن الحادثة فما كان من الدركي في المخفر المذكور الا أن قال لها “عوضك على الله … كل نص ساعة تحصل سرقة في هذه المنطقة .. ومش شغلتي الحقهم ..”! . و من المعلوم أن اغلب سارقي منطقة (الرحاب) القريبة من السفارة الكويتية في بيروت كما بات معروف للجميع انهم يلوذون بالفرار إلى مخيم صبرا وشاتيلا لأنهم يعرفون تمام المعرفة أن قوى الأمن لا يمكنهم الدخول إلى هذه المنطقة المحرمة عليهم إلا بأوامر عليا.

والمضحك المبكي أن اغلب المسروقات تباع في سوق الأحد الذي يقام على مشارف مداخل المخيم واغلب مبيعاته من المسروقات على “عينك يا تاجر”.

كل من ايدو إلو 

في ظل غياب دور وسلطة الدولة في استرجاع حقوق الناس اضحى الوضع في لبنان اشبه ما يكون ببلد (كل من ايدو إلو)، واكثر دليل على ذلك تزايد معدل السرقات والنشل من عام إلى أخر فبعد ان كان المعدل الشهري للنشل عام 2012 يقدر بـ 62 بالمائة ارتفع في عام 2013 ليصل إلى 71 بالمائة. أما بالنسبة لمعدل السلب من داخل السيارات فبعد ان كان المعدل الشهري 98 بالمائة عام 2012 أصبح 115 بالمائة عام 2013. ولكم ان تحكموا من خلال الارقام هذه مدى خطورة الموضوع وتفاقمه.

لقد بات اللبنانيون اليوم يعيشون هاجس السرقة في كل مكان في الشارع في السيارة في المنازل، لدرجة بات مشهد السيدات اللواتي يحكمن الإمساك بحقائبهن اثناء سيرهن بالشارع أو اللواتي يقفلن سياراتهن حتى اثناء قيادتهن لها منظرا مألوفا من باب الحرص ومن مبدأ ” لا تنام بين القبور و تشوف منامات وحشة “.

فيلم أكشن 

ويبدو أن فقدان هيبة الدولة دفع ببعض المواطنين ليحلوا محلها في ملاحقة السارقين واسترجاع ما تم سلبه، وهذا ما حصل مع السيدة (أم محمد) التي كانت تسير في الشارع فاذا بسارق أرعن على الدراجة النارية يضربها ويسلب حقيبتها منها فتسقط مرمية على الأرض، فإذا بشاب في سيارة يرى المشهد وتبدأ رحلة المطاردة بينه وبين السارق وكأنك تشاهد مشهدا لفيلم اكشن، يصطدم السائق بسيارة أخرى اثناء المطاردة يترجل من سيارته غير آبه ويتابع اللحاق بالسارق هو ومجموعة من الشبان إلى أن يمسكوا السارق ويسلموه إلى المخفر ويعيدوا المسروقات إلى السيدة التي اصيبت بكسور في يدها ورجلها. هكذا صار المنطق في لبنان كلّ يأخذ حقه بيده.

الرجال أيضا مستهدفون 

وبالرغم من أن النساء هن المستهدفات الأوائل من قبل السارقين والنشالين، ربما لإعتقادهم انهن الحلقة الأضعف، إلا أن الوقائع تؤكد أيضاً أن كثير من الرجال وقعوا في شباك صيد السارقين وهذا فعلاً ما حصل مع العم أبو هشام أثناء تسوقه في محل للخضار الذي عندما همّ لدفع ما قام بشرائه لم يجد محفظته فاكتشف أنه نُشل، التفت حوله فلم يجد إلا سيدات توجه فوراً إلى مخفر الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت وتقدم بشكوى سرقة محفظته التي كانت تحتوي على 600 دولار وبطاقات ثبوتية مهمة.

اضطر أبو هشام بعد حوالي الشهر وبعدما يئس من استرجاع محفظته إلى استخراج بدل فاقد لهويته و ورخصة قيادة و أوراق سيارته مما كلفه حوالي 700 دولار.

لكن الأغرب في هذه القصة انه بعد سبعة أشهر من السرقه يتلقى ابو هشام مكالمة من أحد الاشخاص في منطقة الصرفند جنوب لبنان يبلغه فيها انه وجد محفظته مرمية في سيارة قام بشرائها مؤخراً وكانت خالية إلا من البطاقات الثبوتية . 

اذن يخرج اللبناني من منزله ولا يعلم ان كان سيعود إليه أم لا، وان عاد فالله وحده يعلم بأي مصيبة، وعلى حد قول أحدهم ” اللبناني يخرج وحاملا حياته على ايديه”.

هم في خوف دائم، أو من انفجار مفاجىء أو من حادث سير قاتل، أو من سارق نشّال ارعن ، ويبقى السؤال معلقا “أين الدولة أين ؟”. 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث