نساء لبنان “المضروبات” يصرخن كفى

نساء في لبنان يتعرضون للضرب ويتغيثون لحل مشاكلهم

نساء لبنان “المضروبات” يصرخن كفى

بيروت – (خاص) هناء الرحيّم

العنف والضرب هو عنوان حياة “نهى” منذ كانت طفلة صغيرة، فقد تربت في كنف عائلة كان الأب فيها يضرب الأم والأولاد، وعندما كان هذا الأخير يغيب عن المنزل، كان الأخ الأكبر يتسلم مهمة الضرب عنه. ولم يكن لها غير الحمام ملجأ تلك الأوقات المؤلمة من حياتها، الحمام صار حاميها وصديقها الوحيد الذي تقضي فيه معظم وقتها.

أكملت نهى دراستها وعملت في احدى المؤسسات حيث تعرفت على زوجها، فاستمرت خطوبتهما أربع سنوات، نجح فيها أن يخفي حقيقته التي ما لبثت أن تحولت بعد الزواج إلى إهمال لها ولأولادها، يتّكل عليها في المصروف ويسرف في شرب الكحول، وحين يعود للبيت سكرانا يضربها لأتفه الأسباب.

 وقصة نهى ليست سوى نموذج صغير لمئات وربما آلاف السيدات اللبنانيات اللاتي يعانين من العنف الزوجي  ويحاولن الوقوف في وجهه، وتسليط الضوء على هذه المشكلة المستفحلة منذ القدم، لكنها كانت تتم في صمت ولا يسلط الضوء عليها بسبب العديد من الضوابط والعادات الاجتماعية.

 

وبدأت مشاكل العنف الزوجي تطفو على السطح اليوم بمساندة من وسائل الاعلام و جمعيات المجتمع المدني في لبنان لوضع الإصبع عليها، والوقوف على أسبابها، ومحاولة وضع حد لها. وأكبر دليل على ذلك هو متابعة جمعية مثل “كفى”، التي تعمل على مكافحة كافة أشكال العنف والاستغلال الموجهة ضد النساء والأطفال، لحوالي 357 حالة سيدة معنفة في عام 2012 فقط! فما بالكم بالحالات التي تترد على الجمعيات الأخرى، وتلك التي لا تزال أسيرة الصمت والخوف!

 

وحشية زوج وأب

 

مأساة أخرى مرت بها ( خ. س) التي كانت ضحية العنف الزوجي، وبعد خروج زوجها من السجن بدأ مسلسل الرعب في حياتها .. كانت تعمل وتشقى وهو يجالس عشيقاته في البيت أثناء غيابها، ويضربها هي وأولادها بوحشية لا توصف تصل لحد الإغماء ويضعهم تحت الماء لإيقاظهم ومن ثم يتابع مهمته الشنيعة.

 تذكر ( خ.س) أنه في ذات ليلة ظل يضربها من الساعة السادسة مساء حتى الرابعة صباحاً، وكسر يدها وجرها للفراش ليرضي غريزته. ثم هربت من المنزل لتنام في مدرسة كانت تعمل فيها، لأنه لم يكن لديها مكاناً تلجأ إليه.

في احدى المرات اصطحبت ابنها إلى القاضي لتريه الضرب على جسده، فأمر بتوقيف الوالد وبمساعدة منظمة “كفى عنف واستغلال”، تمكنت (خ.س) من الحصول على الطلاق غيابياً. تقول الضحية أنه لو كان هناك في الدولة اللبنانية قانون، لما تجرأ زوجها على ضربها وأولادها، ولا ورث ابنها وحشية وعنف أبيه! وتؤكد أن الحاجة باتت ماسة جداً لسن قوانين عادلة في لبنان ليس فقط بحق النساء، وإنما بحق الاطفال أيضاً.

 

كفى عنف واستغلال

 

 ترجع الأستاذة ريما أبي نادر، مسؤولة مركز الاستماع والإرشاد في منظمة “كفى” أسباب العنف الزوجي ضد المرأة إلى “كون المجتمع اللبناني والعربي عموماً هو مجتمع ذكوري بالدرجة الأولى يعطي الرجل الحق الأول في كل شيء، ومما ساعده على ذلك عدم وجود قوانين تجرم العنف ضد المرأة”.

ويقوم مركز الاستماع والإرشاد في منظمة ” كفى عنف واستغلال”  بتقديم خدماته لكل امرأة معنفة بمعزل عن الجنسية، ويؤمن لها المساندة اللازمة لإعادة بناء حياة خالية من العنف، وذلك من خلال فريق عمل متعدد الاختصاصات، وفي إطار السرية المهنية واحترام الخصوصية الفردية.

وتوضح أبي نادر خدمات المركز بأنها “استماع وإرشاد ومرافقة من قبل مساعدة اجتماعية، لكي تتمكن المرأة من تحديد مشكلتها، واتخاذ القرار الأمثل لخصوصية وضعها، والحصول على تقرير طبيب شرعي يوثق العنف الجسدي الذي تعرضت له المرأة (كدمات، حروق، رضوض، إلخ) وتقديم الاستشارة القانونية المجانية التي تعرف المرأة على حقوقها القانونية، والإجراءات التي يمكنها اتخاذها في حال قررت هي ذلك”.

هذا بالإضافة إلى التمثيل أمام المحاكم المختصة إذا لزم الأمر، والمتابعة من قبل أخصائية في علم النفس تساعد المرأة على إدارة أوضاعها بصورة فعالة.

وتعرّف العنف ضد المرأة بأنه أي عمل من أعمال العنف الممارس عليها لكونها امرأة ينتج عنه أذى بدني أو جنسي أو نفسي أو أي معاناة للمرأة، وذلك يتضمن التهديد بالقيام بأعمال من هذا القبيل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية.

وتعدد أأأنواع العنف ضد المرأة بالجسدي (الضرب والحرق  وشد الشعر والخنق ورمي الأشياء عليها والتهديد بالسلاح …)، أو المعنوي (إهانة المرأة أوتحقيرها أو تهديدها أو تكسير أغراضها أو عزلها …)، و العنف الكلامي واللفظي (الصراخ والشتائم والإهانات)، والاقتصادي (كالاستيلاء على مالها أو إجبارها على العمل أو منعها منه أو عدم إعطائها المال لمصروف العائلة) وتشير إلى أن العنف قد يتطور إلى عنف جنسي أيضاً قد يصل لحد الاغتصاب الزوجي أو دفع المرأة لإقامة علاقات مع آخرين وحثها على الدعارة.

 

آثار لا تُمحى

 

توضح أبي نادر أن العنف الزوجي لا يترك آثاراً جسدية على المرأة فحسب، بل ينتج عنه أيضاً آثار عديدة على مستوى الصحة الجسدية المباشرة وغير المباشرة، تبدأ من الكدمات والكسور، وتصل إلى حد الآلام المزمنة أو الإدمان على الكحول أو المخدرات والإفراط في التدخين أو تناول المهدئات. هذا فضلاً عن الآثار النفسية التي تعانيها المرأة خلال هذه المرحلة من آلام معاناة وقلق وضغط وتوتر واكتئاب كالشعور بالحزن وفقدان الاهتمام والعزلة الاجتماعية. الأمر الذي ينتج عنه آثار اقتصادية على المرأة العاملة بشكل خاص، كالتغيب عن العمل وانخفاض الإنتاجية، كما يؤدي أيضاً إلى تفكك العائلة ويؤثر على نمو الأطفال فيها.

 

المرأة تنتظر الإنصاف

 

من الإنجازات التي قامت بها منظمة “كفى” أنها اقترحت قانون حماية المرأة من العنف الأسري، حيث أن قانون العقوبات اللبناني لم يتطرق إلى هذه الناحية. وتشرح المحامية ليديا فرح في مركز الإرشاد والاستماع عن ماهية القانون الذي “يجرم ضرب وإيذاء واغتصاب وقتل النساء، وتشغيلهن بالدعارة وحجز حريتهن، ووضع اليد على أموالهن، وتحريضهن على التسول”.

وتضيف: “يعفي مشروع القانون النساء من مصاريف الشكوى، وينشىء صندوقاً خاصاً يغطي تكاليف العلاج للنساء ويؤمن لهن ولأطفالهن مكاناً آمناً، ويمنح الشخص المعنف فرصة جديدة لاستئناف حياته الأسرية بعد خضوعه لجلسات تأهيل من العنف”.

وتأخذ فرح على الدولة اللبنانية غيابها التام عن كل مبادرات مساعدة المرأة  التي تأتي من المجتمع المدني، في حين أنها ليست مسؤوليته، بل مسؤولية الدولة”.

 وتشير إلى أن “اقتراح قانون حماية المرأة من العنف الأسري الذي قدمته جمعية “كفى” بات جاهزاً، بعدما قامت اللجنة المنبثقة عن اللجنة النيابية المشتركة بدراسته، وهو ينتظر أن يتم إدراجه على الهيئة العامة لمجلس النواب لمناقشته والتصويت عليه”.

وتوضح فرح بأن مشروع القانون “لا يجرم الرجل في الأسرة بل فعل العنف الممارس ضد النساء سواء صدر عن رجل أو امرأة، وهو لا يفكك الأسرة، بل إن العنف السائد داخل الأسرة هو الذي يفككها، ولا يمنع السير في مفاوضات الصلح، لأن تدبير الحماية هو إجراء مهمته إبعاد الشخص المعنف عن الضحية، لإبعاد الخطر الذي يهدد سلامتها، وبالتالي يمكن رفعه وإلغاؤه في أي وقت متى انتفت الحاجة إليه”.

إذاً، وبعد كل ذلك آن الاوان لك سيدتي أن تصرخي وتقولي “كفى” ولا تتستري عن الخطأ فترتكبي جريمة في حقك وحق أولادك!  فلا تخجلي، بل حريّ به هو ان يخجل بفعلته. 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث