يا عزيز يا عزيز .. نحن نناهض التمييز

يا عزيز يا عزيز .. نحن نناهض التمييز

يا عزيز يا عزيز .. نحن نناهض التمييز

جيهان الغرباوي

 

القلقاس والمانجة والعرب: أكثر 3 حاجات تعاني التمييز وسوء الفهم وقسوة المعاملة من الأمريكان المتعجرفين، خاصة في هاواي وجزر الهونولولو، التي تجولت في أنحائها وعشت بين أهلها، قرابة أسبوعين كاملين، شفت فيهما العجب، وأنا أحاول في كل مكان ومناسبة أن أفصح عن هويتي العربية، و جنسيتي المصرية، بارتداء الزي الشعبي القومي – المتمثل من وجهة نظري – في الجلاليب البلدي المقصبة (شغل كرداسة ووارد الحسين)، وأغطية الرأس المشغولة بخرج النجف والخرز والترتر (فشر زنوبة العايقة في روايات نجيب محفوظ)، مع وضع كل ما تيسر من مشغولات فضية أو إكسسوارات محلية، مثل الكردان الصعيدي، والحلق التارة، والخواتم العريضة المرسومة بالخط العربي الفصيح، الأمر الذي كان يعطي لمظهري في أي مكان أتواجد فيه، تميزاً ملفتاً، وانفرادا لا تخطئه العين لكنه كان يعطي لمرافقي – في ذات الوقت – فرصة عظيمة ونادرة، لتقي أكبر قدر من الانتقاد والتوبيخ الذي وصل إلى الازدراء أحياناً، وإلى التعدي بالضرب في بعض الشوارع(!!)

 

مش قلتلكم فاهمين العرب غلط؟!

تماماً مثل القلقاس الذي يقدمه أهالي هاواي الكرام، على موائدهم العامرة بالأناناس والكريز وجوز الهند، كوجبة رئيسية جنباً إلى جنب الإستكاوزا، والجمبري وأسماك المحيط الهادي طازجة القوام رائعة المذاق، المشكلة الوحيدة أنهم مصممون على إعداد وتقديم القلاقس كعصير، لزج القوام، بنفسجي اللون، غني بالفيتامينات، عديم النكهة والرائحة (!)

 وأذكر أني قابلت هذا القلقاس كثيراً في عزومات غداء وعشاء كنت أدعي إليها في أفخم وأشهر المطاعم السياحية هناك، وأكثر من مرة غالطت نفسي وأعطيت لعقلي إجازة وحاولت تذوق عصير القلقاس هذا، فوجدت أن البشاعة أقل ما يوصف بها طعمه، والأغرب أن هذا هو رأي الأمريكان فيه أيضاً، لكنهم يحترمون قيمته الغذائية إلى حد الإجلال والتعظيم وفي الوقت نفسه لم يصل إلى علمهم بعد، أن القلقاس يمكن أكله مطبوخاً، مرة أخضر بالسلق، ومرة أحمر بالدمعة، ولذا كان أقسى اجتهاد لهم معه، هو استخدامه في عمل خبز القلقاس الموف، الذي يبدو على المائدة كقطعة صلصال لينة، شكلها يوحي باللعب أكثر ما يوحي بالأكل ومع ذلك جربته، فوجدت أن طعمه مخبوزا أرحم على كل حال من تجرعه معصوراً!

 

أما المانجة، التي ينادون عليها في شوارعنا بقولهم “عظيمة يا مانجة” فلها عند شعب هاواي، شأن أخر، يجعلهم – لسبب غير معلوم لي – حتى الآن يتعاملون معها على اعتبار أنها من فواتح الشهية فيقطعونها مكعبات،  ومستطيلات صغيرة، ويضعونها في الخل والملح والبهارات، حتى تصير “مخلل مانجة”، وبالهنا والشفا، تأكلها كصنف “حرش” مشطشط، يكسر ميوعه نفسك إذا جزعت من الحلويات أو الفواكه المسكرة.

 وهكذا هي تقريباً، نفس فكرة بعض الأمريكان عن العرب ، فنحن من وجهة نظرهم فصيل خاص من البشر معظمنا سوابق، ومسجل خطر في المواني والمطارات، لا شيء نحسن عمله، أكثر من القنابل والمتفجرات، ولا هدف لنا في الحياة، أهم من التخطيط للأعمال الإرهابية، وتنفيذ الحوادث الانتحارية، وقتل المدنيين الأبرياء في أبراج التجارة العالمية، لذا عذرت مرافقي (وهو مهاجر مصري الأصل، أمريكي الجنسية) عندما كان يصر ألا يتحدث معي بالعربية، في أي مصعد كهربائي لمبنى كبير، فذلك سوف يثير حولنا الشكوك، هذا غير أني سوف أرحل عاجلاً أو آجلاً، وتبقى له كراهية وضغائن جيرانه، وزملائه بالعمل، من الذين لو علموا أنه عربي مصري مسلم، فلن يهدأ لهم بال، ولن يهنأ لهم عيش، إلا إذا “طفشوه” وأبعدوه عن عمله ومقر سكنه بينهم (!)

 

في المساء كنا على العشاء في ضيافة فندق فخم ضخم، وكنت أنا بالزي المصري الشعبي إياه، عاملة فيها (سيدة من الشرق) وفشخورة قوي بالجلابية البلدي والمنديل أبو أووية، وشكلي البديع اللميع فخر الصناعة الوطنية، ورمز الشموخ والإباء ، واعتزازاً بالست أم كلثوم حين زارت باريس، وتمثلاً لكبرياء نفرتاري، وتمثالها يلف متاحف إنجلترا.

 

لكن الأمر يختلف في أمريكاً على ما يبدو، لذا توسل إليّ مرافقي أن أسرع الخطى وأنا أسير إلى جواره، نحو المائدة حاملة بين دي أطباق (الأوبن بوفيه) مما لذ وطاب من أصناف العشاء الشهي اللذيذ، و حيث إني كنت أسير بكعب عالي (9سم) لزوم الشموخ والكبرياء، طلبت منه، ألا يبالي، ويسبقني هو بخطواته الرجالي الواسعة إلى حيث شاء، لكنه أصر وأفهمني أنه لن يستطيع أن يسير قبلي بخطوة واحدة؛ لأن الأمريكان حولنا سيفسرون ذلك على أنه زوجي الذي يقهرني، ولا يسمح لي إلا بالسير خلفه، وحيث أن شكلي وحالي يغني عن سؤالي، فسوف يستنتجون أننا عرب متخلفون، نقمع المرأة ونحقر من شأنها، أمام الرجل الشرقي المستبد الظالم.

 

(كل هذا سيفهمونه لو مشيت متأخرة عنك خطوتين؟) هكذا سألت مرافقي مزدوج الجنسية مصري الملامح، واتهمته بالمبالغة والتهويل طبعاً، على أساس أنه يستعرض على عضلات ثقافته الأمريكية وخبرته بمجتمع لم يسبق لي التعايش معه من قبل، لكن ذكائي الفطري، و جينات المفهومية الوراثية في دمي يمنعاني منعا باتاً، من أن أبيع دماغي جزافاً هكذا أو أسمع لكائن من كان ، يسرح بي، “ويمَّيس عليا” ويركبلي البدالات في وداني.

 

وعلى هذا رفضت أية حجة مفتعلة أو سبب مصطنع ، يجبرني على تغيير مظهري أو سلوكي في أي مكان ، وتحت أي ظروف ،  ولقد دفع مرافقي المسكين، الثمن وحده، حين تلقي لكمة قوية مفاجأة من أحد المارة في الشوارع ،كان يسير فوق نفس الرصيف الذي نسير عليه في الاتجاه المعاكس، وحين عرف من شكلي وغطاء رأسي أني عربية ، ويرجح أن أكون مسلمة، هبد الرجل الملازم لي خبطة ، كادت توقعه أرضاً وتترك آثارها القوية على وجهه وكتفه وصدره.

 

وقد حاول مرافقي الغاضب وقتها، أن يلحق بذلك الأمريكي العنصري البغيض ويرد له التحية بأحسن منها، لكني وقفت في طريقه وتوسلت له ألا يفعل، وإمعاناً في نبذ العنف وتحسين سمعة العرب والمصريين بالخارج، قررت من يومها ألا أرتدي في شوارع أمريكا، غير الديرتي جينز والقبعات الخوص ، والتيشيرتات القطنية، والملابس الرياضية ، خسارة فيهم جلاليب التراث والغوايش والترتر (!!!).  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث