أنا والكيماوي

أنا والكيماوي

أنا والكيماوي

حافظ برغوثي

السلاح الكيماوي تم تجريبه في الحرب العالمية الاولى، وكان فتاكا ثم في الحروب التالية. واستخدمه الاميركيون في حرب فيتنام بكثافة، وهو سلاح مرعب اكثر من غيره ربما لأنه يميت ببطء ويعذب من يصاب به سواء كان مسحوقا يقع على الجسد ام غازا ام سلاحا بيولوجيا ينشر الفيروس المميت.

 

وفي حرب الخليج الاولى كانت ثمة مخاوف من استخدام الاسلحة الكيماوية الفتاكة، واستعد لها الاسرائيليون  بالملاجىء الخاصة والكمامات الواقية من الغازات السامة والحقن المضادة للاسلحة الكيماوية. فيما كنا نحن كفلسطينيين بلا أية وسائل وقاية حتى ان القلة اغلقوا نوافذهم باحكام خشية تسرب الاسلحة الكيماوية الى المنازل بعكس الاسرائيليين.

 

ومع صلاة الفجر بعد اندلاع الحرب وبدء عملية عاصفة الصحراء وصلت صواريخ صدام الى المجال الجوي وايقظتني بانفجاراتها، واعلن رجل عجوز كان في المسجد يستعد للآذان بكلمات مقتضبة «صدام ضرب صواريخ» واغلق مكبر الصوت في مسجد القرية، وكنت اقيم قريبا من المسجد، فقمت وتأكدت من اغلاق النوافذ في غرفة النوم وعدت الى سريري مستلقيا مفكرا في السلاح الكيماوي الذي سرعان ما سينتشر وتحمله الرياح من الغرب أي من السهل الساحلي حيث التجمعات السكانية الاسرائيلية الى جبال الضفة القريبة غرب رام الله حيث اقيم.

 

 وكنت اتيت باطفالي الى غرفة النوم ولم اشأ ايقاظ أحد.. وصرت انتظر رائحة الكيماوي واحدق في الجبال التي لفها الصمت وبقايا الظلام الليلي.. ومرت الدقائق ببطء قاتل.. لم أكن آسفاً على الموت بالكيماوي’ فقد سبق لي عندما هدد صدام حسين اسرائيل بالكيماوي في مطلع عام 1990 ان كتبت مقالا في القبس الكويتية دعوته فيه الى فعل ذلك حتى لو كان الثمن ابادة الشعب الفلسطيني لأنه شعب تساوت لديه الحياة مع الموت بعد عقود طويلة من الاحتلال المميت.

 

ولهذا امضيت الدقائق الطويلة المفعمة بالمشاهد المتخيلة والموت وتيبس الاطراف وحشرجة الصدور واندلاق الالسن وازرقاق الاجساد اردد الأدعية والشهادتين، وفجأة انطلق صوت صياح الديك من قنه في الحقل، وكان صوته شجيا مستحبا اكثر من اي وقت مضى فهو يعلن دون قصد ان لا كيماوي في الاجواء وان الصواريخ التي ايقظنا دوي انفجارها تحمل رؤوسا متفجرة وليست كيماوية،وغادرت حجرة النوم فرحا بهذه البشرى من الديك، وآليت على نفسي الا ان اشتري له علفا مركزا بدل  الشعير ،فهو اول من بشرنا بعدم وجود الكيماوي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث