“القميص المسروق”.. مونودراما تُجسّد الجرح الفلسطيني المفتوح

“القميص المسروق”.. مونودراما تُجسّد الجرح الفلسطيني المفتوح
المصدر: رام الله- (خاص) من أحمد ملحم

أيقن أبو العبد “المتعلم” وهو يحفر خندقًا حول خيمته التي يتربص بها المطر، وأبو سمير “يلح” فوق رأسه، “أنهم لصوص”، واللصوص لا يموتون، لكنهم يغيرون لباسهم ومناصبهم في كل مرة، لقد كانوا يسرقون أرض الفقراء “أيام البلاد”، وأصبحوا يسرقون رغيف خبزهم في المخيم.

ورغم حاجته الماسة للعمل، إلا أن أبو العبد البطل الرئيس في قصة غسان كنفاني “القميص المسروق” ينتصر لهدفه بتعليم الناس وتنويرهم حين يهوي بـ”رفشه” صارخا على رأس أبو سمير “الفاسد” الذي يسرق طعام اللاجئين ويقنعه بالعمل معه، “أنا مش حرامي.. أنا زلمة متعلم بدّي أعلم الناس وأنور عقولها، إن الطحين لن يتأجل توزيعه هذا الشهر”.

هنا وقف الجمهور وصفق طويلًا للفنان والمخرج الفلسطيني مصطفى أبو هنود، الذي قدم طيلة 50 دقيقة “مونودراما” موجعة تحكي واقع اللاجئ الفلسطيني، مستندًا إلى ثلاث قصص قصيرة للشهيد الأديب غسان كنفاني، هي “القميص المسروق” و”ورقة من الطيرة” و”ورقة من حيفا”.

وجسّد الفنان أبو هنود في “المونودراما” التي تراوحت بين البكاء المرّ والضحك الأكثر مرارة، من خلال تأديته لأدوار جميع شخصياتها، “قيمًا لدى الفلسطيني لم يسقطها الزمن”، كحقه في المقاومة “من خلال ذكر قصة المناضلين الشهيدين محمد الحنيطي وإبراهيم أبو دية”، وتمسكه بحق العودة “من خلال رمزية الخيمة، ورفضه سرقة قوت إخوانه اللاجئين رغم حاجته للعمل”.

ولجأ أبو هنود في عرضه إلى فن “المونودراما”، وهو أحد الفنون الدرامية وأشكال المسرح التجريبي القائمة على ممثل واحد يسرد الحدث أو الرواية عن طريق الحوار بين شخوصها، ومنح كل واحدٍ منهم صفة شكلية أو صوتية تميزه عن الآخر.

اللاجئ لا يزال على قيد الحياة

عن فكرة العرض المسرحي، قال أبو هنود إنه أراد الاحتفال بعودته إلى فلسطين قبل عام بطريقته الخاصة بعد رحلة شتات بدأت منذ 67، من خلال استحضار قصص الشهيد غسان كنفاني؛ لإيصال رسالة توعيةٍ ضد تغييب اللاجئ الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجها، فهو ما زال حيًا وحقوقه مسروقة، ولا شيء يغنيه عن حقه بالعودة إلى أرضه.

ويبيّن أن رسالته إنسانية ووطنية، تتعلق بالإنسان اللاجئ الذي عانى طيلة 65 عامًا من اللجوء والتشرد، من خلال “الإضاءة على جوانب تلك الحياة”، معتبراً “أن أكبر فضيحة على مستوى البشرية هي قضية اللاجئين”.

وجسد أبو هنود في عرضه المسرحي الواقع المعيشي الصعب للاجئين، من خلال انعدام فرص العمل، وربط قوت يومهم بما تقدمه لهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين من مساعدات، والتي تماطل خدماتها لهم؛ مما يضطرهم المكوث جوعًا لأيام، بينما يقوم بعض الفاسدين ببيع الطحين بالتعاون مع المسؤول الأميركي.

وبذكاء.. قارب أبو هنود بين ما قاله غسان كنفاني والواقع السياسي المتمثل بمساعِ الأميركي؛ لتمرير اتفاق سلام يسقط حق العودة “لا، لا تعجب، كل شيء يصبح جائزًا ومعقولًا بعد الاتفاق، فالأمريكي يبيع، وأنا أقبض، والحارس يقبض.. وأنت تقبض، وكله بالاتفاق، فما رأيك”، على لسان أبو سمير بالقول “بقلك كل شي مرتب حسب الأصول، حسب الأصول”.

غسان الأقرب إلى واقع

وعن سبب اختياره لقصص غسان كنفاني يوضح أبو هنود “اخترت هذه القصص بالذات؛ لأنها تعبر عمّا أريده تحديدًا، وعن الشيء الذي كنت أفكر فيه وأحلم بتقديمه، وعندما قررت إنتاج هذا العرض لبّت هذه القصص رغبتي، وبالتالي مضيت بهذا الاتجاه”.

وصدرت مجموعة “القميص المسروق” القصصية القصيرة عام 1982 بعد اغتيال كنفاني بعشر سنوات.

وأكد أبو هنود أن كنفاني قدم أدبًا مليئًا بتفاصيل حياة الفلسطيني المختلفة خاصة بعد النكبة واللجوء، ما يفسح المجال للاستفادة منها وتشكيلها بأعمال فنّية تمثل المعاناة الفلسطينية، المستمرة والمتشابهة منذ 65 عامًا.

وعن رأيه في المسرحية، قال الفنان والمخرج عبد الرحمن ظاهر: “الفنان مصطفى أبو هنود أبدع في هذه المسرحية، وخاصة أنها منقولة عن روائع الشهيد غسان كنفاني، ليتم إسقاطها على الواقع الفلسطيني بطريقة رائعة”.

وأضاف ظاهر: “أتمنى أن يتم تكثيف الجهود لزيادة النشاط في هذا النوع من الفن؛ لتسليطه الضوء على القضية الفلسطينية بطريقة تعيد الوعي للمشاهد الفلسطيني بقضيته”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث