عندما تضحك حيفا

عندما تضحك حيفا

عندما تضحك حيفا

نظير مجلي

 

لم يسمح للدمعة أن تسيل، لكنها ترقرقت في المآقي ولمعت بأشعة شمس حيفا عند الغروب. هكذا هم الفلسطينيون المغتربون عندما يأتوننا زائرين للوطن بتصريح اسرائيلي مفروض، لا مجال أبدا للدخول من دونه.

 

وفي شهري رمضان وشوال الأخيرين، وخصوصا في عيد الفطر، أصدرت سلطات الاحتلال الاسرائيلي أكثر من مئة ألف تصريح. فامتلأت شوارع حيفا وشواطئ يافا وأسواق عكا بعشرات الألوف منهم، لا يحول بينها وبينهم فقر أو ضائقة أو صيام. انتشروا فيها بشوق وشهوة. غرفوا من هوائها بالقفة وتمرغوا على أهوائها بخفة. استنشقوا من عبيرها وتمتعوا بأجوائها ودهشوا بجمالها ولم يفوتوا فرصة لمشاهدة ما عرفوه من بعيد. اشتروا تذكاريات خشب الزيتون وزيت الزيتون وماء عين العذراء النصراوية، وعادوا محملين أطنانا من ريحة الوطن. 

 

وكما في كل  حدث فلسطيني، دارت نقاشات حادة على ورق الصحف وتكتكة الشبكة العنكبوتية وعلى شاشات التلفزة وأثير الإذاعات: هل نخدم الاحتلال بهذه الزيارات أم نعزز الانتماء للوطن. هل نشجع التطبيع أم  نهزم التشريد. وكان بيننا من اعتقد أن هذه الزيارات تقوي الاقتصاد الاسرائيلي، غافلين حقيقة أن هذا الاقتصاد لا يحتاج لهذه الزيارات حتى يثري ثراءه. وان غرض الاحتلال منها هو “تنفيسة”، يريد أن ينفس بعض الضائق الخانق الذي يسببه للفلسطينيين في كل يوم.

 

قلت لصديقي ابو عايدة: أين تحب أن يكون اللقاء. فتجاهل ظرف المكان ورد بظرف الزمان والأوان: عند غروب الشمس في بحر حيفا. فقلت: هل ستنتظرني ساعتين؟ فقال: في هذا المكان أنتظر يومين. وشاهدنا معا كيف غطست كرة الشمس، حمراء ارجوانية ساحرة في اعماق البحر المتوسط. وتجولنا في الحدائق المعلقة التي هندسها البهائيون على صدر جبل الكرمل الساحر. وشربنا القهوة فوق قمة تطل على عكا والجليل. وعبرنا في أزقة وادي النسناس، الذي يحمل عبق الماضي الحزين. ثم دخلنا إلى غرفة المكتب “نلخص المشوار”، كما نفعل عادة نحن الفلسطينيين لتبرير ثرثرتنا وتفسير تمزيقنا لحم بعضنا البعض.

 

لكن ضيفي غير العادي راح يستحضر الحنين إلى حيفا، التي ولد فيها قبل أربع سنين من النكبة. وأصر على استرجاع ما خزنته ذاكرته خلال سبعين عاما خلت. وأخذ يصف المشهد الأخير في طفولته، قبل دقائق من لحظة تحوله إلى لاجئ فلسطيني مع بطاقة من وكالة الغوث في سورية: “كانت هناك شجرة كينا عالية”، قال. فزادت دقات قلبي حبتين، إذ أنه يكلمني وهو يجلس أمامي ومن ورائه أرى شجرة كينا عالية فعلا أشاهدها ألف مرة كل يوم من مكتبي. فهي منتصبة أمام عيني. وتابع: “كانت ساحة دارنا رحبة، ومن حولها كل الحوانيت التي نحتاجها في قلب وادي النسناس. عندما ترسلني والدتي لشراء الخبز، كنت أدخل من الباب الخلفي للفرن، الذي يطل على الساحة، وليس الباب الأمامي على الشارع الرئيسي. وبجواره كان حانوت الخضار، وهو ضيق جدا لا أنسى رائحة عفن بقايا الفاكهة فيه. وهناك بيت لجيراننا يصعدون اليه بسلالم معلقة، لكنها بيضاء ناصعة لطالما تعشمقنا عليها. يا إلهي كم أشتاق إلى تلك الطفولة…”.

كان يتكلم حالما، وكنت أستمع اليه مذهولا. فهو يصف المشهد الماثل أمام عيني تماما. جلس وظهره للشباك، الذي رايت من خلاله كل تفاصيل الصورة التي وصفها. كل التفاصيل. الشجرة والفرن والحانوت والبيت الأبيض.. لم أكن بحاجة لقول أي شيء. فقط اشرت له بإصبعي، فالتفت وراءه وفهم على الفور. هب واقفا على قدميه وصاح: هذا هو.. هذا هو.. بيتنا. الشجرة.. بيت الجيران الأبيض.. وحتى الفرن موجود؟

ضحك وبكى وضحكت حيفا لكن، بلا دموع.  

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث