“صابر” رواية النكبة والانتفاضة ترى النور بعد عشرين عاما من الانتظار

“صابر” رواية النكبة والانتفاضة ترى النور بعد عشرين عاما من الانتظار

رام الله – “إرم”: ولدت الفكرة في مخيم الجلزون للاجئين الفلسطينيين القريب من مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، حين كان الكاتب سليم دبور طفلاً في المخيم، ونمت معه خلال رحلته وهو مطاردًا لقوات الاحتلال مدة تسعة شهور، ومن ثم أسيرًا في سجون الاحتلال إلى صحافي بعد الإفراج عنه، لترى روايته “صابر” النور أخيرًا في مدينة رام الله، مساء أمس “الأربعاء”، بعد عشرين عامًا من الانتظار.

رواية “صابر”، التي تقع في (491) صفحة من القطع المتوسط، موزعة على (27) جزءاً، والصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع؛ تروي واقع القضية الفلسطينية من خلال حقبتي النكبة الفلسطينية في العام 1948، و”انتفاضة الحجارة” في العام 1987، ليكون المخيم فضاءها المكاني، مجسدة رحلة عذاب الفلسطيني، وصنوف العذاب التي تعرض لها بسبب الاحتلال على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

بدايات الكتابة

الكاتب سليم دبور وخلال تقديم روايته، استحضر بدايته مع الكتابة في عمره الثاني عشر، حين نجح باجتياز المرحلة الابتدائية واضطراره للعمل في الشوارع ببيع “الذرة والحلاوة” من أجل شراء حذاء جديد، بدلًا من حذاء البلاستيك الذي كان يلبسه، ليذهب به في أول أيام المدرسة.

ويوضح دور “ذهبت بالحذاء إلى المدرسةفي اليوم الأول والسعادة تغمرني، وفي حصة اللغة العربية طلب المعلم من الطلبة كتابة موضوع تعبيري، وبعد الانتهاء من المدرسة توجهت إلى المسجد لأصلي، فاكتشفت بعد انتهائي من الصلاة أن الحذاء قد سرق، وهو ما أصابني بحالة جنون، فذهبت إلى البيت وكتبت وأنا بحالة نفسية سيئة، قصة بعنوان “من سرق حذائي”.

في اليوم التالي طلب استاذ اللغة العربية أن نسلمه الموضوع التعبيري الذي طلبه، والذي لم اكتبه، فجازفت وسلمته القصة التي كتبتها، ليفاجئني في اليوم الثاني الأستاذ بالمديح والثناء، ثم همس في أذني “أنت كاتب وسيكون لك مستقبل كبير، استمر في الكتابة، لتكون القصة أول عمل نشر لي في صحيفة القدس المحلية”.

“صابر” .. البطل مجنون

وتتمحور الرواية حول بطلها “صابر”، الذي يعيش مع والده المشلول في غرفة بالمخيم، وما تعتري تلك الحياة من ملامح البؤس والفقر، حيث بيوت “الصفيح” المثقوبة، والتي من خلالها يتسلل المطر حاملًا برد الرياح إلى أجسادهم.

وولدت فكرة الرواية لدى سليم دبور في عمره الثامن عشر مع اندلاع “انتفاضة الحجارة”، حين قرر تغطية أحداثها، واختار شخصية “صابر”، التي تمثل كل شخصية فلسطينية بالمجمل، مع أخذ الاجيال القادمة بالاعتبار وضرورة تضمين أحداث النكبة، وطرد الفلسطينيين من ديارهم من خلال استحضار شخصية العجوز “أبو العبد”، الذي تحدث عن تلك الحقبة.

وتتجسد معاناة “صابر”، الذي يمثل الإنسان الفلسطيني في المخيم، خلال حديثه مع والده المتوفى، ووصفه له “ما آلت إليه ظروفه الصعبة، وظروف المخيم من اجتياحات، وحظر للتجوال، وقطع الكهرباء والماء، وتعذيب الشباب والشيوخ والأطفال واعتقال قوات الاحتلال لهم.

ويثير سليم دبور في روايته قضايا كثيرة متشابكه، لكنها تصب في بؤرة وصف الواقع الفلسطيني أثناء الهجرة عام (1948)، وحال المخيم أثناء انتفاضة عام (1987)، فالزمن في هذه الرواية هو زمن النكبة وزمن الانتفاضة الأولى.

ويوثق الكاتب دبور في روايته، التي يمكن اعتبارها عملأً توثيقيًا، ظلم الاحتلال في تلك الحقب والمستمر حتى اللحظة من خلال إبراز تلك الاعتداءات، وقمعهم لأبناء المخيم خاصة أثناء حظر التجوال، وإخراج الأطفال والرجال إلى باحة المدرسة ضربًا”.

ولا يسقط دبور في روايته المرأة الفلسطينية؛ بل يظهر دورها النضالي من خلال خرقها حظر التجوال لملأ الماء من الينابيع رغم اعتداءات قوات الاحتلال، وكذلك أساليب المحتل في التحقيق مع الأسرى الفلسطينيين وتسليط الضوء على ما يعرف بـ “العصافير” وهم (عملاء إسرائيليون يندسون في غرف الأسرى ليأخذوا معلومات دون علمهم).

وأثار الكاتب الروائي قضية حساسة لدى المجتمع الفلسطيني، وهي العمالة، وكيف استطاع الاحتلال أن ينزع الفلسطيني من انتمائه الوطني بأساليب شتى ليصبح واشيًا، خائنًا لوطنه ولأبناء شعبه، مشيرًا إلى ذلك من خلال الشاب شريف، الذي عمل صديقه حسني على إسقاطه.

ورغم كل المشاكل التي طرحها دبور في روايته، إلا أنه قدّم في نفس الوقت حلولاً لمعالجتها كقضية الخيانة، من خلال “استحضار شخصية فتاة حاول الاحتلال الإيقاع بها، لكنها لجأت إلى رجال المقاومة الشعبية، الذين قاموا بتقديم الخدمة لها، وإنقاذها”.

ويتعرض “صابر” إلى الاعتقال من قبل جيش الاحتلال، لكن زوجته تسمي ابنه صابرَا تيمنًا بوالده، والذي يقوم بعد الإفراج عنه بحبس ابنه في قفص متصورًا أنه “يحميه من أخطبوط الموت، الذي يختطف بأذياله الصغار والكبار، يسلبهم أرواحهم بدم بارد”، لتنتهي قصته بالحكم عليه بالجنون ودخول مشفى الأمراض العقلية، لتكون نهاية الرواية قاتمة ومؤلمة، كما كانت حياة “صابر”، وكما هو الواقع الفلسطيني.

صواف: رواية تحكي القضية

من جانبها، قالت الناقدة الأدبية باسمة الصواف: إن دبور لم يترك شأناً يخص القضية الفلسطينية إلا وذكره، مثل: حرب حزيران، وانضمام القدس الشرقية إلى القدس الغربية، وانسحاب اليهود من سيناء، وقطاع غزة بعد فشل العدوان الثلاثي، واحتلال مدينة غزة، ومذبحة كفر قاسم، ومجزرة تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا، وبناء المستوطنات على أراضي اللد، وحرق المسجد الأقصى على يد المتطرف (مايكل روهان).

وتضيف الصواف: إن الكاتب استحضر شخوصًا تتناسب وموضوع الرواية، فكانت شخصية صابر البسيطة والذكية في ذات الوقت، لكنه كان يحمل بؤسًا، وحملاً كبيرًا، كما جميع الشباب الفلسطيني الذين يتخرجون من الجامعة ويبحثون عن عمل يتناسب وشهاداتهم، لكنهم يصطدمون بواقع مرير فيضطرون إلى العمل في ورش البناء، أو في مسح الأحذية من أجل الحصول على لقمة العيش.

ولكن شخصية “صابر” لا زالت تقع في مآزق متكررة سببها الاحتلال، فكان يشعر بأنه مستهدف، لذا قال صابر “أتعلم يا أبي، أن أصحاب العقول الفذة والضمائر الحية هم المستهدفون، وهذا هو واقع الشباب الفلسطيني أثناء الاحتلال”، كما تقول الناقدة الصواف.

واستحضر الروائي دبور شخصية “جرعوش” المجنون، وهذه الشخصية تكاد تتواجد تقريبًا في كل مخيم، ومع ذلك لم ينس “جرعوش” واجبه الوطني في مقاومة الاحتلال.

وحول لغة الرواية، قالت الصواف إن: اللغة التي استخدمها دبور واقعية ومباشرة، فاستخدم أسلوب الخطاب المباشر في وصفه للواقع الفلسطيني، لتصل آراؤه إلى كل فلسطيني، في حين جاء السرد مشوقًا، متماسكًا، ولم نشعر بفجوة، على الرغم من الأحداث الكثيرة والمتشعبة التي استحضرها الروائي دبور، لكن السرد لم يخلُ من المبالغة أحيانًا.

وأكدت أن رواية “صابر” تعد تأريخًا لأهم الأحداث التي مست القضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني، وهي إرث تاريخي للجيل الفلسطيني الحالي، ولأجيال المستقبل الذين لم يشهدوا تلك الأحداث التي مرت بها فلسطين.

ودبور كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، عُرف بكتاباته الجريئة التي تلامس هموم المواطن الفلسطيني والتي شكلت نقلة نوعية على مستوى السينما الفلسطينية الجادة، وله عدة أعمال سينمائية وتلفزيونية وقصص قصيرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث